بسم الله الرحمن الرحيم

إن إبن آدم لمحب لهذه الحياة ، لهوف بها ، مكب برعونة و شغف في ملذاتها ، حريص على أهلها من ذوي القربى و الأصدقاء ، لا يلقى لها بالا أو يرعى لها أدبا أو فهما أو علما حتي تتقطع الأسباب به يوما عند حدث الموت .
وعند الموت تُترَكُ بعض المقاعد خالية ، و تَفقِدُ كثير من المجالس رونقها ، و يمتلئ الفؤاد تحسرا و حزنا على ما فات من أحباب و أصحاب ، و يعلم المرء ما معنى الوجود في هذه الدنيا ؟ و ربما ما معنى الرحيل عنها ؟ ( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا ) .
في هذه الأيام تمر الذكرى السنوية الأولى على وفاة جدتي الأستاذة عزة الريح العيدروس المعلمة و عميدة مدارس الفلاح في حي العرضة بأم درمان ، و أبنة المعلم و العالم الفلكي الأول في السودان و ربما عربيا د. الريح العيدروس .
لم أستطع أن أنعيها أو أرثيها طيلة شهور السنة الماضية لما وجدت في ذلك من مشقة و عناء .
كنت كلما أمسكت بالقلم لأكتب عنها كلمات ينهمر الدمع السخين إنهمارا في مجاري الخد حزنا على فقدها ، فأكف عن هذا و أعود لحال سبيلي .
جاءني خبر رحيلها في مساء اليوم الثاني من شهر رمضان الماضي و أنا في زيارة عابرة للعاصمة القطرية الدوحة ، فكان هول الصدمة قاسيا علي ، قمت سريعا بعدها بحجز أول طائرة متجه للخرطوم .
في غد اليوم الثاني عند الساعة الثالثة ظهرا كنت أجلس بصحبة أختي الكبرى الخنساء داخل صالة المغادرة بمطار الدوحة في أنتظار قدوم موعد رحلة الخرطوم ، ممسكا في يدي اليمنى بكتاب القرآن الكريم و بيدي اليسرى جهاز الهاتف السيار الخاص بي .
جلست أقرأ و أقلب كل الأيات القرآنية التي رثى الله عز و جل فيها الخليقة و الكون طراً بحرقة و وجع ، وكانت كأنها تقع على ناظري للمرة الأولى في حياتي ...
ففي سورة المؤمنون ( ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ .
وفي سورة الأنبياء نظرت الى الأية ( و ما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون ) ، وفي سورة الرحمن ( كل من عليها فان و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الأكرام ) ، و في سورة الزمر ( إنك ميت و إنهم ميتون ) .
وعند الأية ( إنك ميت و إنهم ميتون ) تذكرت فجأة فبراير من العام 1996 م حيث الأيام الأخيرة لوفاة جدي بدوي مصطفي وهو طريح الفراش في مشفى دار الشفاء بالخرطوم في فبراير من العام 1996 م . زرته في إحدى الأيام مع أمي رباب ، و كانت جدتي عزة الريح زوجه في أستقبالناعند البوابة بوجه يمتلئ صبرا و جلدا و أحتسابا ، ثم أخذتنا مباشرة نحو الغرفة التي يستلقي فيها .
عبرنا البوابة و كنت وقتها أحمل في يدي كتاب ( موت دنيا ) للمحجوب و د.عبدالحليم محمد ، أشتريته في نفس اليوم من مكتبات البوستة أم درمان و ظللت مكبا أقرأ فيه طيلة المسافة ما بين بيتنا و المستشفى .
لا أذكر جيدا لماذا كنت محتارا بادي الأضطراب عندما أكملت قراءة جزء كبير من الكتاب ثم عندما دخلت المشفى طويت الكتاب عند آخر صفحة وصلت إليها و منها رأيت منظر جدي مستلقي في سريره يصارع أوجاع المرض و صرعاته ، وهو الذي عاش أيام تتغنى بها الأجيال في دوائر مؤتمر الخريجين مع رفيقاه المحجوب و د.عبدالحليم محمد حتى حققوا لنا أستقلالا أبيضا كصحن الصيني لا فيه شق ولا فيه طق كما قالها الزعيم الخالد إسماعيل الأزهري .
كان أمرا مؤلما و قاسيا لي ساعتها وأنا آراه على هذه الصورة و بجواره جدتي التي بدت متماسكة أمامي بصعوبة حتى لا تشعرني بسوء حالة جدي الصحية ، قبلته في جبهته ، ثم تنحيت بعيدا نحو ركن قصي من الغرفة جلست فيه منشغلا بمعاودة القراءة في كتاب ( موت دنيا ) أحاول أن أعيش في سيرة و دنيا جدي و رفاقه ، و تركت أمي تنخرط مع جدتي في حوارات طويلة بصوت خافت عن تطور حالة جدي الصحية .
بعد نصف ساعة دخل علينا الغرفة جمع من الأطباء و الممرضين يتقدمهم رجل متقدم السن شائب الرأس يلبس بدلة بيضاء كاملة ظهرلي في هيئته كصورة اللوردات الأنجليز الأرستقراط .
تقدم نحو جدتي و سلم عليها سلاما خاصا وكأنهما يعرفان بعضهما البعض منذ أمد بعيد و هي ترد عليه التحية بأعتزاز و حرارة !
أهلا بالمرأة الأمة !
مرحب بيك يا دكتور
كيف هو حال صديقي اليوم ؟
الحمدالله يا دكتور في خير و نعمة .
سأل بعدها الأطباء عن تطور حالته الصحية فقدموا له تقرير طبي مفصل ، دخلوا بعدها في نقاش قصير أشتركت فيه الممرضات .
بدى لي أو تخيل لي أنه شخص مهم للغاية ، كبير أخصائيين أو مدير هذا المشفى كله ، هذا ماشعرت به بسبب أرتباك و حزم و أهتمام الطاقم الطبي المصاحب له بكل كلمة كان يوجهها لهم .
بعد ما أنهى هذا الدكتور كلامه معهم أتجه الى سرير جدي بدوي و جلس بجواره ثم أمسك بيده و حياه قائلا :
كيف صحتك اليوم يا شيخ بدوي ؟
رد عليه جدي بضغطة خفيفة على يده دون أن ينبس بأي كلمة أشارة منه أنه بخير و أنه سعيد لرؤيته .
ظل هذا الدكتور يمسك بيد جدي و هو ينظر أليه مليا دون أن يتكلم ،
ينظر أليه و كأنه كان يسترجع شريطا طويلا من الأحداث و الذكريات . بعدها بدأت تنزل من خده دموع غزيرة حاول جاهدا أن يكتمها وأن لا يظهرها ، ألا أنه يبدو أن نفسه لم تقاوم أنهيارها أمام مشهد جدي الذي بدى جاثيا على السرير أمامه دون أي حركة .
في تلك اللحظة وجدت جدي تنهار مع هذا الدكتور و تشاركه البكاء وأمي رباب تحاول وسط هذا الحزن مداركة المشهد التراجيدي ، وأنا في وسطهم شعرت بأمر جلل قد حان آوانه لجدي فأشتركت معهم في البكاء .
تناول الدكتور من جيب بدلته منديلا مسح به دموعه ثم وقف متجها و موجها كلامه لطاقمه الطبي المرافق :
طبعا أنتم جيل اليوم قد لا تعرفون هذا الشخص المريض الذي يرقد أمامكم و هذه الزوجة العظيمة التي تمارضه .... وهذا أختصر لكما الكلام هذان الزوجان هما السودان في أجمل صوره !
كان مشهدا عجيبا لن أنساه طيلة حياتي ، وكانت المفاجأة الكبيرة لي عندما سألت جدتي عزة و أمي رباب عن هوية هذا الدكتور أو هذا الشخص الذي كان أميرا لكل هذا المشهد التراجيدي الحزين .....
فقالت لي جدتي ( ما عرفته يا تمون ) و تمون هو اللقب الذي كانت تناديني به والذي لم أعرف معناه حتى يوم رحيلها !

لا لم أعرفه يا أمي عزة ولا أظن أنني رأيته قبل هذا اليوم ؟ !
ردت علي :
هو صاحب الكتاب الذي تقرأه و تحمله في يدك منذ أن خرجت من البيت و حضرت إلينا في المشفى ، الزول ده هو د.عبدالحليم محمد .

فأنحدرت من مقلتاي دون أن أشعر بعد كلامها دمعة كبيرة شعرت فيها أنني أعيش لحظتها بالفعل موت دنيا .
موت دنيا الوطن الذي مزقت وفتكت بأوصاله الحرب شرقا و غربا و جنوبا ، و طمرت العقوبات الأقتصادية المؤلمة و العزلة الخارجية أقتصاده .
موت دنيا الوطن الذي تمثل لي في صورة جدي المستلقي أمامي طريح الفراش عليلا بعد سنوات و سنوات من العطاء والبذل الوطني قضاها بجلد و صبر من أجل تحقيق حلم الأستقلال مع زملاءه في مؤتمر الخريجين ، و جدتي عزة التي جلست بجواره وقد لزمت الصبر تمارضه و تحاول أن تخفف عنه أوجاع السقم .
موت دنيا و أنا أشعر بيد أختي التي أعاداتي للواقع و أخرجتني من هذا المشهد الماضي ، وهي تجلس بجواري تقرأ القرآن ، لتنبهني بأن النداء الأخير لركاب رحلة الخطوط الجوية القطرية المتجه للخرطوم قد حان ، وأننا نعيش موت دنيا جديدة لنتقبل فيها العزاء على روح جدتي عزة ، فأسرعت معها بأتجاه البوابة حتى ألحق بالطائرة .
بعد نصف ساعة من الزمان حلقت بنا الطائرة في الأجواء و أخذت أتذكر كيف كانت جدتي عزة بعد رحيل جدي من الحياة تحدثني عن جيل الحركة الوطنية في كل سنة تمر فيها علينا مناسبة الأستقلال عبر الصور العديدة التي جمعتها لجدي بزملاءه في نادي الخريجين و وضعتها في صالون البيت .
.... وصلنا الخرطوم
و في سراديق العزاء و بين زحام الناس وجدت أستاذة نفيسة المليك رفيقة عمرها و دربها الأخضر ، تأتي إلينا من سرير المرض وهي التي لم تخرج من بيتها لسنوات مضت .
وجدتها تخطب في الناس و تنعي لهم أمراة من الزمن الجميل ، وهي تقول .....
أجتمعنا أنا و عزة هنا في حي الملازمين العريق على حسن الجوار و محبة الناس ، و على عشق مدينة أم درمان ، و على حب هذه الأوطان ، وقد أدمنا سويا المواصلة و الكفاح من أجل قضية نشر العلم ومحاربة الجهل تحت مظلة التعليم الأهلي للبنات .
جلست أنظر إليها وهي تواصل الكلام و لاتنقطع عنه بصوت منخفض و مبحوح وفي وجهها علامات الحزن و الحرقة و هي تعدد لمن تجلس بجنبهم مآثرها ، أفضالها و خصالها ، أرتباطها القوي بوطنها و بمدينتها أم درمان التي عاشت و ترعرعت فيها من المهد الى اللحد ، و برحلة كفاحها في مدارسها الأهلية ( الفلاح ) التي كانت الحضن الدافئ لكل الفقراء و المساكين يدرسون فيها و يحاربون عبرها الجهل و الفقر و الأمية .
لم يكن هذا المشهد فجائيا لي و أنا أرى أمي نفيسة المليك تتقدم الناس و تطيل و تسهب في ذكر صديقتها كأنما كانت تنعي للحضور نفسها حتى أشفق الناس عليها من شدة لوعتها .
وفي ركن قصي آخر وجدت عددا من الدراميين و الشعراء و قدامي موظفي الأذاعة و التلفزيون يتوسطهم شاعرنا الكبير التجاني حاج موسى ، يتكلمون و يتبادلون عبارات المواساة و الحزن لفقدها فتذكرت سريعا مشاهد متقطعة من ذكريات مضت كانت فيها جدتي الفضل في تحبيبي للمسرح و الفن و الأبداع بكل أصنافه .
كان البيت الكبير يقع بمحاذاة شارع الأذاعة و التلفزيون بين مسرحين ، مسرح العرائس أم درمان و المسرح القومي العتيق .
أذكر جيدا أن مسرح العرائس كان نشطا في تقديم عروضه للأطفال في فترة الثمانينات حتى توقف تماما في آوائل التسعينات لسوء الأهمال و عدم أكتراث المعنيين بأمر الثقافة به .
جدتي عزة التي كنا نناديها ( أمي) كانت ترافقنا لأي عرض ينظم فيه ، نتناول طعام الغداء معها ونتحرك عصرا بعد ذلك نحو المسرح لحضور العرض الذي كان يبدأ في المعتاد حوالي الساعة الخامسة مساءً .
كانت أمي عزة مؤمنة حتى النخاع بقيمة هذا الفن الشعبي التعبيري كوسيلة مثالية لنقل تراثنا الشعبي السوداني للأطفال و تعميق أرتباطهم به ، وكوسيلة تربوية يتم فيها صقل مواهب الأطفال و تسهيل الطريق لهم لفتح كل أبواب المعرفة و محاربة كل المظاهر السلبية و العادات الضارة المترسخة في مجتمعنا عبر أرسال الحصص و البرامج التعليمية التي تعنى بذلك .
كانت تحرص أيضا على مرافقتنا الى المسرح القومي و كثيرا ما كانت تعشق مسرحيات الأستاذ الفاضل سعيد و فرقة الأصدقاء المسرحية ، وكنا من فرط حبنا للمسرح ندخل المسرحية الواحدة معها سبع و ثمان و أحيانا عشرة مرات .
أذكر جيدا كيف كانت تعد لنا شاي المغرب ثم تحرص على الوقوف مع بناتها لتحضيرنا و أرتداء أجمل الملابس للخروج معها للعرض ثم ولعددنا الكبير و قرب المسرح من البيت كانت تقودنا سيرا على الأقدام كفرقة حسب الله نتقدمها و هي من خلفنا ننشد معها بعض الأغاني يتوسط ذلك زعيقها و صياحها أذا ما أبتعد أحدنا عن المجموعة .
وعندما نصل للمسرح يقف بائع التذاكر تحية لها مرحبا ....
أهلا يا أستاذة عزة ...
و لأنها كانت تحمل دائما تذاكر أكرامية من أدارة المسرح كان يدخل معها كالمعتاد بائع التذاكر في مساومات بغرض تحديد أعداد التذاكر المقطوعة ، و يرجوها أن تقطع تذكرتين أو ثلاثة لأن عدد أحفادها كبير ، فتنهره بشكل طريف ( قووول ما شاء الله يا زول داير تسحر لي أولادي ، فينتهي بهما الفصل الأخير من النقاش بأنتصارها و أقناع البائع بأننا في عرض الأمس قطعنا ثلاث تذاكر ، فندخل مجانا .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////