بسم الله الرحمن الرحيم

ضج  المكان بأحتدام النقاش وتعالي الأصوات  في فصلنا الدراسي  بعد أن شاع الخبر  بأن اليوم الأخير و الختامي للنشاط العام  للجمعيات الأدبية  قد تم تحديد تاريخه من قبل أدارة المدرسة    . 

 كان وقع الخبر علينا كدوي وقع الصواعق على الأشجار  ، فهو  اليوم المشهود الذي تتطلع أليه كل أفئدة طلاب المدرسة  لمعرفة حصاد  حراكهم  الثقافي الذي  قدموه  من خلال نشاط الجمعية الأدبية طوال  العام الدارسي  .

 

لقد كان النزال  و التنافس  في عامنا ذاك  كحرب حامية الوطيس أشتدت أوزارها علي الجميع ، و قدم  من خلالها الطلاب  من مختلف  فصول وأنهر المدرسة  كل ماجادت به أبداعاتهم  وخلصت  أليه  أفكارهم   في  النشاطات الفنية و الثقافية و الأدبية  المتعددة  ، لذلك كان التكهن  بأحقية المراكز الثلاثة الأولى الفائزة بأوسمة الأنجاز و الأبداع  الطلابي  أمرا  صعب  المنال  علينا   ! ! ؟

 

هكذا كان  نشاط الجمعيات الأدبية  في مدرسة  أم درمان الأهلية المتوسطة بنين . . .  أرث  تليد  معلوم و معروف عنها تميزت به هذه المؤسسة التعليمية  لعدة سنوات وتناقلته داخل أسوارها  وفي محرابها  التربوي و التعليمي الأجيال المتعاقبة  جيلا بعد جيل  . 

 

كانت  الثلاث حصص الأولى  من  يوم الأثنين من كل أسبوع يوما أحتفاليا لها  لتنظيم هذه التظاهرة الطلابية المهمة ( الجمعية الأدبية الخاصة بفصل ما ) ، بعد أن تجرى قبل ذلك  في أول العام الدراسي مراسم القرعة لتوزيع التتباع  الزمني وتسلسل الأدوار بين مختلف الأنهر و الفصول  من  قبل أدارة المدرسة   ! ! ؟

 

كان  طلاب  الفصول الأولى التي يقع عليها  الأختيار  المبدئي  لتنظيم  الشهر الأول  تندب  حظها  العاثر على ذلك ،  بحكم أنها لن تستطيع أن تراقب الآخرين فيما سوف يقدمونه من فقرات ، فتستفيد من عثراتهم  تلك   فتجيد وتقدم أفضل منها ، مما قد يترتب  خصما وسلبا عليها في التقييم النهائي لأفضل ثلاث جمعيات أدبية قدمت خلال العام الدراسي للمدرسة .

 

وكان الآخرين في المقابل  يحمدون الله على ذلك الأمر  لأن الوقت قد يسعفهم للأجادة و التمكن في تقديم الفقرات التي قد  ترضي أدارة المدرسة وتلفت أليها  لجنة التحكيم المركزية ،  فترشحها لأحد المراكز الثلاثة الآولى على مستوى المدرسة و التي كانت  تضم أربعة أنهر وأثنى عشر فصلا  .

 

 أذكر جيدا  كيف كنا نلتف  بشغف و ضيق حول  المعلمين بعد نهاية  كل  جمعية أدبية لنتطقس آراءهم حول اليوم و نستجلي ملاحظاتهم عليه من ناحية الأجادة أو القصور ، وكيف أنهم كانوا في المقابل يتحاشون النقد أو التعليق عليه ، ويكتفون فقط بأن  ينبهوننا أن نستفيد من هؤلاء السالفين للأجتهاد في تقديم  الجديد الذي قد يتفوق عليهم ،  بقصد أشعال المنافسة وتحفيز الطلاب لأخراج  كل ما لديهم من أبداعات و طاقات كامنة  .

 

أنتظرنا بشغف شديد  وصول أستاذ عادل ( المنسق العام للنشاط الطلابي بالمدرسة ) حتى يؤكد لنا الخبر الذي آتى به أحد زملاءنا وشاع في كل أرجاء المدرسة  .  بعدها و بدقائق معدودات مرت علينا كالساعات ،  رأيناه هو بنفسه  يتثاقل الخطى نحونا قادما من ناحية مكتب المدير ، وكأنه كان يعلم مدى شغفنا لمعرفة تفاصيل النبأ ، حتى وصل ألينا  في الأخير  بالفصل وأبتسامته العريضة تعلو وجهه ثم الهدوء و الصمت يطبق و يحل بالمكان ويضفي عليه رهبة و سكونا .

 

لم يتحدث أستاذ عادل على التو وآثر النظر ألينا  بصمت حتى يرفع من وتيرة الأثارة و التوتر في نفوسنا ويرى بنفسه درجة تلهفنا للمناسبة ، خصوصا أنه كان يعلم جيدا  أننا كنا نتوق  لمعرفة أي تسريبات منه عن هوية الفصول الثلاثة الأولى الفائزة بأوسمة الأنجاز و الأبداع  المدرسي .

 

 وبالفعل قد كان له ما أراد ، فقد شعرنا جميعا  من هول و عظمة تلكم  اللحظات  أن قلوبنا قد صمتت من الخفقان وأن عروقنا  قد جف  نبع جريان الدماء فيها ! ! ؟

 

تعلمون ياشباب أن الأدارة قد حددت تاريخ اليوم الختامي لكرنفال الأبداع الطلابي للجمعيات الأدبية بعد سريان الخبر في كل أرجاء المدرسة قبل قليل  ( و الحديث للأستاذ عادل ) . أود أن أشرح لكم بعض التفاصيل و الأمور الهامة التي تتعلق بهذا اليوم والتي أظن أنها قد تكون غائبة عنكم بحكم أنكم مازلتم في السنة الأولى  بالمدرسة . . .  هذا اليوم تشترك فيه كل فصول و أنهر المدرسة بفقرات معينة  ، سوف يتم فيه كما تعلمون أعلان الفصول الثلاث الأولى التي أجادت الجهد و العمل وقامت بتنظيم أفضل ثلاث جمعيات أدبية على مدار العام ، كما أن لجنة التحكيم قد أختارت أفضل الأعمال الفنية و الثقافية و الأدبية خارج نطاق أوسمة الأنجاز الثلاثة لتقوم بتكريمها ومنحها جوائز تفضيلية ! ! ؟

 

سوف  يحضر اليوم المشهود  جمع  غفير من المسؤولين  بالوزارة  وأدارة  التعليم  و مدراء و وكلاء المدارس المجاورة الصديقة  وكذلك عدد كبير من المعلمين و المعلمات من داخل و خارج المدرسة ، وقد حدد له يوم الخامس عشر من شهر ديسمبر على أن تكون بعدها أجازة منتصف العام الدراسي .  سوف أترك لكم حق  أختيار الفقرة التي تودون الأشتراك بها في ذلك اليوم بأسم فصلكم ، وغدا بأذن الله سوف نتناقش حولها ، وأرجوكم لا أريد أي أسئلة عن نتيجة المراكز الثلاثة الأولى الفائزة  بأوسمة الأبداع و الأنجاز لأنني لن أذكر عنها أي شيء  ! ! ؟

 

خرج أستاذ عادل وتركنا في حيرة عجيبة ، سرعان ما تحولت هذه الحيرة  الى خلايا عمل سرية أنتظمت كل المجموعات التي كانت تشكل نسيج الفصل الجغرافي للمدينة ،  كل واحدة منها تجتهد لأقتراح فقرة مميزة  تنال رضا أستاذ عادل لتمثلنا  في الكرنفال وتكتسح عبرها بقية الأقتراحات من المجموعات المنافسة لها  .

 

 كنا  خليطا  عجيبا  أشبه  بالتيارات المتنافرة داخل المنظومة الواحدة ، وكان هذا الخليط  يحمل طابعا جهويا فتانا  يغطى كل أرجاء منطقة أم درمان القديمة  و الجديدة  ، وكان أصحابه يختلفون في كل شيء ألا أنهم  يتفقون على أمر واحد هو المصلحة العليا لأسم و مكانة الفصل التي تجمعهم  .

 

  بعدها  بقليل  بدأت العيون المنتشرة بيننا  تأتي بأخبار أفكار  كل مجموعة ، فعلمنا أن مجموعة منطقة ( الموردة – العباسية – بانت )  سوف  تقترح بأن نشترك بأسكتش مسرحي كوميدي ساخر  كنا قد عرضناه في جمعيتنا الأدبية ونال صيتا و قبولا جماهيريا كبيرا على مستوى الطلاب و المعلمين  .  الأسكتش يتناول في قالب كوميدي ساخر  الفوارق السلبية في العملية الأكاديمية بين  المدارس الخاصة و الحكومية و التفاوت الطبقي الأجتماعي بين طلاب الفئتين، وأثر هذا على البيئة التعليمية و التحصيل الأكاديمي للطالب . 

 

 ثم جاءت بعدها مجموعة ( أبروف – بيت المال – ود درو - ودالبنا ) فرأت الأمر في غيره ،  وأقترحت  تنظيم  مطارحات شعرية من وحي حقيبة الفن السوداني لتعريف الطلاب بأصالة الكلمات الرقيقة و المهذبة التي كان عليها الشعراء الراحلين في توصيفهم للبيئة السودانية المحافظة  آنذاك  . 

 

أما  مجموعة منطقة أم درمان الجديدة ( أمبدة )  كان أقتراحها أن نشترك  بدوبيت شعبي  ، ورأت مجموعة ( الشهداء – السوق و حي البوستة ) القيام بتنظيم معرض  وطني  نمثل من خلاله كل  عادات و تقاليد القبائل السودانية  ، وصور لرواد  الأستقلال  و الرعيل الأول الذي حمل جذوة النضال الوطني  للتحرر من نير الأستعمار سواء الأول ( التركي – المصري ) أو الثاني ( الأنجليزي – المصري )  .

 

 أما عني فقد أنتظمت بحكم السكن بمحور ( القلعة – الركابية – ودنباوي ) وأقترحت عليهم ساعتها أن نشترك بنشيد وطني للفنان  سيد خليفة ( ياوطني ) بحكم أن تاريخ الكرنفال يأتي و البلاد تستعد فيه للأحتفال بعيد الأستقلال  .

 

ثم جاءنا في اليوم التالي أستاذ عادل وقام ممثل كل مجموعة بتقديم أقتراحه الذي يرى فيه الأفضلية للتمثيل بأسم الفصل مع كامل الأحترام الذي كان يبديه لأقتراحات  الآخرين ، وبعد أن طرح الجميع معينهم  في الطاولة شكرنا  أستاذ عادل  على هذا الجهد الطيب وأثنى علينا  كثيرا ثم طلب منا مستأذنا أن نسمع منه رأيه الأخير فرحبنا جميعا بذلك  في وساعة صدر .

 

 قال  أنني أقترح  عليكم أن نقوم بتعديل أقتراح أخوكم عبدالله قليلا و هو بدلا  أن نمثل  الفصل  بنشيد  (يا وطني يابلد أحبابي ) لسيد خليفة ، أن نمثله  بنشيد آخر يحمل نفس المعاني الوطنية التي نرجوها  ،  وذلك في شكل أوبريت ضخم  يعبر عنا وعن الجميع  بفرحتنا  هذه الأيام بحلول عيد الأستقلال  ، على أن تشترك في هذا الأوبريت كل المجموعات التي أجتهدت في تقديم هذه الرؤىو الأقتراحات الجميلة .

 

لاقى حديث أستاذ عادل رضا الجميع لأنه  قبل أن يكون منصفا لنا  وجدناه قد لامس عواطفنا الشجية وأحاسيسنا المتفاعلة  آنذاك  تجاه مناسبة عيد الأستقلال المقبلة علينا ، فأعلنا  سريعا موافقتنا  الكاملة للمقترح و تأييدنا له  ثم  سألناه عن أسم الأوبريت  ، فقال أنه أوبريت ( اليوم نرفع راية أستقلالنا . . ويسطر التاريخ مولد شعبنا ) .

 

ثم توالت الأيام علينا وظللنا من خلالها نغص منهمكين في تمارين الأستعداد القاسية للتحضير لهذه الفقرة لمدة وصلت لثلاثة أسابيع ، كنا معها نظل بالمدرسة  بعد أنتهاء الدوام اليومي حتى مغيب الشمس ،  نصلي العصر و المغرب في جماعة مع المجموعات الأخرى التي كانت تشاركنا الأعداد و الأستعداد للكرنفال  ، ثم نعود من بعدها  الى منازلنا بعد أن  نيمم وجوهنا قبل ذلك بالنظر لعلم السودان القديم الذي يعتلى منزل الزعيم الخالد أسماعيل  الأزهري المجاور للمدرسة  .

 وفي اليوم المشهود وحينما وجدنا الحضور على ألقه يذدان بالضيوف وجموع الطلاب المحتشدة تأخذ أماكنها بالجلوس أنتظارا لبداية الكرنفال ، تعاظمت عندنا المسؤولية وأحساسنا بأننا مقبلون على معركة أما النصر أو الفشل خصوصا أن الأوبريت كان الفقرة الرئيسية في البرنامج .

كان زملاءنا الآخرين في الفصل يأتون بين الفينة و الأخرى خلف الكواليس ليشجعوننا و يذيدون من رباطة شأجنا خصوصا أن معظمنا بات في حالة يرثى لها من الهول و الخوف من مآلات التعثر أو مغبة الخطأ الذي سوف ينعكس على كل العمل لو وقع في وعثاءه لا قدر الله أي واحد فينا ! ! ؟

 

ثم حضر  أستاذ عادل الذي كنا جميعا نترقب لحظة مجيئه ألينا ليشد من أزرنا و يشجعنا ويخرجنا مما نحن فيه ، فظهر علينا مقتضب الجبينين وقال لنا بحدة وبصوت جهور ( يا نيلنا . . يانيلنا . .  يا أرضنا الخضراء يا أرض السنا . . يامهد أجدادي وياكنزني العزيز المفتدي ) . . فعرفنا على الفور مايرمي أليه من كلامه  فزالت عنا تماما أحاسيس الرهبة و الخوف ، فقلنا له وبصوت واحد ( اليوم نرفع راية أستقلالنا ويسطر التاريخ مولد شعبنا يا أخوتي غنوا لنا غنوا لنا ) .

 

فصعدنا الى المسرح  بقوة و ثبات ، وروح و عزة و أباء هذا الشعب الكريم كلها لاتسعنا ، وما أن أصطفينا وأعلن المذيع الفقرة أوبريت العام ( اليوم نرفع راية أستقلالنا ) حتى ضج المكان بالتصفيق القوي ، وبدأنا معها المهمة القاسية وما أروعها من مهمة كانت  ! ! ؟

 

  بدأ الأوبريت و أكملنا فيه المقطع الأول بنجاح  ، فوجدنا أن الجميع بدأوا يتفاعلوا  معنا بقوة و شدة و قد شاجت عواطفهم  وصاروا  يعبرون  بلا هوادة عن أحاسيسهم الوطنية  بعفوية حقة  . منهم من قام من كرسيه ليصفق بحرارة معنا  ويلوح بكلتا يديه بعلامة النصر ، ومنهم من جاشت قريحتهم بترديد المقاطع معنا  فصاروا يهزون بأصواتهم  الأرض هزا  بأزير داوي رج أطراف المكان .  ومنهم من لم يتمالك نفسه فهرع للمسرح وأعتلاه ليقف بجوارنا و ينشد معنا و هو يرفع بيده اليمنى علم السودان  ليخفق عاليا  أمام الجميع ،  أما المشهد الأخير الذي لم يغب عن ذاكرتي أبدا  حتى يومنا هذا في ذلك اليوم  هي تلك الدموع العفوية التي أنسالت  منحدرة من مآقي كل المعلمين و الموجهين و الضيوف  الذين حضروا الكرنفال ، وكأني بهم أرى أن  كلمات الأوبريت القوية و المعبرة أعادتهم لزمن جميل لوطننا كانت فيه الأجيال تنشأ في بيئة متسامحة مع الآخر ، بيئة تسع الجميع  ولا تعرف لها  ولاءا  أو أنتماءا أحب أليها من الولاء و الأنتماء لهذا الأرض  الطيبة ولهذا الشعب الأبي .

 

تذكرت  هذه  الذكرى الجميلة   وأنا أقرأ  كلمات الأستاذة أمل عبدالقادر في أحدى الصحف التي عنونتها بعبارة ( صرخة أم ) ، وفيها كانت تسترجي و تستغيث كل المسؤولين الذي كانوا وراء قرار أزالة مدرسة أم درمان الأهلية ( الأساس حاليا )  من موقعها العتيق الحالي بداعي أنها تعيق حركة السير  المتجه نحو جسر ( أم درمان –  بحري ) ، أن يتقوا الله في شعب أم درمان الذي يرى في هذا الصرح أسمى معاني العزة و الكرامة و الوطنية و الأباء  ! ! ؟

 تحدثت هذه الأم التي درس خمسة من أبناءها في هذه المؤسسة العريقة بحرقة و ألم شديدين عن فداحة هذا القرار الذي لم يراعي أبدا تاريخ مدينة أمدرمان قبل تاريخ  هذه المدرسة العتيقة التي خرجت أجيالاو أجيال من صلب عراقة و أصالة العاصمة الوطنية للسودان ! ! ؟

 أجيال تخرجت منها متسلحة بحب الأنتماء لهذا الوطن قبل أن تكون متسلحة بالعلم ، و متسلحة بلأخلاق  السودانية الكريمة و بالنزاهة  و القناعة و التمسك بالمبادئ الحميدة في زمن صارت فيه كل هذه الأيقونات شفرات و مدخلات ( ضاربة ) لاتعبر ألا عن غفلة و بلاهة وخطل من يحملها ! ! ؟

 

وقالت الأستاذة أمل أيضا . . .  ياهؤلاء أن النماء والتطور لا يتم بالطرق المسفلتة و بناء الأنفاق  على أنقاض هذه الصروح التاريخية ، وأنما بالتعليم و بتأسيس و وفتح مؤسسات تعليمية و تربوية  متينة  تعمل على رعاية هؤلاء الناشئة بالبرامج التعليمية الوطنية و المتطورة لتحفظهم من تغولات العولمة ثم لتربطهم بحب هذا التراب الطاهر . . . ولكم في ماليزيا مثال لذلك  .  . . لن نقول لكم  أن التعليم قد أنهار بعد أن كان طلابنا ينشدون للوطن و يفتخرون بلأبطال أمثال عبدالقادر ود حبوبة و علي عبداللطيف وصارو اليوم ينشدون أغاني البنات والسيرة و يفتخرون بدروجبا و رونالدينو داخل صروحنا التعليمية ! ! ؟

 

ولن أقول أيضا  أن الدولة قد رفعت كامل مسؤولياتها عن التعليم وأتبعته لسياسات الخصخصة  فصارت المدارس الحكومية كالخرابات التي تنعق في أسوارها الغربان ، ثم  وسد أمر المدارس الخاصة للتجار و أصحاب رؤوس الأموال  ! ! ؟

 

ولن أتحدث عن أخلاص المعلم و تفانيه في الواجب بين الأمس و اليوم ؟ ولن أتحدث عن القيم التربوية التي كانت تغرسها مدارس الأمس في طلابنا عبر نشاط الجمعية الأدبية وصارت اليوم  مجرد ذكريات و هباءا منبثا ؟ ولن أتحدث ؟ ولن أتحدث ؟ فقط أرجوكم أن تتركوا المدرسة الأهلية لحالها بعد  أن وجدنا من أهل الخير من خبر و عرف قيمتها الأثرية و التاريخية ، و أراد أن يعيد ترميمها وبناءها من جديد ليجدد لها شبابها  لتواصل رسالتها التاريخية ومسيرتها الخالدة  للأجيال الحديثة من أبناء مدينة  أم درمان  ! ! ؟

 

 هذا هو معظم ماجاء في حديث أستاذة أمل عبر ( صرخة أم ) ويبقى في ظني أن أمر التعليق عليه  أو الأسترسال في  النقد أو تحليل هذا الأمر  هو ضرب من الهذيان و الأستهلاك الزمني  الذي لا يجدي ولا يفيد في زماننا هذا ،  لقناعتنا البسيطة  بأن ما سوف  يجرى حاله على الأهلية اليوم  قد أصاب بلأمس و جرعت من حنظله الكثير و الكثير من المؤسسات التعليمية و التربوية العريقة  في مختلف بقاع السودان ، و التي أراد بها من حمل معول هدمها أو بيعها في المذادات العلنية  طمس أي معالم أو هويات أو أشارات مضيئة يمكن ان تذكر هذا الشعب الأبي  بالسودان القديم قبل بزوغ فجر الأنقاذ  علينا في ليلة الثلاثين من يونيو  ! ! ؟

 

ويبقى في الأخير أن  بيت القصيد الذي كنت أبحث عنه في هذا السرد قد وجدته مرغما منكسرا يوم أن قادتني أرجلي لأحدى المدارس الثانوية للبنات في أحدى ولايات البلاد  من ضمن نشاط طبي ( لصحة الفم و الأسنان بالمجتمع  ) ظللنا  نسعى أليه من ضمن واجب الخدمة الوطنية المفروضة علينا كأطباء  . في تلك المدرسة كان الشخص المسؤول عن تسهيل آداء مهمتنا  في التنظيم و التقديم  لفقرات اليوم الصحي هو المنسق العام للنشاط الطلابي بالمدرسة والذي كلفته المديرة  مشكورة على ذلك   ليرافقني أثناء فترة آداء عملنا وسط الطالبات  .

 

 لمست بحق جوانب كثيرة في ذلك اليوم تفتقدها العملية التعليمية من خلال تجوالي بالمدرسة ونقاشي مع المديرة  و المعلمين و الطالبات ، كالمعانة مثلا  من قدم المباني وأن بعضها صار آيلا للسقوط ، ثم مشاكل  الأجلاس  و الأذدحام الشديد في الفصل الواحد و نقص الكتاب المدرسي و غيرها و غيرها من هموم ومشاكل لا حصر لها  . 

 

هذه الأمور كلها لم تهمني ولم  تشغل ذهني كثيرا  لأنها بالكاد مشاكل شائعة و شبه قومية تعاني منها  مدارس كثيرة حتى بالعاصمة الخرطوم ، كما أن  جزءا منها قد عايشناه نحن أيضا في زماننا حينما كنا طلابا  قبل خمسة عشرا عاما ، ونحسب  في الأخير أن  أمر معالجتها الى حد كبير هو بسيط  ويتمركز فقط في دعم مالي يسد كل هذه الخروقات من الولاية أو من المركز  . 

 

لكن ما أهمني و لفت أنتباهي كان  اعمق وأهم من كل ذلك ، حدث  هذا مع نهاية ذلك اليوم الصحي حينما ألتفت حولي الطالبات وأرادوا  ببراءة الطفولة وسماحة السودانيين الحقة أن يجازوني بشي ما  نظير عملي و جهدي في ذلك اليوم الصحي ، فأختاروا جميعا وبصحبة معلمهم  منسق النشاط المدرسي أن ينشدوا لي نشيدا ! ! ؟

 

فرحت جدا لذلك و تذكرت ساعتها فورا أستاذ عادل و ذكريات أناشيد ( صه يا كنار ) و ( بلادي يا سنا الفجر ) و ( اليوم نرفع راية أستقلالنا ) ، وغيرها من تلك الأناشيد الملهبة التي حفظناها عن ظهر قلب مع نشاط الجمعيات الأدبية بالمدارس آنذاك  . 

 

وقفت التلميذة فشكرتني بكلمات معبرة و بسيطة عن هذا اليوم الصحي المفيد ،  وطلبت بعدها من الجميع بأشارة منها أن يرددوا معها و وراءها النشيد ثم بدأت تغني ومن خلفها المعلم و الطالبات  . . . ( ما علينا و ماعلينا ، مهما يقول الناس يقولوا ، ريدنا ما بنفك طريقو ، ما بنخلي عزول يطولوا ،ماعلينا وماعلينا ) . . أتدري أيها القارئ الكريم أنني ساعتها لم أذهل ولم أصدم و لم أطلب حتى من الله عز وجل أن تنشق الأرض من تحتي و تبتلعني قبل أن  أشهد بنفسي هذا الأمر . .  لقد كنت لماحا فطنا وقتها فتصالحت سريعا  مع الحدث و تصادقت مع  الواقع ، ثم شجعت نفسي  على ما سوف أقدم عليه مترددا ( كما شجع عبدالله بن رواحة نفسه يوم مؤتة لحمل الراية من سيدنا جعفر بن ابي طالب الشهيد ) قائلا   لها سرا على عجل . .

 

 أقسمت  يا نفسي  لترقصن . .  لترقصن أو لتكرهن  . .  مالي أراك تكرهين الربة

 

يانفسي ألا ترقصي تموتي . .  هذا حمام الغم قد صليت

 

وماتفاجئت به أعطيت . . أن تفعلي أفعالهم تريح

 

  فأخذت بعدها  أترنم وأردد الأغنية  معهم وأهز بدني علامة بالفرح لهن  و للأستاذ المربي وفي ذهني خاطرة تقول ( ما أحلاك يا ندى القلعة وأن تشكلين هذا الحضور القوي  في أذهان وفكر هذا الجيل ) .

 

 وصدقا كل أناء بما فيه ينضح و رحم الله جيلا عرف قدر نفسه ! ! ؟

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.