أذاعت قناة الحرة تقريرا مصورا يُظهِر المساعدات الأنسانية الأغاثية المقدمة من حكومة خادم الحرمين الشريفين للأسر الفقيرة في شهر رمضان المنصرم ُتبَاع في الأسواق و المحلات رغم أن عبواتها مكتوب عليها غير مخصص للبيع .
التقرير و الذي تم تداوله بين السودانيين بشكل واسع أظهر أن التمور السعودية التي عليها ديباجة واضحة مكتوب عليها غير مخصص للبيع نقلت فورا من مطار الخرطوم الى الأسواق و المحلات دون أي رقيب أو حسيب .
بحثت بشكل واسع في الصحافة ومختلف وسائل الأعلام عن أي رد فعل حكومي لنفي أو تبرير أو حتى توضيح للرأي العام ملابسات هذا الأمر المخزي و المتكرر حتى لحظة كتابة هذا المقال ولكنني لم أفلح في ذلك ، و يبدو أن الصمت و عدم المبالاة بما ينشره الأعلام الخارجي عن هذه الفضيحة هو رد الحكومة عليه !
و أما جمعية حماية المستهلك فكان ردها و تعليقها خجولا و يوضح الى أي حد تلاشى دورها و أضحت لا حول لها ولا قوة ، حيث أكتفى متحدث بأسمها بالقول أنهم تصدوا لهذا الأمر عدة مرات ، ولكن المنظمات التي تُسَرِب الأغاثة للأسواق بررت فعلتها بالقول أن المواطن السوداني غير معتاد على هذه النوعية من المواد ، ولذلك أرتأت أن تبيعها و تستفيد من مردودها لشراء أحتياجات أخرى تكون مقبولة لهم !
قبل سنوات مضت في كارثة السيول و الفيضانات التي حلت بالبلاد قدمت قطر مساعدات أنسانية أغاثية للمواطنين الذين جرفت السيول منازلهم و كانت عبارة عن مولدات كهربائية ، ومضخات سحب المياه ، وأغطية وبطاطين و خيم حديثة مجهزة بكل ما يمكن أن تحتاجه الأسرة في منزلها .
هذه المساعدات و للأسف الشديد لم تصل لمستحقيها ، و سُرِبَت من قبل منظمات أنسانية يملكها مسؤولين محسوبين على الجهاز التنفيذي للدولة لبيعها في الأسواق بمساعدة وتغطية من أمن المطار حسب تقرير نشره موقع صحيفة حريات الألكتروني .
المواطنون في المناطق المنكوبة في مرابيع الشريف و الكرياب بشرق النيل أشتكوا وقتها لوفد من المجلس الوطني برئاسة أحمد أبراهيم الطاهر و عبروا لهم عن أستيائهم من تسرب هذه المساعدات الأنسانية المفترض أنها كانت سَتُقًدم لهم للأسواق و المحال التجارية .
قام ناشطون بعد ذلك بعمل لجنة أستقصاء حقائق مع مواطني تلك المناطق ، في أطراف العاصمة بمناطق شرق النيل و الفتح أم درمان و ولاية نهر النيل ، وكانت النتائج المنشورة بعدها مؤلمة جدا و صادمة للغاية .
أكد هؤلاء لأعضاء هذه اللجنة المستقلة أن منسوبي اللجان الشعبية المنتمين للمؤتمر الوطني قاموا بنهب هذه المواد لصالح أسرهم و من ثم لبقية منسوبي الحزب و تابعيه والأصدقاء ، و حالوا دون حصول أي مواطن متضرر منها ، حتى أن إحدى المواطنات روت لأعضاء اللجنة أن عضواً بأحد اللجان الشعبية طلب منها شراء سُكوتَها ببعض المواد الغذائية التموينية .
العجيب في الأمر أن المجلس الوطني وقتها أقر بالواقعة التي نشرتها صحف محلية ، و أشتط غضبا بسبب ذلك عدد كبير من المسؤولين سواءً نواب في المجلس أو حتى في حكومة ولاية الخرطوم نذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر ..... الراحل د.مندور المهدي نائب رئيس المؤتمر الوطني و عائشة الغبشاوي و صديق محمد علي نائب والي الخرطوم السابق .
تم الأعلان بعدها عن لجنة الفاتح عزالدين لتقصي الحقائق .....
و كعادتها من اللجان التي تدعي الحكومة محاربتها للفساد بها ، لم ُيعرَف لهذه اللجنة بعد ذلك و حتى يومنا هذا من نتائج أو محاسبات للمتورطين في هذه الجريمة القبيحة متكاملة الأركان ، و التي لا تشبه أهل بلاد يَبِدُوا الغير علي ذاتهم و يكفكفوا دمعة المفجوع ، و مواريثهم كتاب الله وتقاقيبهم تسرج الليل مع الحيران ، كما وصفهم بذلك شاعرنا الكبير أسماعيل حسن .
وبسبب أن الحادثة الأولى للأغاثة القطرية مرت مرور الكرام دون أن يهتز لها جفن أي مسؤول ، و دون أي محاسبات ، ودون أن تتناولها أيضا أي قنوات فضائية .......
هاهو اليوم يتكرر نفس الأمر مع الأغاثة السعودية ، و الجديد هنا أنها جاءت مع تغطية إخبارية من قناة الحرة و ما أدراك ما هي قناة الحرة .... يعني فضيحة بجلاجل لكل أنحاء العالم !!؟
هذا الأمر وقبل أن ندعي هزرا أو شذرا أنه يقضي على ما تبقى من صورة جيدة للسودان ، ولا أعتقد أن مسؤولي هذا الوطن التعيس يضعون لهذا الأمر أعتبارا ، لكن يبقى من المهم الأشارة الى أنه جاء في توقيت سيئ جدا للحكومة .
و السؤال لماذا ؟
والأجابة ببساطة لأنه سوف يمثل ضربة إعلامية قاصمة للحملة الشعواء التي قرر أن يقودها السيد رئيس الجمهورية و أجهزته الأمنية على رؤوس الفساد في الدولة ( من سموهم بالقطط السمان ) ، وذلك من أجل إقناع ، ليس الغرب فحسب ، ولكن حتى أقرب شركاؤه الخليجيين بجدية النظام في محاربة الفساد و تهيئة هذه البلاد للأستثمار .
فالبلد الذي تُسرَق و تُنهَب فيه الزكاة و المواد التموينية الأغاثية المجانية من أفواه المساكين و بشكل مقنن عبر منظمات أنسانية أصحابها أعضاء في الحزب الحاكم من فصيلة ( القطط الضعاف ) ، وعلى مرأى و مسمع من أجهزة الدولة ، قطعا لن تستطيع نفس هذه الدولة لجم جماح رفيقاتها ممن هم في رأس جبل الفساد من( القطط السمان ) .
وما يزيد الطين بلاً هو صمت الحكومة أو عدم المبالاة في معالجة الأمر سريعا و كشف المتورطين الفاسدين في ذلك عبر لجان تحقيق مستقلة للرأي العام المحلي و الخارجي .
و هذا إن دل على شيء إنما يدل على غياب كامل لحساسية و تقدير مؤسسات الدولة للآثار السياسية السالبة لمثل هذه التصرفات الصبيانية على برامج و خطط الحكومة لفك العزلة عن أقتصادها و الأندماج مجددا في المنظومة العالمية .
وليت الأمر يقف عند ذلك فقط ......
المصيبة أننا إذا نظرنا ملياً للدول التي يهرع و يحج لها مبعوثو النظام (من واقع الهوى الأخواني التنظيمي ) مرارا و تكرارا ، و دون كلل أو ملل لأقناع قادتها مساعدة السودان عبر الدخول في شراكات أستراتيجية أستثمارية ، وليتهم يدرسون و يتأملون تجارب هذه الدول ، و أقصد بالطبع قطر و تركيا ، نرى أن قادة كلا الدولتين و في كثير من المرات يبدون عزوفا في الدخول في أي شراكات متوسطة أو كبيرة مع الحكومة السودانية .
و السبب لذلك واضح وضوح الشمس في وضح النهار ....
فقطر و تركيا لم يكن لأقتصادهما أن يزدهر و ينمو لولا أنهما يتقيدان بمعايير دولية واضحة في معدلات النمو و التنمية و الشفافية و النزاهة و الأحترافية ، مع تجنب الدخول في أي شراكات أستثمارية مع دول متخمة بمستنقعات الفساد و الفاسدين في مؤسساتها .
فما بالك يا هذا لوكانت هذه الشراكة من دولة هشة كالسودان fragile state تجلس في المقعد الخامس دوليا في قائمة أعلى الدول الفاشلة عالميا حسب التقرير السنوي الصادر عن صندوق السلام ومجلة فورين بوليسي في الولايات المتحدة في العام 2017 م ، و بلغ بها مستوى الفساد مبلغا حتى وصل لنهب المواد الأغاثية التي توزع مجانا للفقراء و المساكين .
على النظام أن يعي أن مسألة خروج السودان من أزمته الأقتصادية الحالية رهين بأستيعاب قياداته أن التناقض بين القول و الفعل ( الكذب ) يفقد الحكومة مصداقيتها أمام المجتمع الدولي ، و بالتي كل مجهوداتها السياسية لفك عزلتها الأقتصادية .
لا مناص للحكومة حتى تجذب رؤوس الأموال الخارجية للسوق المحلي و أستعادة ثقة المؤسسات التمويلية الدولية في أدئها من أن تبدأ بمشروع وطني جاد لتحسين صورتها الخارجية .
وتحسين صورتها الخارجية أمام العالم لكسب أحترام الجميع يستند في نظرنا لمعولي بناء لا ثالث لهما ......
الأول يبدأ بأحترام حقوق أنسان مواطنها و ذلك عبر حماية حقوقه بنفس الكيفية التي عرفها عنها المواطن طوال حكم الأنقاذ في إقتلاع واجباته .
و حماية حقوقه تكون قطعا عبر بسط الحرية والمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص والديمقراطية و تحسين الخدمات و الظروف المعيشية .
وأما المعول الثاني فهو محاربة الفساد المستشري على كافة المستويات داخل الدولة و تحديدا من منسوبيها ، وفصل السلطات الثلاثة و تحكيم دولة القانون بين الناس .
أما إذا فشلت في ذلك ....
و أضافت إلى فشلها هذا فشلا ذريعا آخرا في حفظ السلم الأجتماعي و ، وتضاءل قوانين الردع و المحاسبة أو إنعدمها للفاسدين ، وتقديم أجهزة السلطة دائما الحلول الأمنية على السياسية خصوصا في حقوق الناس ، فأن سمعة الدولة سوف تتلاشى تماما و تصبح مكاناً طارداً لأي مستثمر خارجي بعد أن أصبحت سلفا مكانا طارداً لكل سوداني ، و تبقى الساقية لسه مدورة لهذا الشعب التعيس ولهذا الوطن الأتعس .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.