بسم الله  الرحمن الرحيم

 

 

كتبت الشيخة حصة صباح السالم الصباح سليلة الأسرة الحاكمة الكويتية والمشرف العام لدار الآثار الأسلامية في وداع العالم الكبير الدكتور عبدالله الطيب حديثا تدنو له الجباه و تتفطر له الأفئدة و تدمع له المآقي و تتجلل له الأبدان  ، حينما أعتبرته واحة من  العلم و المعرفة و الأخلاق  نسجت رباطا وشيجا لا أنفصام  له  بين الكويت دولة و شعبا والسودان أرضا و تراثا و حضارة  . بهرها العالم الراحل منذ أن ألتقته أول مرة في جامعة كيمبردج البريطانية وهو يتحدث باللغة الأنجليزية عندما لحظت  جمعه للكثير من المتضادات ، ملامح الشعب السوداني بطيب السكينة و الفكر المعمق بالتأصيل و سعة الأفق و تعدد المعارف و الحديث الثر المنمق والذي لا يسع السامع له ألا لينصت له أنصاتا يغزل من الشكل مضمونا و يتلبس مضمونه شكله  .

تنقب  العلامة الراحل عبدالله الطيب الطريق  للعاصمة الكويتية لينثر فيها عبيره الفكري و العلمي و الثقافي عبر الليالي و الملتقيات الخالدة  التي كانت تنظمها دارالآثار الأسلامية في آواخر الثمانينات ، وكان من فضل الله عز و جل أن أنتاشت هذه المؤسسة الفكرية العريقة  بسهام تقدريها للعلم و العلماء هدفا نبيلا و عظميا تمثل في شرف أصدارها لسفره العلمي الفريد ( المرشد الى فهم أشعار العرب وصناعتها )  في طبعته الثالثة . كنت حاضرا آيامها هناك و كنت رغم يفاعتي و صغري وعدم أمكانية تقديري لضخامة الحدث ، ألا أن أسمه و رهاب المكان و صدى تلك الزيارات و الليالي الثقافية  من كثرة و تعدد مرات مرافقتي للوالد مازالت عالقة و راسخة بلأذهان وقد سك أسماعي سماع طنينها  ! ! ؟

وحينما يذكر السودان وتذكر علاقته بدولة الكويت قبل ذلك  الموقف المشين الذي أتخذته حكومة الأنقاذ الوطني بمساندة نظام صدام حسين الغازي في حرب الخليج الثانية ، يأتي حديثنا في مرفأ ثاني  عن علامة فارقة و شعلة مضيئة و سراج وهاج زين جيد هذه العلاقة و أرسى فيها بعدا شعبيا و رسميا  لم يسبقه عليه أحد من الجانب الآخر ، وكان ذلك مع  رجل البر و الخير الكويتي  السفير الراحل عبدالله السريع أو عبدالله جوبا .

 دخل السريع  السودان كموظف أغاثة و مواطن كويتي بسيط  بمدينة  جوبا  و بدأ بمنح الجنوبيين سبل العيش الكريم و الحياة الطيبة و الأمل  عبر نشاط مكتبه الخيري  الدؤوب ،  من  حفر للآبار مياه الشرب و بناء المدارس و المستشفيات و توطين النازحين ومساعدتهم في أستصلاح آراضيهم الزراعية  ،  دون  أن يفكر هو أو من خلفه  مرة واحدة في تمثل الطريق التقليدي و المعروف  لأصحاب أمثال هذا  النشاط الأسلامي الخيري ،  عبر البدء في  بناء المساجد  و دور تعليم  وحفظ  القرآن  الكريم  على  الرغم من أنه كان  يمثل في الأول  الأخير وكالة أغاثة أسلامية ! ! ؟

  هذا الجنوح الغريب و الفريد للسفير الشعبي ( قبل الرسمي ) عبدالله السريع الذي خالف طريقة العمل المعروفة  لمنظمات الأغاثة الأسلامية أو تلك الأرساليات التبشيرية   رسخ  للجنوبيين أن هذا القادم الجديد و  دولته من خلفه  جاءوا وهم خالين من أي غرض أو قصد فقط من أجل  تقديم الخير و النفع  و زرع  البسمة و الحبور و الفرحة على شفاهم  بعد  أن أضنتهم في ذلك  ويلات الحرب و الصراعات القبلية و دون أن يرجوا منهم كذلك جزاءا أو شكورا   .

 وكانت من المواقف الطريفة و المعبرة التي ذكرت فيما بعد  أنهم في الأخير ومع طول أقامته وسطهم وديمومة نشاطه الخيري الماثل أمامهم أن طالبوه بأنفسهم  ببناء مسجد كبيرلهم  بمدينة جوبا ، كما أنهم ومن  شدة حبهم العميق  له  كانوا قد  طالبوه مرارا و تكرارا  بتمثيلهم نيابيا في الأنتخابات لأنهم  يعتبروه  أصدق من جاورهم و أصدق من أحبهم وأصدق من قام لهم بحملات التغيير و الوعد و الأمل الصادق لحياتهم القاهرة والصعبة بعد حولها هو لحياة وردية و سعيدة  ! ! ؟

 أنتقل بعدها عبدالله السريع  الى الخرطوم سفيرا لبلاده ( رغم رفضه لذلك المنصب وأصراره البقاء بالجنوب كموظف أغاثة ) ، ليقوم و بحكم عمله الجديد  بتوسيع نشاطه الدبلوماسي في شقه الرسمى بعد أن أجاد شقه الشعبي .  قضى قرابة الأربع سنوات في منصبه هذا وقد  وصفت بأنها أزهي أيام  العلاقات بين الكويت و السودان ثم  فارق هذا الطائر النقي و المفعم بحب السودان  سماء الخرطوم  وهو يتقطر هما و غما و حزنا بعد  ذلك  الموقف الرسمي الغريب الذي حمل نظام الأنقاذ  لمساندة نظام  الطاغية صدام الذي  أنتهك حرمة جاره بغزوه الكويت في العام 1990 دون أن  يراعي  في  أستباحته لأعراضها  شيخا أو صغيرا أو نساءا ، موقف  رسمي شاذ  و نشاذ طعن   جسد العلاقة الطيبة  بين البلدين بخنجر حاد  في في مقتل ، فأنداحت منه جراح  لم تعرف طريقا  للأندمال حتى يومنا هذا   . 

  كتب عبدالله السريع  سفره الأخير و ذكرياته مع بلد المليون ميل مربع في كتاب ( عندما كنت سفيرا للسودان ) و الذي يحوي الكثير من التفاصيل و الأحداث العظيمة التي عمرت علاقة الشعبين و البلدين و تركت أثرها حتى يومنا هذا  على واقع العلاقة الآني ،  قبل أن يرحل من هذه  الفانية في العام 1996م ويوصى بأقامة حفل تأبين له في مدينة جوبا التي بادلته حبا بحب بلأمس  و دمعا بدمع في الحاضر  .

ومع هذا السفر الجميل في حب الكويت للسودان و حب السودان للكويت أستوقفتني منارة ثالثة مثلت لي  كالصرخة الخانقة  في غياهب  الصحراء الممتدة الأطراف ، وقد حملت أوتارها و هبت رياحها من العالمة الأسلامية الجليلة الراحلة عفاف ساتي . ولصاحبة الأثر ذكرى عميقة وخالدة  في نفسي ، حيث جمعتها بلأسرة علاقة أجتماعية وطيدة حينما كنا سويا  على أرض الكويت ثم أفترقنا من بعد الغزو العراقي  فهاجرت هي و زوجها للولايات المتحدة وعدنا نحن أدراجنا نحو  السودان ،  ثم  كان من فضل الله عز وجل أن أجتمع شملنا  معها مرة أخرى  في العاصمة القطرية الدوحة قبل أن تغادرها أسرتي نهائيا  للوطن مرة أخرى وتغادرها هي لجوار الله .

 رسمت عفاف ساتي الوجه القبيح للنظام العراقي المدحور و الصورة الشائنة للذكرى الأليمة للغزو العراقي لدولة الكويت عبر رائعتها الأدبية تلكم الرواية التي كتبتها بلأنجليزية ( صرخة في الصحراء ) . تتناول الرواية قصة الفتاة الأمريكية جينفرالشقراء التي أقترنت بالشاب الكويتي الوسيم جاسم طالب الدراسات العليا بجامعة شيكاغو ، حينما ألتقت به بالجامعة وكان يساعدها في دروس اللغة العربية .

تطورت هذه العلاقة الزمالية لتنتهي فصولها بزواجها الميمون من جاسم وأستقرارها في الكويت العاصمة و تكوينها لأسرة سعيدة من ثلاثة أبناء .  ثم تتواصل فصول الرواية و تتطور معها الأحداث حتى تأتي لحظة  حدوث العدوان الغاشم العراقي على دولة الكويت في أغسطس من العام 1990م  ، ممثلا تحولا كبير و بالغا على حياتها الأسرية . يتغير كل شيء بعد الأجتياح العراقي حيث يقبض الجنود العراقيين على أبنها ، وتضطر أن تفترق هي عن أبناءها الصغار الآخرين و عن زوجها في تراجيديا مآساوية مثلها ذلك الحدث الكبير على حياة جينيفر وعلى حياة المؤلفة مما يستشف من السياق  وعلى  كل من شهد تلك الأيام المدمية و الحزينة على شعب و أرض الكويت ! ! ؟

عندما جالستها وهي تهدينا الرواية كانت الراحلة  تتحدث بأعجاب و حنين لدولة الكويت وللأيام الخالدة و الطيبة التي أعتبرتها أجمل أيام عمرها ، وللعلاقات الراسخة  التي أرتبطت بها مع الأواسط الأكاديمية و الأعلامية و الثقافية و الأجتماعية  هناك  ، و التي أمتدت حتى  بعد هجرتها غربا نحو بلاد العم سام  . قصت لي مناسبة تكريمها على الرواية من قبل الديوان الأميري من قبل ولي عهد دولة الكويت ، وكيف أنهم أستقبلوها أستقبال الأبطال و بحفاوة بالغة و كرموها تكريما أعتبرته قلادة عرفان و شرف وشهادة براءة   لكل  السودانيين  الذين عاشوا  بالكويت  وعاصروا الغزو العراقي الغاشم  وهم يبادلون  شعبها حبا بحب و قد عكسوا لهم من ذي قبل  أصالة معدن بلادهم و الوجه المشرق لمواطنها الذي وقف معهم في تلك الشدة في خندق واحد  .

بعدها أختلجت في خاطري ذكرى رواية أخرى عبرت بي لأرض مملكة سبأ و أن كان مؤلفها من المنارات و المعالم الطيبة التي أضاءت سماء السودانيين  بالكويت ، وهو الأستاذ الراحل خوجلي أبوبكر  رئيس قسم عمليات شمال أفريقيا بالصندوق الكويتي  و روايتة ( العبور نحو الشاطئ الآخر)  التي أختطها تحت نيران المدافع في فندقه بعدن أبان الحرب اليمنية بين الشمال و الجنوب في مهمة عمل قادته للمكان .

 قد لا  أذكر ملامحه السودانية البسيطة أو وجهه البشوش و لسانه الجزل و الرطب بلأحاديث الطيبة و روحه الصوفية الهائمة المميزة التي عرف بها  و كانت  حديث مجالس سودانيي  الكويت  ، ألا أنني أنقل عن والدتي امنية قاله  لها ذات مرة بعد عودته سالما من محنة اليمن وهي  أنه نجا من موت محقق وقد هلعا من الحدث ليس خوفا من الموت بل لأنه  يتمنى لو أن يلقى الله في عمره الستيني كالنبي صلوات الله عليه وسلامه وهو لم يبلغ ذلك آنذاك  .

  ثم أنقل أيضا عنه من أقواله المأثورة التي شغف بها قلبي وحفرت في الذاكرة عندما قال  في مقدمة  الرواية  تمثله و أنتمائه لمدرسة ( الهايكو ) اليابانية في الكتابة الشعرية  ، وهي مدرسة تمثل أحد مظاهر التوق للحرية و التحرر من آسار القوالب الجامدة والسيق التعبيرية المعتمدة ثم الجنوح للأيجاز في الأسلوب والبساطة في التناول و البلاغة في التعبير . قال أنه في الرواية أولا  يخاطب  الأذكياء وثانيا أنه ملتزم بقسم الهايكو وثالثا أنه ليس المهم أن نكتب كثيرا وأنما أن نكتب شيئا ذا قيمة ! ! ؟ وقد شاءت أرادة المولى أن يرحل الأديب الأقتصادي الأستاذ خوجلي بعد الغزو العراقي بسنوات معدودة وهو في سن الستين كما أراد لنفسه وأختاره الله عز وجل لها .

ثم أختم سفري هذا في قمم و هامات شيدت بعطاءها الثر و بريق أنجازاتها هرم العلاقة الشعبية ( غير الرسمية ) بين الكويت و السودان بالدكتور القانوني الراحل فتح الرحمن الشيخ الذي شاءت الأقدار الآلهيه أن يبدأ مشوار ترحاله العملي بالكويت ثم يخرج منها بعد الغزو ليعيش بقطر ثم البحرين وأخيرا مرة أخرى بدولة الكويت ليلقى الله فيها بعد أن أحبها و أحبته و خدمها فودعته بآكاليل الورود و الرياحين . أرتحل بنا الراحل طيب الذكر و المعشر في حبه العميق للكويت عبرسفره الذي وثق فيه معظم ذكرياته في كتاب أختار له عنوانا ( بين رحلتين ) ويقصد بالرحلة الآولى رحلة المقام والقدوم الأول للكويت وبالرحلة الثانية رحلة العودة أليها مرة اخرى ، دون أن يدري أنها رحلته الأخيرة من هذه الفانية .

نال الدكتور فتح الرحمن الشيخ بكالوريس القانون وماجستير القوانين من جامعة الخرطوم ثم الدكتوراة من جامعة كامبريدج ،وكان يعمل مستشارا قانونيا للهيئة العامة للأستثمار بالكويت منذ العام1985م وحتى لحظة الغزو العراقي . كتب في ناصية سفره ( بين رحلتين ) عبارات قوية وصف فيها الغزو بأنه جريمة العصر وقد كانت له تداعيات على المستوى الدولي و الأقليمي و المحلي و الشخصي ، كما  قام بدحض كل أدعات العراق في المطالبة بضم الكويت والتي لاتستند لأي سند  قانوني أو منطقي ، فالأدعاءات السياسية لا تكسب حقا أو تفرض خيارا ! ! ؟

رحل كل هؤلاء من الفانية وظلت ذكراهم في نفسي خالدة بعد أن خلدتهم أعمالهم الطيبة و أزكتهم روحهم العطرة التي كانت ترى الخرطوم و الكويت مدينتين متجاورتين لا حدود بينهما . وأنني  وأذ أترحم عليهم جميعا وأسأل الله أن يتغمدهم بواسع رحمته بقدر ما عملوا من أجل عكس صورة طيبة عن بلادهم فلم يعرف معهم للسودان  سفير واحد بل مئات السفراء ، فأنني أتمنى أن يسعفني الزمان و المعرفة و الدراية  للوقوف بالبحث و السرد والكتابة  عن تجاربهم الرائعة وأعمالهم الناصعة التي أسست بنيانا متينا لصورة السودان بالكويت ثم حب الكويتيين للسودان وذلك بصورة أدق وأكثر تفصيلا  لتستخلص منه العبر و الدروس للأجيال الحالية ، فقد كان الحديث عنهم سفرا جميلا ولكنه يبقى للأسف في الأخير  سفرا أخيرا ..... أنا لله وأنا أليه راجعون .

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.