بسم الله الرحمن الرحيم

أزمة غياب لغة الحوار في العالم
تأملات و عبر في مدرسة الحوار الأولى في الأسلام
( 2 – 2 )
في الجزء الأول من مقالنا هذا عرضنا بأسهاب شديد الخطوط العريضة للغياب الواسع لفكر وثقافة تغليب لغة الحوار و منطق العقلانية على وسائل السيطرة أو الهيمنة و العنف في فكر و ذهنية  المفكر أو صانع القرار السياسي سواء كان في الغرب أو الشرق  .
   قمنا بتحديد نوعية و شكلية هذا  الغياب في الغرب  فخلصنا  الى  حقيقة  أن المفكرين  في  تلك  المنطقة  من المعمورة  ينساقون  وراء  خطط و أستراتيجيات النفوذ و الهيمنة بدافع ضمان  أستمرارية التفوق الآني لشعوبهم على بقية الأمم و الشعوب الآخرى في مختلف مجالات الحياة  .
 أما بخصوص الشرق فبسطنا فكرة و مضمون وأساس غياب ثقافة الحوار داخل مجتمعاته المحلية بسبب أنغلاقه أو أنكفائه على نفسه ( بقضاياه و همومه الداخلية ) ، أما    لغياب الحريات العامة لعامة الشعب بسبب سيطرة الحزب الواحد على الدولة ، أو لأنغماس و تورط النظام الحاكم للدولة  في حرب أهلية مع أطراف  آخرى خارجة عن  طوعه رأت  أن  تحمل   السلاح  كوسيلة  للحوار لتسمع  صوتها للحاكم ! ! ؟ 
ثم قمنا في ختام المقال بطرح العديد من أسئلة البحث التي نسعى أن نجيب على معظمها في هذا المقال أن لم يكن على كلها ، علنا  نجد عبر محاولتنا لأعادة قراءة بعض المعطيات الأسلامية  التي  وردت في قصص الأنبياء و السيرة النبوية الشريفة  المنهج القويم و الموجه الصحيح الذي يجب أن تكون عليه علاقة الأمم و الشعوب مع بعضها البعض من جانب ، وعلاقة الأفراد مع بعضهم البعض ضمن منظومة المجتمع الواحد من جانب آخر وسط ضرورة التأكيد على العمل بجد  لنشر ثقافة الحوار و العقلانية و الأعتراف بلأخر في مجتمعاتنا  .
وهنا يحضرني أمران نحسبهما في بالغ الأهمية  بمكان وتجب الأشارة لهما   قبل  الخوض   في غمارالمقال  ، أولهما أنه يجب على معظم الكتاب والمفكرين و المنظرين السياسيين و الساسة من  أمة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة و السلام ، أن يعتصموا بأرث ومنهج الأسلام الثري في قضايا  الحكم الرشيد  و السياسة العامة  كلما أشتد حمى الوطيس هجوما على هذا الدين الكامل ، وأن لاينساقوا أبدا مغفلين وراء حملات التشويه الأستشراقية التي تقدم الأسلام و المسلمين تاريخا و حضارة على أنهم أناس لايصلحون أبدا  أن يكونوا  أنموذجا حضاريا للأنسان الغربي .
والأمر الثاني وهو المقصد الذي دفعنا لكتابة هذا المقال و أشار أليه بفكر نير و برؤية ثاقبة  المفكر الأسلامي و أستاذ علم التاريخ و الحضارة الأسلامية د.عبدالحليم عويس في حوار له مع مجلة الوعي الأسلامي ، عن أهمية الأجتهاد و البحث الدؤوب  لخلق  فقه  حضاري في هذا الزمان يعكس الوجه المشرق و الحقيقى للحضارة الأسلامية  ويقدمها لشعوب الأرض أنموذجا عمليا ناجعا قادر على حل  كل المعضلات و المشاكل التي تحاصرها من كل حدب و صوب .
فالفقه الحضاري كما يعرفه د.عبدالحليم عويس هو التعرف على سنن الله الكونية و الأجتماعية ، وهو يرى أن القرآن الكريم قد أجتهد في تفسيره عدة تفسيرات مختلفة  ، منها تفسيرا  لغويا و فسر أيضا  وفق الأحكام وفسر وفق العقيدة على النمط الأعتزالي و على نمط أهل السنة وما الى ذلك ، ألا أنه لم يفسر تفسيرا حضاريا يستوعب كل ما ورد عن الأمم السابقة وعن تجارب الأنبياء و الرسل السابقين وأتباعهم في قضايا الحكم و أدارة الحوار و الدولة ليقدمها كأنموذج و حل عصري لأهل هذا الزمان  .
 كما أنه لم يتم التطرق و الوقوف أيضا بالتفكر و التدقيق و التحليل  في اللمحات و الأشارات التي تضمنتها كثيرا من الأيات القرآنية  التي دلت فيما دلت على كثير من  السنن  كسنن  البقاء و سنن الصعود و سنن الهبوط  ، الأمر الذي  يستوجب  منا ان نفسره  تفسيرا عصريا  وفقا  للفقه  الحضاري  ليقدم للمفكرين و المثقفين و الحاكمين و المحكومين  أدلة  عمل  و أدلة  نهضة  وأدلة  وجود وأدلة بقاء ، ومن التجارب الهالكة ( أدلة فناء وسقوط) لننجح في الأخير للتوصل على  الأجابة على سؤال كيف تقوى وتنهض وتبقى الأمم ؟ وكيف تفنى و تسقط ؟
العقلانية هي المدخل والبوابة الأولى للحوار الصحي والجاد
لقد  جاء  الأسلام  بموروث  ثر  و فتان  في  مسألة  الحوار  وتحكيم  منطق العقل  و الآعتراف  بلآخر  موظفا  ذلك كله  في عملية  أدارة  و  تنظيم  شؤون  العباد الدنيوية و الآخروية  خصوصا  أن  الله  عز  وجل قد  جعل  التعدد  و  الأختلاف  في العرق و اللون و الفكر و العقيدة و الرأي من  السنن  الكونية  التي  ستظل  قائمة  الى  أن  يرث  الله  الأرض وما عليها ، وفي ذلك نستأنس بقوله تعالى من سورة يونس - الآية 99 :-( ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) .
من  هنا  تأتي  حتمية  وجود  مساحات  للتوافق والحوار  و براحات واسعةللعقلانية  لتفرض  نفسها  في  هذا  الكون  حتى  يكون  التعايش  السلمي  بين  مختلف  التعدديات  هو  المحصلة  الكائنة و الشائعة  بين العرقيات  المستخلفة  من  الله  عز وجل لعمارة الأرض  و فلاحتها  لما  فيه  خيرا للبشرية  جمعاء  ،  وهنا  نستذكر قول  الله تعالى في محكم تنزيله الأية 13 من سورة الحجرات ( يأيها  الناس أنا خلقناكم  من  ذكر و أنثى وجعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند  الله  أتقاكم أن  الله  عليم خبير  )  صدق الله العظيم .
 أذن فأن  رسالة  الأسلام  السامية  كانت  ومازالت  هي   نشر  ثقافة   السلام   وروح   التآخي   و الوئام  بين شعوب المعمورة  وتوطين مبدأ و مسألة  قيام  حوار للحضارات  فيما بينها  ،  وقد  قام  من أجل  ذلك   بنبذ  و رفض  كل  وسائل  العنف و فرض  الرأي  بالقوة  وعدم  الأعتراف   الأنساني بلآخر  كأدوات للحوار بين  التعدديات  حتى لوكان ذلك  في  سبيل  نشر  الدعوة  الأسلامية  نفسها  ، وهنا جاز   لنا  أن  نستذكر  قول  الله  تعالى  في سورة  البقرة  الآية 256  ( لا أكراه  في  الدين  قد  تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطغوت ويؤمن بالله فقد أستمسك بالعروة الوثقى لا أنفصام لها والله سميع عليم )  صدق الله العظيم .
  وقد   حذر الأسلام  بشدة  من  أتباع سياسة  العنف و منطق  القوة  لفرض  رأي أو  فكرأوثقافة  معينة على  الآخر ،  وحذر  أيضا من مآلات  هذه  التوجه الخطير  وهذا  السلوك  السيئ  على  كافة  الأصعدة  خصوصا  منها الصعيد  البشري ، الذي  قد  ينتج  حروبا  و فوضى  و خراب   يهدد  السلم  و الأمن   العالمي ويقوض   فرص  التلاقي   بين الأمم والشعوب و حضاراتها   وكذلك الحال  النمو  و التطور  في مجتمعاتها  .
  فرسالة  الأسلام  السامية  التي  جعلت  من أمر  الدعوة  الى  الله  والدخول  في     دينه  أفواجا  عامودها  الفقري الذي  تستند  عليه  بقية  السنن و الفرائض التشريعية  الأخرى  ،  نراها  قد تركت للنفس البشرية الفرصة  لتحكم  عقلها في  أمر  التفكر في كل الشواهد و النواميس  الكونية التي  أوجدها  الخالق  البارئ في تنسيق و كمال بديع حتى يهتدي  بها   الأنسان  الضعيف  لمسألة وجود و عظمة و  قوة  الذي أوجده  على  سطح  الأرض  دون  أي  أن  يفرض  عليه  طرف  آخر  هذا  الأمر  بوسيلة  همجية لا تراعي حقوقه الطبيعة  في  حرية  التفكير و الأختيار و أتخاذ القرار  ،  وهنا  نذكر بقول  الله  تعالى  في  سورة الروم الآية 8 ( أولم يتفكروا في أنفسهم ماخلق الله السموات و الأرض ألا بأجل مسمى وأن كثيرا من الناس بلقائ ربهم لكفرون ) ! ! ؟
من هنا  كان  لزاما  على  الأسلام  أن  يرسي  أدبا  ومنهجا  و أسسا  متينة  للحوار تساعده  على  توصيل  أمر  رسالته  الجدي  بالشكل  الصحيح  الذي تستطيع  عبره  كل القوميات تقبله  و  أستيعابه  و الأطمئنان  أليه ومن ثم الدخول فيه ،  فيصل  بذلك  الى  غاياته  الحميدة  الهادفة  لأخراج  الناس  من ظلمة  الشرك و الألحاد الى  نور و صفاء  التوحيد و الربوبيه لله  الواحد  القهار  عبر  بوابة  السمو  بالعقل  وتمكينه  من  تمييز  الصالح  من  الطالح  من القضايا  و الآراء و المعتقدات ! ! ؟
 وحيث  أننا  لسنا  بصدد الحديث  عن  أمور  الدعوة في الأسلام و أساليبها و شروطها الشرعية فذلك  بحر عميق  تتلاطم  أمواج العلوم وأختصاص  المعرفة  فيه ، ألا أننا  قصدنا  في ذلك  فقط  أن  نشير  هنا  لمسألة  في  غاية الأهمية  بمكان  وهي  أن ( عملية الدعوة الى الله في الأسلام ) ثم مسألة ( العقلانية و منطق الحوار السلمي ) هما  في  الأساس  وجهان  لعملة  واحدة  بالشيء  الذي وجدناه  في  المنبع ، وبعبارة  أخرى  يمكننا  القول  أن  الدعوة  الأسلامية  الصحيحة  الداعية  لأتباع  الكتاب  و السنة لا يستقيم  عودها  ألا  بأتباع  منهج  الحوار  السلمي و تحكيم  منطق  العقل و  مبدأ   العقلانية   في   أسلوبها   الحركي  و الفكري  لتوصيل  أمرها   للناس   جميعا  . 
مناظرة سيدنا أبراهيم مع أبيه وقومه . . المعاني والدلالات
 لفتت  نظري  قصة  المناظرة  الفريدة  في منهجها الفكري  و البديعة  في أسلوبها الحركي  المتمكن و التي جرت بين سيدنا  أبراهيم  عليه السلام  و أبيه  وقومه  و المذكورة  تحديدا  في   سورتي     الشعراء  و العنكبوت  .
 ففي سورة الشعراء  وبعد  أن ذكر  الله قصة سيدنا موسى عليه السلام جاء السياق لتناول قصة  سيدنا أبراهيم عليه السلام ، التي رأينا بعد طول تأمل و تفكر فيها أنها حوت على منهجية دقيقة و رفيعة للغاية لأساليب و آداب تدشين الحوار مع أطراف  ينظر  لها على أنها تختلف مع مرجعية الأسلام في العقيدة و الفكر وسبل  العيش و الحياة  ! ! ؟
تقع هذه المناظرة مابين الأية (69) حتى الأية (104)  ، وفيها  نجد  بعد  أن  نزيح عنها و نستثني من زبدة تفاصيلها المتناسقة  محور ( المقصد و  الغاية  من المناظرة ) وهو بالطبع أمر  الدعوة الى توحيد الله  وعدم الأشراك به شيئا   والذي يريد  من  خلاله  سيدنا أبراهيم  عليه  السلام  أن يخرج  قومه  من  الظلمات  الى النور  و الواضح  في  قوله  تعالى  ( قال  أفرءيتم ما كنتم تعبدون - أنتم وآباؤكم الأقدمون - فأنهم عدو لي ألا رب العالمين ) ، ثم  نستبعد  أيضا  محور   ( الباعث  الروحي لهذه المناظرة ) وهي بالطبع أخلاص النية لله  في العمل وعدم أبتغاء  المصلحة الخاصة   أو الشخصية فيه  والتي نجدها  واضحة  في  قوله  تعالى  ( ولا  تخزني  يوم  يبعثون - يوم  لا ينفع  مال و لا بنون - ألا  من  آتى   الله بقلب سليم  ) ، جاز لنا أن نتوقف  قليلا في محور ( المدخل لتدشين الحوار ) في هذه  المناظرة في  قوله تعالى  (وأتل عليهم نبأ أبراهيم - أذ قال لأبيه و قومه ماتعبدون - قالوا نعبد أصناما فنظل لهاعاكفين - قال هل يسمعونكم أذ تدعون - أو ينفعونكم أو يضرون ) ! ! ؟ 
فالشاهد هنا وحسب ماورد في كتب التفاسير المختلفة  أن  قوم سيدنا أبراهيم عليه السلام  كانوا يعبدون أصناما من الفضة و الذهب و النحاس و الحديد والخشب ، وكانوا أيضا يقيمون  على عباداتها بأجتهاد ملموس ، وقيل أن  ذلك  في وقت النهار فقط   لأنهم  كانوا  يعبدون ليلا الكواكب ! ! ؟  . ويتضح جليا من سياق الآيات الكريمة أعتماد  سيدنا أبراهيم عليه السلام   في  أسلوب  حواره  مع أبيه وقومه  لمبدأين أساسيين  ، الأول  هو أسلوب التعجب السلمي من أمر هذه العبادة  ، و الثاني  هو مبدأ العقلانية  و الأحتكام  لصوت العقل    لتوصيلهم  في الأخير لغايته المرجوة  من عقد  المقارنة مابين الله الواحد الأحد الفرد الصمد و مجموعة أصنامهم  الصماء ! ! ؟
 فسيدنا أبراهيم عليه السلام  أراد  أن  يدشن عملية الحوار و المفاوضات بنفس هادئ و طويل حتى  يفند لهم كل حججهم الواهية التي يمكن  أن  يستندوا عليها في دفاعهم  عن باطل الأمر الذى هم فيه  ، فكان سؤال التعجب من أمر هذه العبادة دون أي أزدراء لما هم فيه والمستشعر في قوله تعالى ( أذ قال لأبيه وقومه ماتعبدون ) ، مع العلم  أن سيدنا أبراهيم عليه السلام يعلم جيدا ماهم عليه من باطل ، ألا أن السؤال أريد به الصدح بالتعجب السلمي الذي يقوده   للخطوة  الثانية  وهي الحوار  البناء و المفاوضات  المجدية ! ! ؟
  يأتي بعد  ذلك  في سياق الآيات الكريمة أن  سيدنا أبراهيم عليه السلام وقبل  أن  يطالبهم بتوحيد  الخالق البارئ الذي يعرفه  وأتباع أمره  ، نجده  قد أخذ بأيديهم لمسألة  تحكيم  صوت عقولهم  بشكل  حر و سلمي  فيما  هم  فيه من عبادة وما يدعوهم هو أليه  من توحيد   للوصول الى الحقيقة حينما يعقدون المقارنة بين الأرباب ، وقد بدأ ذلك  في تساؤله المشروع لهم عن قدرة أصنامهم التي يعكفون على عبادتها في عملية التواصل الحسي و السمعي معهم وذلك  في قوله تعالى ( قال هل يسمعونكم أذ تدعون - أو ينفعونكم أو يضرون )  ! ! ؟
فمن الطبيعي أن لا يعبد ولا يسأل الأنسان ألا من يسمعه و يدرك طلبه  ! ! ؟ . بعدها أنتقل سيدنا أبراهيم عليه السلام بأجلاء الأمر أكثر والغوص بشدة في تلاطيم أمواج الوعي الحق و الفكر الصادق و الترجيح العقلي  السديد عندما  بدأ  بشرح الصفات  الخارقة  لربه  والتي لاتصح ألا لسواه  المذكورة في  قوله تعالى  ( الذي خلقني فهويهدين - والذي هو يطعمني و يسقين - وأذا مرضت فهو يشفين ) و ( والذي يميتني ثم يحيين ) صدق الله العظيم  .
ليأتي في الأخير ليؤكد لهم ( أبيه و قومه ) ولغيرهم من الأجيال القادمة أنه صادق  العهد وجاد الوسيلة ولا يبتغى أجرا من أحد في سبيل تصديقه و الوصول مع الآخرين لكلمة سواء وهي توحيد الله ( المنطقة الوسطى من المفاوضات ) ، ويظهر ذلك قي أقواله التي وردت في نفس سياق المنظارة (. . ألحقني بالصالحين ، أجعل لي لسان صدق في الآخرين ، ألا من أتى الله بقلب سليم ) .
و في سورة العنكبوت و على نفس  منهجية  اتباع  مبدأ  السلم  و العقلانية  في  الحوار ،  يعود     سيدنا أبراهيم  عليه السلام  في مناظرته و حواره لقومه  لمسألة الأحتكام لصوت العقل  من خلال  بوابة السؤال عن الرزق الدنيوي    عند قوله تعالى  ( وأبراهيم أذ قال لقومه أعبدوا الله وأتقوه ذلكم خير لكم أن كنتم تعلمون - أنما تعبدون من دون الله أوثانا و تخلقون أفكا أن الذين تعبدون من دون الله لايملكون لكم رزقا فأبتغوا عند الله الرزق وأعبدوه و أشكروا له أليه ترجعون)  صدق الله العظيم .
 فمن البديهيات أيضا  أن لا توجه للعبادة ألا لمن لهو القدرة على التحكم في امور البشر الدنيوية  كتحقيق الأرزاق مثلا  وتوصيلها و توزيعها بشكل عادل ،  وكذلك  الحال لا يدعو من هو أقل منه في الصفات التي يتمتع  بها هو نفسه كالسمع و البصر و الكلام  ،  بل  التوجه  لمن  يملك  الخوارق  التي  لا يستطيع  العقل البشري  أن يتحسسها  أو يدركها  كمسائل الخلق و البعث  لقوله تعالى ( أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده أن ذلك على يسير- قل سيروا في الأرض فأنظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الأخرة أن الله على كل شيء قدير )  صدق الله العظيم  .
لمحات أخرى سريعة جديرة بالتأمل :-
(1)- منهجية خطيب الأنبياء وحضوره الذهني الرائع في الحوار
كان سيدنا شعيب عليه السلام يتميز بحضور وترتيب ذهني وبراعة فائقة في أقامة الحجة بسلاسة ودحض المزاعم الآخرى المنافية للعقل بحنكة ودراية شديدتين بلأهداف و المقاصد العليا  من عملية الحوار التي يديرها هو بنفسه  مع  قومه .
 فعلى  الرغم  من أن  شعب  مدين  وأصحب الأيكة  اللذان  أرسل  الله عز وجل لهم  شعيب عليه السلام  كانوا   يكفرون   بالله  و يفعلون الشرور ويطففون  في المكيال  و الميزان  ويماكسون  الناس  في  سلعهم بغية  شرائها  بثمن  بخس  ويصدون  الناس في الطريق عن الدين منعا لهم من متابعة أمر شعيب عليه السلام ، وعلى كثرة كل هذه الأمور و القضايا التفصيلية  المعقدة  و المتشابكة التي ذهب فيها سيدنا شعيب  معهم  بالحوار الجاد و الرصين  لهدايتهم  وتخليصهم  منها مذهبا كبيرا ، ألا  أنه  وضع  لهم في البداية  أطارا عاما و أساسا  ثابتا  لها يجعلها  سلسلة  الفهم لمعرفة  الغايات  الحميدة المرجوة منها  من جهة  ، ثم في مرحلة اخرى السبيل والطريق للأخذ بالسير في ممراتها  و طرقها الآمنة التي سوف تفضي في الأخير  لهم  بكل الخير و الرخاء لمجتمعهم و البسطة لتجارتهم التي هي في الأساس حرفتهم الرئيسية  من جهة اخرى ! ! ؟
هذا بالضبط ما تلمسناه بعد تتبعنا الدقيق لكل الآيات الكريمة في القرآن الكريم التي شرحت و بينت أجندة و تفاصيل الحوارات التي دارت بين شعيب  عليه السلام  من جانب و شعب مدين ثم أصحاب الأيكة من جانب آخر .
فنجد أولا : -  أن   تحدد  الأطار العام  لعملية الحوار والذي لا تخرج كل القضايا التفصيلية الأخرى من أصله  قد جاء بيانا  في الأية الكريمة (36 ) من سورة العنكبوت : -( وألى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم أعبدوا الله وأرجو اليوم الآخر ولاتعثوا في الأرض مفسدين ) .
 فكل مافي الحياة الدنيا من قضايا و مشاكل و هموم  ومقاصد و أهداف أطرها ثم لخصها سيدنا شعيب عليه السلام لقومه قبل الخوض في القضايا الفرعية والتفصيلية الأخرى  في ثلاثة محاور محددة  ، يجب التقيد و الألتزام بها حتى يهنئ الفرد المسلم برغد في الآولى وسعادة و نجاة في الآخرة  ،  وهي على التوالي : -  ( 1 ) توحيد الله وعدم الأشراك به شيئا ، ثم  ( 2 )  أشغال الفكرعلى الدوام بلآخرة والعمل الدؤوب من أجل الأستعداد لها بصالح الأعمال ، وأخيرا ( 3 ) الكف عن كل صنوف الفساد ( سواء كان سياسيا أو ماليا ) عبر التطفيف في الأحكام وميزان العدل والكيل بمكيالين  في الحقوق و الواجبات ! ! ؟
ثانيا نجد : - أن سيدنا شعيب عليه السلام كان يكرر و يشدد و يبدأ حواره دائما بأم القضايا و أهمها على الأطلاق وهي مسألة الربوبية لله  وعدم الأشراك به شيئا والذي يتضح في سياق الأيات الأتية : - سورة الأعراف الآية 85 (وألى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من أله غيره . . . ) ، وسورة هود 84 (وألى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم أعبدوا الله ما لكم من أله غيره . . . ) أضافة للأية 36 من سورة العنكبوت المذكورة أعلاه .
ثم يأتي ثالثا  : - بعد كل ذلك الخوض في القضايا التفصيلية الأخرى التي تنخر قوام مجتمع اهل مدين و أصحاب الأيكة وجاء سيدنا شعيب بفكره و عقيدته الأصلاحية ليحاربها و يستأصلها منهم  وهي بالكاد  يمكن أن تلخص  في باب واحد هو قضايا الفساد العام ، وهذا ما يتضح من سياق العديد من الآيات الكريمة ( . . لا تعثوا في الأرض مفسدين ) ، ( أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين ) ، ( وزنوا بالقسطاس المستقيم ) ، ( . . فأوفوا الكيل و الميزان ولاتبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد أصلاحها ذلكم خير لكم أن كنتم مؤمنين ) .
( 2 ) أرساء مبدأ المساواة في الحقوق و الواجبات ومبدأ المواطنة
( نموذج دولة المدينة  )
من الأتهامات الباطلة التي تشاع كثيرا عن الأسلام أنه  فشل في أدارة حوار حضاري  عقلاني منذ مهد دولته الأولى  يفضي الى صيغة  قانونية و أنسانية يعيش  بها الفرد غير المسلم داخل الدولة المسلمة في أمن وسلام وتساوي في الحقوق و الواجبات مع غيره الآخر المسلم المشترك معه في الأنتماء للأرض و المكان  .  فهم يدعون  أن الأسلام  أغفل مبدأي المساوة بين مختلف أهل العقائد المختلفة داخل المجتمع الواحد وبالتالي مفهوم المواطنة في الدولة التي أقامها بالمدينة المنورة  ، وجعل  هذين   المفهومين ينحصران  فقط على أساس الأنتماء له و لعقيدته ! ! ؟
 وهنا وردا على هذه الفرية ليس لنا ألا أن نعيد قراءة  بعض حيثيات ( صحيفة المدينة ) التي وضعها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ،  كدستور للدولة الحديثة في يثرب  في أولى خطواته  العملية لأدارة حوار حضاري بناء  بين مختلف مكونات ذلك المجتمع المتعدد الأديان و الأعراق من جهة ، ثم تنظيمه لقضايا الحكم وعلاقة الفرد ( أيا كانت عقيدته ) بالدولة  حتى تشرع وتؤسس بصورة عادلة  أسس القانون فيها المستندة في الأخير على مبدأ المساوة بين الجميع في الحقوق الواجبات من جهة أخرى  .
1-    جاء في الصحيفة ( هذا كتاب من محمد رسول الله ، بين المؤمنين من قريش وأهل يثرب ، ومن تبعهم ولحق بهم ، وجاهد معهم ، أنهم أمة واحدة من دون الناس ) ، ومن السياق يتضح جليا أن المغزى من أستخدام تعبير( أمة ) أنه  جاء للدلالة على أن جميع قاطني هذه الدولة هم ضمن دولة واحدة ، وماداموا أمة واحدة فهم بالقطع متساوون في الأنتماء لها دون تمييز .
2-    أستخدمت الصحيفة تعبير ( المؤمنين من قريش وأهل يثرب ) لأسقاط الأنتماء للقبلية و العرقية و السكون في مظلة الأنتماء الأشرف وهو الأنتماء  للأنسانية جمعاء .
3-    منحت الصحيفة  في سياق حضاري فتان حقوق المواطنة كاملة لبقية المجموعات البشرية الأخرى الغيرمسلمة مثل اليهود و بعض الوثنيين التي تشكل مجتمع المدينة مع الأوس و الخزرج عبر التعبير بأن كل هذه الكتل العقائدية و البشرية تمثل أمة واحدة هي أمة دولة المدينة  المتساوية قطعا في مسألة الأنتماء لها .
4-    نوهت الصحيفة أيضا الى مسؤولية الدولة و المجتمع ككل نحو رعاياه أجتماعيا ، بحيث لا يتركون من ثقلت عليه الديون وكثر أفراد أسرته دون مساعدة أو مساندة ، ويظهر ذلك في نص الصحيفة ( وأن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل ) .
وهكذا نجد أن الدولة الأسلامية في سنواتها الأولى قد أكدت أنها دولة الحق و العدل ، ودولة حوار الحضارات الأولى ومن ثم الراعية بشكل شمولي كل المبادئ العامة لحقوق الأنسان .
( 3 ) حوار القمة و القاع ( أحترام للذات وأعتراف متبادل )
جاءت السيرة النبوية بأمثلة  كثيرة ناصعة  البيان في مسائل أدارة الحوار و تبادل الآراء في مختلف القضايا و المشاكل التي كانت تواجه المجتمع المسلم بين قيادة المجتمع وأفراده البسيطين أعمالا بمبدأ الشورى وعدم الأستئساد بالرأي الواحد حتى لو كان القائد من هؤلاء الذين يأتيهم الخبر من غياهب السماء كسيدنا محمد صلوات الله علية وسلامه ، وفي ذلك نذكر على سبيل المثال وليس الحصر الحوادث الشهيرة التالية المعروفة للجميع  :-
1-    مشورة الحباب بن المنذر ورأيه السديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر.
2-    مشورة سلمان الفارسي ورأيه السديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب .
3-    سماع النبي صلى الله عليه وسلم لرأي جمهور اصحابه في مسألة الخروج على قريش لقتالها في أحد خارج أسوار المدينة ، على  الرغم  من  أنه كان يخالفهم الرأي في ذلك ،   وكان يرى كما هو معلوم للجميع أن يقيموا بالمدينة وأن يتركوا المشركين حيث نزلوا ، فأن أقاموا أقاموا بشر مقام وأن دخلوا علينا قاتلناهم فيها وكنا أدرى منهم بشعاب المدينة ! ! ؟
4-    بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم  نشب خلاف في سقيفة دار سعد  عن من يخلف الرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامه  ؟ وقد أنتخبوا ككبار لأنصار سعد بن عبادة  بعد  أن خطب فيهم قائلا ( أنا نحن الأنصار من كان له الفضل و السبق في حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه لا ينبغى ان ينازعهم في هذا الأمر أحد ) . فلما بلغ هذا الأجتماع كبار المهاجرين أبوبكر و عمر وغيرهما ، مضوا الى السقيفة مسرعين وكان عمر يريد أن يتكلم بحديث هيأه في نفسه ، فقال له أبوبكر على رسلك وكان رجلا وقورا فيه أناة ، ثم أدار معهم بنفسه حوار هادئا  بناء حمل فيه كل معاني الأحترام المتبادل بين حزبي المدينة ( المهاجرين و الأنصار )  والأعتراف بحقوقهم كاملة والتذكير بفضلهم و مجاهداتهم التي لا ينكرها أحد ، ثم أخيرا الأحتكام لقواعد و مبادئ  الحوار ممثلة  في الرجوع  لقول النبي الكريم  عليه السلام ( الأئمة من قريش ) ثم   قال ( فنحن الأمراء وأنتم الوزراء لا تفتانون بمشورة ولا تقضى دونكم الأمور ) فسكنوا لهذا الحوار البناء و العقلاني وقام بعدها هو بأتباع الأمر لعمر أو أبوعبيدة  قائلا ( أيهما شئتم بايعوا ) ، حتى لا يعتقد أنه يبغى ملكا و سلطانا في الدنيا وأنما تنحصر رغبته فقط في التنفيذ الأعمى لكل كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم ،  فقالا ( عمر بن الخطاب و أبوعبيد الجراح ) : - ( لا والله لا نتولى الأمر عليك أنت أفضل المهاجرين و ثاني أثنين أذ هما في الغار ) ، فبايعاه ثم قام الجميع بعدهم فبايعوا أبوبكر حتى كادوا يطأون سعد بن عبادة وهو مريض لا يقدر على النهوض ! ! ؟ .
هكذا كان الأسلام دولة و حضارة مثالا ناصعا لأفراد المساحات تلو المساحات الواسعة في  حسن و أدب الحوار و الأعتراف بلأخر وأتباع مختلف الوسائل السلمية للوصول لمنطقة الحدود الوسطى التي تجعل كل البشرية جمعاء تعيش بسلام و أمن و طمأنينة كاملة كل وفق معتقده و ثقافته دون التوغل بعنف أو فرض للقوة  على  رؤية الآخر وطرق و وسائل عيشه في هذه  الحياة  .  ونحن  أذ  سلطنا  الضوء  بالتحليل على بعض المعطيات  الفكرية الثرة  التي  يعج و يمتلئ  بها القرآن الكريم و السنة النبوية ، و تؤكد بفعالية  صدق  ما ذهبنا  أليه  بأن الأسلام  قدم مشروعا  فكريا  شاملا  لكيفية أدارة  عملية  الحوار  مع الآخر ( سواء من نفس العقيدة أو من أخرى ) والوسائل المثلى للوصول الى كلمة سواء معه أو حتى لقواسم مشتركة تضمن العيش الكريم لكلا الطرفين  ، ألا أننا نعتقد أن هذا المبحث عريض كعرض البحر لا ينفذ معينه للأستدلال و التمثيل بالكثير من الأحداث والقصص النبوية الشريفة  التي جاءت بيانا وتعريفا للناس لكيفية أدارة شؤون حياتهم العامة و الخاصة  من جانب ، ثم خلق فرص التواصل و التلاقى مع أهل الحضارات المختلقة من جانب  آخر ، دون أن ننسى في الأخير أن الأسلام أن كان  يريد أن يفرض  عنوة و عنفا منهجه و عقيدته على الآخرين لما قال نبيه في ذكر مقاله في سورة الكافرون  في بيان أعراض الكافرين عن دعوته  قول الله تعالى ( لكم دينكم ولي دين ) .
 د.عبدالله البخاري الجعلي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.