بسم الله الرحمن الرحيم

                    

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.  

                      عندما حل بنا المقام لسنوات معدودات في دمشق العاصمة العتيقة و التاريخية لمنطقة الشام الجغرافية ، والعاصمة العصرية للدولة السورية الحديثة ، كنت دائم الحضور و الجلوس منذ الساعة الخامسة عصرا وحتى التاسعة مساءا في مكتبة المركز الثقافي البريطاني بعد أن أفرغ من يومي المعتاد  الملئ بالمحاضرات العلمية  بجامعة دمشق . كان هنالك شعور باطني متناقض وغريب يشدني لهذا المكان ، ويجعلني لا أمل أبدا في قضاء الساعات تلو الساعات في ردهات طوابقه الثلاثة ومبناه الفخم الفسيح . و كنت أحيانا أشعر بأن هؤلاء البيض ذوي العيون الزرقاء الذين يديرون هذا المركز قد يكونون أكثر قربا و فهما و أدراكا لمزاجية و عقلية الأنسان السوداني العادي  من ذلك الأخ الشقيق السوري الذي يشاركني نفس الثقافة العربية و الأسلامية  ،  على الرغم من أن هؤلاء القوم أصحاب الشعر الأشقر الناعم تفصلنا عنهم حواجز كثيرة منها  الثقافة  و اللغة و المعتقد و المكان . . . الخ  .   ثم تارة أخرى أطرد من ذهني هذه الأفكار المستلبة ثقافيا من مخزون العاطفة  ،  وأعزيها لبقايا ميول أستعمارية بغيضة سكنت العقل و الفؤاد وجالت بهما  وقد يأتي زمان تندثر فيه ! ! ؟كثيرا ما سمعت و قرأت عن رمزية عاصمة الضباب لندن كمنارة للعلم و الفكر و الثقافة  لدي معظم الساسة و المفكرين و المثقفين والأكاديميين السودانيين الذين آثروا الهجرة نحو الشمال أليها  لينهلوا من فيضها الدافق ، على الرغم من أنهم نفس  ذلك الجيل الذي عاصر الأستقلال و رفع العلم السوداني وقام  بتسليم الأخر البريطاني للحاكم العام الأنجليزي  .  أعتقد  أن هذا  الجيل  أستطاع  بنخبته ( التي أدمنت الفشل كما يراها كذلك د. منصور خالد ) أن يفصل بشكل يدعو للدهشه بغضه لذلك المستعمر الأبيض الذي نهب ( كما قيل و وثق لنا منهم ) ثروات البلاد المختلفة  ،  بعد  أن  أخذ يتغنى بلأناشيد الوطنية التي تمجد طرده ( رحم الله في ذلك الفنان الراحل العطبراوي ) ، وبين اللجوء  أليه مرة ثانية  والتوجه  له فكريا و ثقافيا و أكاديميا ليمد يد المساعدة له وليحتضنه مرة أخرى  في مؤسساته الأكاديمية العريقة  ، ثم  ليتساما  مرة ثالثة  فوق الصغائر ويشتركا  لوضع لبنات أسس الدولة الحديثة بالسودان بعد عهد الأستعمار على نسق و تنظيم  نموذج الأمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس و ذكروا أنها غابت عنها آنذاك بالخرطوم  ! ! ؟ويبقى الأدهى و الأمر في أن تكون أنت ( شخصي الضعيف ) ، أو غيري ،  من جيل آخر جاء بعد أربعين عاما من جيل النخبة اللندنية التي أدمنت الفشل ، دعونا نصطلح عليه ونسميه جيل المشروع الحضاري ، لتقف وترى أمامك الجميع من كل فج عميق قد أنخرطوا  يتباكون في نوبة نحيب جماعي على ضياع أرث السودان السالف المذدهر  ( الذي رسمت خارطته تلك النخبة اللندنية الفاشلة )  سواء كان ذلك  الأرث التليد في التعليم أو الصحة أو الخدمة المدنية أو الثقافة أو الأدب .  تستمع لأحاجيهم و حكاهم  فلا تستطيع ألا أن  تقف  مشدوها أو محتارا  من عمق الهوة السحيق  مابين مايسردونه لك ماضيا  و ما تراه أنت على أرض الواقع ،  فلا تستطيع أو  تقوى  على مجاراتهم  أو مشاركتهم الحديث ( في جدل المقارنات) ،    فتجاملهم  في هذا الأمر مشاعرهم  النقية ( من شوائب التبلي أو النفاق خصوصا على النظام الحاكم  ) ، وعمق أحاسيسهم الوطنية  المتحسرة  على واقع الضياع الآني  الذي يقارنون به  حاضر السودان بأمسه القريب  ! ! ؟على العموم   هذا ما  أقر بأني أجهله ولا أستطيع أن أخوض فيه مقارعا بالرأي و الحجة  لأن من عاصر و عاش ليس كمن قرأ و سمع ! ! ؟  ،  ولكني ما كنت آراه و أعيه و أدركه جيدا  كفرد من جيل ( المشروع الحضاري )  في ما  يخص أمر هذه الأمبراطورية العظيمة تحديدا  ( والعظمة لله وحده )  التي أفل نجمها حديثا  عن مستعمراتها القديمة  ،  وما أعرفه  عن عاصمة ضبابها الشهيرة ( لندن ) ذات الحس  الكلاسيكي المعروف و الحضاره و التراث  الثر ،  أنني  كنت كلما أجلس في مكتبة المركز الثقافي البريطاني الفسيحة  أو مقهاه الأنيق ( بوصفها  حسب الأعراف الدبلوماسية أرض بريطانية في بلد غريب ) كان يترائ أمامي شبح أستاذنا الجليل عماد ، أستاذ اللغة الأنجليزية بمدرسة بشير محمد سعيد الثانوية بأم درمان .  نعم أذكر هذا الأستاذ  لأن  أول عهدي ومعرفتي بلندن ( عاصمة الضباب ) والتي لم أزرها حتى  الآن  يرجع  فضله  لذلك المربي و الأستاذ الفاضل  الذي رسم لي و لبقية زملائي بالمدرسة ملامح  خارطة الطريق لها  ومعالم  التعرف عليها .  فمازالت حتى يومي هذا  ذكرى ذلك اليوم المشهود تتردد في صدى مخيلتي حينما دخل ألينا أول مرة   في أول حصة دراسية له معنا أول العام الدراسي  ،   وهو يحمل  في  أحدى  يديه  كتاب (  سلسلة سباين ) التي رآت النور في عهد الأنقاذ  وبيده الأخرى كتاب ( سلسلة النايل كورس)  التي  طبعت و صيغت  في مؤسسة لونغ مان البريطانية الشهيرة خصيصا لوزارة التربية و التعليم السودانية  .  أذكر جيدا ساعتها كل تفاصيل  حديثه القيم والمشحون عاطفيا  بمرارة  الخزلان ،  وهو يعقد   المقارنة   بين  السلسلتين  ذاكرا  لنا  أن هنالك  فارق شاسع ( كفرق السما من الواطة  حسب وصفه)  في  الأعداد و التقييم التربوي والتمكن اللغوي بينهما  يقع جانبه الأيجابي  لصالح سلسلة النيل العتيقة. ثم ذكر  أنهم  قاموا كمعلمين قدامى للمادة  بتنبيه الوزارة  بذلك الأمر من ناحية الأمانة العلمية  ،  وتحذيرها  أيضا من مآلات  قرار تدريس هذه السلسلة  الحديثة ( الهزيلة لغويا ) سلبا  على المستوى العام للغة الأنجليزية لطلاب السودان ،  ورفعت  مذكرة بذلك مقرونة   برجاءات  صادقة منهم  بعدم التحول  من تلك  السلسلة الأولى  العتيقة و المميزة ( النيل ) وأن يتقوا الله في جيل اليوم الذي يعول عليه في حمل معول بناء مستقبل السودان  .  صمت قليلا ثم عاود الكلام قائلا  أن  كل حديثهم و مطالباتهم و رجاءاتهم للمسؤولين بالوزارة  راحت أدراج الرياح و تم في الأخير و للأسف الشديد ألغاء التدريس  بسلسلة النيل ( فهي تبقى في الأخير في نظر الكثيرين منهم  من أرث زمن الأحزاب الأسود )  وتم  التحول منها الى  التدريس بسلسلة الأسباين الأنقاذية الحضارية  ! ! ؟  ثم أستمر في الكلام و قال لنا أنه قرر وأقتناعا منه  بهذا الرأي وتلكم الوجهة  التي عركتها تجارب الماضي الطويل في تدريس اللغة الأنجليزية لقرابة العقدين من الزمان أو يزيد قليلا في الوزارة  كموجه تربوي  وبالمدارس كمعلم للمادة ، ثم  لمصلحتكم العلمية  أنتم كطلاب علم ترغبون في أتقان و تعلم لغة أنجليزية صحيحة و متينة تساعدكم على مسألة التواصل القوى مع الخارج في ما يستجد من علوم و أبحاث  في مختلف مهنكم التي سوف تتجهون لدراستها مستقبلا ، أنني  سوف أتمرد  وعلى  مسؤليتي  الشخصية  على المنهج الوزاري ،  وأقوم بتدريسكم سلسلة النايل كورس ، وسوف تكون أيضا  حصة الأربعاء من كل أسبوع مخصصة لتدريس روائع قصص و روايات الأدب الأنجليزي  ! ! ؟أذكر جيدا  أنني عندما كنت أستمع  لأستاذ عماد في تلك الحصة  أنني  لم ألمس منه  روح البغض أو الضغن  السياسي الذي يمكن أن يقوده لأتخاذ هذا الرأي و هذا الأتجاه من منظور سياسي  بحت  (بمعنى أنه  يكره الأنقاذ و ثورة تعليمها الحضاري لله وفي الله ) ،  وذلك حينما كال هجوما قاسيا على تلك السلسلة المعروفة بأسباين ، و التي أريد لها أن تخلف  سلسلة النيل  اللندنية .   لكنه  كان يرى حسب توصيفه  الوافي و الدقيق  للأخيرة  ،  أنها  روعي فيها  من خلال تبويب و أعداد  فصولها ودروسها  طبيعة المجتمع السوداني المتعدد الأعراق و الديانات   و ثقافته المحلية  الغنية  بموفور العادات و التقاليد  الشعبية الجميلة  ، ثم أنها ومن المنحى العلمي  تم  تضمين  أفضل و أنجع وأسلم السبل لتعلم قواعد و أحكام  اللغة الأنجليزية  من  خلال التمارين  المميزة المتعددة   فيها  ،  وذلك حسب مايراه الأنجليز أنفسهم واضعوا هذه السلسلة ( أهلها الأصليين)   للأخر الذي يكتسبها و يتعلمها  كلغة ثانية  ! ! ؟  كما أنه لم ينسى ساعتها أيضا  أن  يطالبنا  في خواتيم زمن تلك الحصة ، أن  نذهب لمكتبات البوستة  أم درمان  لشراء بعض القصص الأنجليزية  المبسطة  التي تمت طباعتها  في مؤسسة  لونغ مان البريطانية  لوزارة التربية و التعليم السودانية  ،  لمساعدتنا في تكوين و معرفة  ذخيرة  من الكلمات و العبارت الأنجليزية  المتينة و حفظ أكبر عدد  ممكن منها   ! ! ؟ لا أدري ولكننى  كنت كلما أتذكر صدى ذلك  اليوم من داخل المركز الثقافي البريطاني بدمشق  أحسب أن أستاذنا  الجليل عماد  ( أمده الله بالصحة و العافية )   كان  من  طينة  تلك  النخبة  السودانية  الفاشلة ( لندنية الهوى )  وسيئة الحظ أيضا  ، و التي رماها قدرها العاثر في جيلنا ( جيل الأنقاذ الحضاري ) الذي لا يستطيع بشكل ناضج  معرفة ماينفعه ومايضره ، ولا يجيد بالقطع كذلك  لغة التفاعل مع الماضي  خصوصا  لوكان هذا  الماضي هو ماضي السودان  قبل عهد الأنقاذ ! ! ؟ ولكني  وعلى الرغم من فشلي و فشل كل زملائي بالفصل   في التفاعل مع  حديثه في ذلك اليوم  ،أذكر أننا تجاوبنا في الأخير مع مطالبه ،  وقمنا بشراء القصص الأنجليزية  التي أشار لنا أن نبدأ بها مشوار تعلم الأنجليزية .

قرأت مجموعة طيبة منها مثل :-

 

1-    Oliver twist

 

2-    The prisoner of  Zenda

 

3-    Sence and sensibility

 و غيرها من روائع القصص الأنجليزية الممتعة الأخرى   والتي كانت لها الفضل الكبير    والدور الأساسي  في أن تضعنا في المسار الصحيح لتعلم الأنجليزية ، و في أن تربطنا بحب  هذا الأدب الرفيع  والتعرف من خلاله  عن كثب على مدينة الضباب (  لندن )  التي أشرقت شمسها الباردة ماضيا  على جيل العلامة  د.عبدالله الطيب و الروائي الطيب الصالح والفنانان التشكيليان الكبيران  أبراهيم الصلحي و  عثمان وقيع الله  و المحجوب و د.عبدالحليم محمد والأمام الصادق المهدي وغيرهم من الأكاديميين و الساسة والمثقفين ( الذين يصعب حصرهم  في مساحة هذا المقال)   والذين عاشوا أو  درسوا فيها ، ثم غربت وأضحت ضبابية شاحبة المعالم  لجيل  اليوم من حملة مشعل المشروع الحضاري ،  تاركة لهم فقط  مهمة  النواح و البكاء و العويل  على  التدهور المريع  لمستوى اللغة الأنجليزية  وسط خريجيهم  ، وضياع التواصل البنأء العلمي و الثقافي  الذي كان بين المؤسسات  الأكاديمية و الفكرية و الثقافية البريطانية المرموقة مع  ما تبقى من ذكرى  مؤسسات و جامعات اليوم  في السودان  ! ! ؟وفي أحدى الأيام وحيث  كنت  أحضر جلسة عامة لرواد  مقهى المركز  كانوا  يناقشون فيها  مسألة التأثر العاطفى الذي يتركه المستعمر على أهل المستعمرة فكريا و ثقافيا و أكاديميا  ! ! ؟ .  لاحظت  أن الأخوة السوريون كانوا يندبون حظهم على ضعف مستوى اللغة الأنجليزية في بلادهم بصورة عامة ،   ويعزون ذلك  بسبب أستعمارهم الفرنسي  وتوجه معظم الأكادميين منهم ( في فترة معينة ) الى باريس لتلقى الدراسات العليا فيها  ، على  رغم من  أن معظمهم  بات اليوم ( وفي مقدمتهم رئيسهم الذي نال دراساته العليا في لندن ) على قناعة بأن الأنجليزية أصبحت لغة و روح العصر ،  وأرفع شأنا في مختلف  المضارب  و المجالات  من الفرنسية .   ثم سألني  أحدهم وهو خريج من كلية  أقتصاد بجامعة دمشق ،  كان  ينوي التوجه لكندا لأكمال دراساته العليا فيها  وقد طاب لي التعرف عليه أثناء تردد كلانا على المركز   : -   ( أنتم طبعا في السودان يا عبدالله  تتوجهون الى لندن لتلقى العلم و الدراسة فوق الجامعية فيها  بحكم  أنها  الأقرب لكم تاريخيا و وثقافيا  )  .  قلت له وذكرى أستاذ عماد وأمر  النخبة اللندنية  تجولان  بذهني ،(  نعم سابقا وكان كثيرا ) ! ! ؟  .  فعاجلني برد سريع  وهو يلحظ بدقة أستخدامي لكلمة سابقا بالسؤال : - ( لماذا سابقا فقط وليس الآن أيضا ؟) .  صمت لبرهة ثم ضحكت قائلا ( لا أدري لعلنا مللنا التوجه نحو  الغرب كما كان أسلافنا ييممون وجوههم نحو لندن  وأردنا التغيير ) ! !؟  .  فرد علي ( بدهشة يعلوها الأستغراب ) التغيير ، أي تغيير  ؟  قلت نعم التغيير ! قال ( والى أين  يا عبدالله ؟ ) .  صمت أيضا و لثواني معدودات  وهو ينتظر ردا شافيا مقنعا  مني ، فقلت لهم : - ( والله  لا  أعلم  ولكن دقيقة أنتظر  . . . ربما الى الصين أو  الى ماليزيا  . . لا لا ، صدقا أنا لا أعلم . .  وجيل اليوم أظنه كذلك مثلي لا يعلم ! ! ؟ ) .