بسم الله الرحمن الرحيم

المشهد الأول

منزلنا - غرفة الأستقبال – الصالة :

أخذت أقلب في أدراج مكتبتي بالمنزل أبحث عن كل القصص التي أبتاعها لي والدي أو تلك التي قدر لي أن أقتنيها بنفسي .
كانت قصصا كثيرة منها ما يتناول السيرة النبوية وسيرة صحابة الرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامه ، ومنها ما يخص روائع الأدب الأنجليزي ، والبعض من تلك القصص ذات طابع أسطوري كقصص ( الجميلة و الأقزام السبعة ) و ( السندريلا ) و( أليس في بلاد العجائب ) وهنالك أيضا أعداد كبيرة من مجلات الأطفال المختلفة كمجلة ماجد و سمير .
أحترت في إتخاذ القرار و أختيار النص المسرحي المناسب من بين كل ما كان أمامي .
يجب أن يكون النص معدا إعدادا جيدا يناسب بالطبع أغراضي الخاصة برغبة الأنتقام .
فمثلا يلزم أن يكرس هذا النص لفكرة أدوار البطولة الجماعية للممثلين منذ البداية فتنتفي بذلك فكرة البطل الواحد و البطلة الواحدة التي تبحث عنها ديمة بشدة .
ويجب أيضا أن أجد أدوارا في ظاهرها الرحمة وفي باطنها العذاب حتى أضمن مشاركتهما بقوة وعدم أعتراضهما ، ثم أقوم في الأخير بأذلالهما وكسر شوكتهما الى الأبد .
يجب أن تكون هذه المسرحية ذكري بشعة و مؤلمة و حزينة لهما أبد الدهر .
كان أخي الصغير أسامة أثناء حيرتي يجلس بجواري في غرفة الأستقبال يشاهد مسرحية للأطفال .
رأيته مندمجا فيها لدرجة أنه رفع صوت التلفاز عدة مرات أثناء تقليبي لصفحات أحدى القصص بالمكتبة .
نبهته لخفض صوت التلفاز ، ولكنه كان مندمجا فلم يعرني أهتمامه ثم صرخت في وجهه بقوة ليطفئ هذا التلفاز لأنه يزعجني ويعيقني عن التركيز و يزيد أيضا من درجة توتري .
لم ينتبه لصراخي بعد كل هذا وهو في غمرة تفاعله وأندماجه مع المسرحية ، فقمت من أمامه وأغلقت التلفاز وأمرته بالخروج من الصالة .
بكى أسامة وذهب سريعا لوالدتي يشتكيها ، وعندما جائت أمي لتستعلم مني الأمر ، شرحت لها أنني مطالب في غضون أسبوع واحد فقط لتسليم نص مسرحي سوف نقوم بتمثيله في حفل ختام العام الدراسي ،و إلى الأن لم أوفق في إيجاد هذا النص .
نظرت إلي أمي بحدة وغضب وقالت لي ساخرة :
أمن أجل هذا حرمت أسامة من متابعة وتكملة المسرحية ، أف لك من ولد أناني ، أذهب وأجلس في غرفتك الخاصة وأبحث فيها كما شئت عن النص الذي تريده وأترك أسامة يكمل المسرحية .
أمسكت أمي بيد أخي وأجلسته في المقعد وفتحت له التلفاز ثم نبهته بالقول : إن أزعجك أحمد مرة أخرى لاتتردد و تعال و أخبرني سريعا يا أسامة .
أبتسم أسامة من أنتصار أمي له ، فتوقف عن البكاء وأخذ يكمل المشاهدة ، أما أنا فأحبطت جدا من فشلي حتى الآن في أيجاد قصة لتكون نصا مسرحيا مناسبا لخطتي .
تخيرت أخيرا الجلوس مع أخي أسامة ومشاهدة هذه المسرحية علها تخفف عني اثقال التوتر و التشويش الذي ملأ رأسي و عطل كل ملكات تفكيري .
بدأت أشاهد فيها وبعد فترة ليست بالطويلة أندمجت في أحداثها ورأيت فيها قائدا يقوم بغزوات ، وعندما يدخل أي بلد يأسر ملكها الحاكم و يسبي زوجته و يذلهما هما وأتباعهما من الوزراء و الحشم ، ثم ينتقل لبلد آخر ويمارس فيها نفس التنكيل و التعذيب حتى دانت له السلطة و السلطان على كثير من البلاد شرقا و غربا .
كان أسم هذا القائد تيمورلنك ، هو أعرج القدمين ، وأخذت أضحك كثيرا من قبح شكله و دمامة بشرته ومن غلظته وشدته التي ذكرتني لحظتها صديقي بالفصل عدي العراقي .
هو أيضا مثله فظ اللسان و شديد القوة و صحيح البدن يهابه الجميع في الفصل والمدرسة لقوة شكيمته وشدة بأسه وميله الدائم للعنف في كل شيء يريده أو يطلبه .
ثم ماذا ؟
يا الله يا أحمد ....... !
لماذا لا تكون قصة هذا القائد تيمورلنك هي ضالتي التي أبحث عنها منذ ثلاثة أيام وأنا أسهر فيها الليالي في قراءة الكثير من القصص المتنوعة ، ولم اجد في الأخير أي نص مسرحي يناسب تطلعاتي الأنتقامية ؟
لماذا لا يكون صديقي عدي هو تيمورلنك وتكون يارا زوجته ، وأكون أنا بجواره وزيره ومستشاره الأول و يكون حسام ملكا لدولة أغار عليها و أسقطها تيمورلنك و ديمة زوجته ؟
لم لا ، نعم لما لا !!؟

*******************

المشهد الثاني : غرفة الموسيقى و المسرح بالمدرسة

دخلت على غرفة الموسيقى و المسرح فوجدت صديقتي يارا و صديقي تامر و معهما مجموعة من الأولاد و البنات من الفصل يقومون بتمرينات العزف أستعدادا لليوم الختامي لتخريجنا .
وعلى عكس الروح المضطربة و المتكدرة التي كنت أعيش عليها هذه الأيام ، كانت النشوة و الفرحة تملأ قلوبهم و تذيدهم حماسة للأقبال على التدريبات بعنفوان و قوة .
منذ أن رأوني تركوا كل شيء وجاءوا بلهفة يسألونني عن أخبار النص المسرحي المطلوب مني ، و عن أدوار كل واحد منهم التي سوف يقدمونها في المسرحية المرتقبة .
قلت لهم وجدت الفكرة ولكني لم أبدأ في كتابة السناريو ، فحاولوا بكل السبل التوسل لي و أستدراجي لمعرفة فحوى الفكرة لكنني رفضت و تملصت منهم بطريقة مهذبة تعذرا بأتفافي المسبق مع أستاذة سلمى بأنها سوف تكون أول من يعرض عليها النص المسرحي .
عادوا أدراجهم نحو البيانو و أمسكت يارا بيدي تدعوني للأنضمام لهم في تدريباتهم للغناء ، ثم رأيت فجأة يد تامر تأخذها هي و لينا بعيدا عني وعن المجموعة بعد أن أستأذني تامر في ذلك .
ظل الثلاثة يتكلمون مع بعضهم البعض بهمس لدقائق معدودات ثم جاءوا جميعا و تحلقوا حولي في شكل دائرة ومعهم البقية وقالوا لي بفرحة و أبتسامة عريضة تعلو وجوهم :
أحمد أنت خزلتنا جميعا و نحن أصدقاءك المقربين في إعلامنا بالنص المسرحي الذي سوف نقدمه جميعا كمسرحية ، لذلك نحن نرجوك جميعا أن لا تخزلنا جميعا في هذا الطلب !
نظرت إليهم بدهشة ، ثم قلت لهم بروح أخوية و أنا مبتسم :
لا أعدكم ولكني أتمنى أن يكون طلبكم في متناول أستطاعتي .
ضحك تامر وقال لي : هو والله كذلك يا أحمد .
قلت لهم : أذن على الرحب و السعة يا أصدقائي ، ما هو الطلب ؟
نظروا لبعضهم طويلا ثم قالت لي يارا :
نحن نعلم كراهيتك للعزف و الموسيقى لكنك أول الفصل و الحائز على جائزة المدرسة للموسيقى ، وأحببنا أن تعزف لنا مقطوعة موسيقية نغني معها في هذه الأجواء الجملية و المرحة ، وحقيقة مللنا من عزف لينا .
نظرت لينا ليارا بغضب حيث أن تعليق يارا الأخير لم يعجبها ، و كانت لينا صاحبة الدرجة الثانية بعدي في مادة الموسيقى ، فقلت لها مخففا حدة كلام يارا ضاحكا :
يارا لا تقصد ذلك حرفيا يا لينا ، فأنا شخصيا أحب سماع عزفك هي فقط تريد أستثارتي بطريقتها العبثية من أجل تلبية طلبها ، سوف أعزف لكم شرطا أن تشاركني العزف لينا لأنها الوحيدة التي تمنحني القدرة بعشقها المجنون للموسيقى تحمل ما لا أطيق .
كان حديثهم حول كراهيتي للموسيقى الى حد كبير صحيح ، ولكنه غير دقيق و الأصح من كل ذلك أنني لم أستذق كثيرا أو ربما مللت من اللونيات الشرقية التي علمتني أياها أ.سلمى وأتقنتها لخلوها من أي لحن يحمل أو يشابه لون الموسيقى في بلدي .
كما أنني في الأخير وضعت أتقاني للموسيقى و العزف في المدرسة وسيلة فقط للتفرد و التميز على أقراني لا أكثر من ذلك .
ومنذ حادثة ديمة و وصفها لي بالأسود أمام الجميع كرهت كل شيء وظللت أسيرا لفكرة الأنتقام ولا شيء غيرها .
جلست أنا و لينا أمام البيانو و سألتهم ماذا تحبون سماع أي مقطوعة ؟
صاحوا جميعا وكأنهم كانوا سابقا على أتفاق :
أغنية الست فيروز نسم علينا الهوى يا أحمد نحن نحب طريقة عزفك المميزة لها !
سخرت من أختيارهم ونظرت إليهم بأشفاق و لكني حاولت أنا لا أبدي أمتعاضي من رغبتهم ، وبدأت العزف مجبرا و بدأوا معي الغناء وهم متشابكي الأيادي ، ثم رأيت دموع يارا تنهمر أنهمارا كلما جاءت كلمة بلادي على الألسن و الشفاه ....

نسم علينا الهوا من مفرق الوادي
يا هوا ، دخل الهوا ، خدني على بلادي
***********************
يا هوا يا هوا يللي طاير بالهوا
في منتورة طاقة وصورة
خدني لعندن يا هوا
*********************
فزعانة يا قلبي
أكبر بها الغربة
ما تعرفني بلادي
خدني على بلادي
لم أستطع أمام لوحة دموع يارا الصادقة وتشابك أيادي أصدقائي ألا أن أبتسم و أعزف لهم بأخلاص و حب ، ليس تفاعلا أمام هذا المشهد العاطفي النبيل ولكن أحتراما له ، فقد حولت ديمة قلبي حجرا و جعلت لمعنى الصداقة في عقلي قيمة صفرية ، فذهني مشغول فقط هذه الأيام بهدف واحد لا غير ..... الأنتقام .

***************************


المشهد الثالث : غرفة المكتبة بمنزلنا

بدأت أبحث عن كامل قصة هذه الشخصية الدموية التاريخية فوجدتها في أحدى مكتبات المدينة ، فجمعت معلومات غزيرة عنها ثم بدأت أنسقها في شكل نص مسرحي لتقديمه لأستاذة سلمى بعد أختصاري للكثير من أحداث حياته و غزواته العديدة .
"تيمورلنك" هو فاتح مغولى مسلم شيعى ينتمى إلى الأسر النبيلة فى بلاد ما وراء النهر وهو أحد أعظم الفاتحين فى التاريخ وأشدهم قسوة .
ولد في مدينة كش في جنوب سمرقند في عام 736 للهجرة و كلمة ( تيمور) تعني في اللغة التركية الحديد اما ( لنك ) فتعني الاعرج لذلك يسمى تيمورلنك اي تيمور الاعرج .
وفى سنة 1361 عين خان المغول "خوجة إلياس" حاكماً على بلاد ما وراء النهر، وعين "تيمور" مستشاراً له، ولكنه لم يكن قد نضج بعد لممارسة فن الحكم، فتشاجر مع سائر موظفى "خوجة إلياس"، وأجبر على الهروب من (سمرقند) إلى الصحراء ، وجمع هناك حوله عدداً من المحاربين الشبان، وضم عصبته إلى عصبة أخيه الأمير "حسين" الذى كان فى مثل ظروفه .
تجولوا من مكمن إلى مكمن، حتى تحجرت أجسامهم ونفوسهم بسبب الأخطار والتشرد والفقر، وما أن اشتد عود الأخوين حتى أعلنا الحرب على "خوجة إلياس" وخلعاه وذبحاه وأصبحا حاكمين فى (سمرقند) .
وبعد ذلك بخمس سنوات تآمر "تيمورلنك" على ذبح أخاه الأمير "حسين"، وأصبح السلطان الوحيد وإتخذ من (سمرقند) عاصمة له .
و منذ ذلك الحين و تيمورلنك يغزو و يغير على عدة بلاد يأسر الحاكم و يذله و يسبي زوجته و يعيث فسادا في المدن قتلا في الأنفس و سفكا للدماء .
قام "تيمورلنك" بنهب وتدمير مدينة دمشق وإحراق كل شئ فيها ، وخرب واستباح مدينة حلب ثلاثة أيام وقد دمر كافة المساجد والمدارس التى بناها صلاح الدين ، وكانت أهرام الجماجم التى أقامها تضم عشرين ألفاً من رءوس ضحاياه .
بلغ ذروة بطشه فى (أصفهان) ، حيث إنقض "تيمورلنك" بجيشه على المدينة وأمر كل فرد فى جيشه أن يأتيه برأس واحد من الفرس .
ولكنه قضى نحبه فى (أتار) على الحدود الشمالية من مملكته وكتب و وصف احد المؤرخين المرافقين له و هو( ابن عربشاه ) آخر لحظات حياته بالقول :
و مع ان تيمورلنك كان في مأمن من البرد و لكنه أحس ببروده كالصقيع داخل جسمه فامر بأن يمزجوا له الاشربة المدفئة و الادوية المنشطة ، و لكنها لم تنفعه بشئ و قبع في فراشه لا يسأل و لايعلم بأمور جيشه و دولته شيئا .
ثم جمع الاطباء و أخبرهم بعلته فقاموا هؤلاء و في أشد أيام الشتاء بروده بوضع الثلج على بطنه و خاصرته ، و هو على هذه الحال لثلاثة ايام كان فيها يتقيأ دماً من فمه و يتلوى من شدة الالم و يطلب المساعده من جميع من حوله ، و لكن هيهات ان ينقذه احد من مصيره الاسود و جاء النداء الموت لهذه النفس الخبيثه .

بدأت أفكر وأقلب خياراتي أمام هذا النص الغزير و أرسم ملامح خطتي التي سوف تشفي غليلي و ترد لي شيئا من كرامتي .
أين يمكن أن أضع ديمة و حسام ؟
وأين أضع يارا و عدي و تامر ؟
وما هو أمثل حوار يمكن من خلاله أن أفرغ كل طاقات كرهي و بركان غضبي في كلا الأثنين ؟
بدأت أكتب ملاحظاتي في ورقة سرية أحاول فيها مخاطبة نفسي و تدوين أفكاري :
عدي العراقي : أفضل من يقوم بدور تيمورلنك هذا القائد السفاح الشرير ، فهو أصلا من محبي ثقافة التطرف والعنف بالمدرسة ، و سوف يسعد كثيرا بهذا الدور و بكونه أيضا سيكون بطلا للمسرحية ولن تهمه بعد ذلك النهاية البشعة للشخصية .
أنا : يمكن لي مثلا أن أكون في دور وزيره ومستشاره الأول الذي يخطط له أمر الفتوحات والغزوات .
تامر : سيكون رئيس الحرس الخاص القائد تيمورلنك .
حسام : سيناسبه دور ملك دمشق .
و ديمة : ملكة حلب
تيمورلنك سوف يغزو دمشق و حلب و يستبيح أعراض كل أهلها ويعيث فيهما فسادا ، وسوف يأسر تامر بأمر من عدي حسام ويقوم بتعذيبه ، وسوف تأسر ديمة أيضا بعد سقوط حلب ويتم أخضاعها لتكون خادمة لزوجة القائد تيمورلنك .
يارا : سوف أعطيها دور زوجة القائد تيمورلنك و وريثته في العرش من بعد مماته ، وأما صديقات ديمة المتغطرسات فهن وصيفات أو جواري يعملن لدى (يارا ) زوجة الملك القائد تيمرولنك وستنضم أليهن ديمة بعد زوال ملكها وسلطانها على مدينة حلب ، وأما الجنود فسيكونون من بقية زملائي بالفصل .
وراثة عرش تيمورلنك من قبل زوجته وأبناءه من بعده ، هذا تعديل سيكون لطيفا يناسب ويجمع مابين فكرتي النهاية السعيدة والقبيحة للمسرحية في آن واحد .
السعيدة للملكة زوجة تيمرولنك والقبيحة لهذا القائد الدموي .
وسوف أقوم بالتنسيق مع عدي وأصدقائي ليكون مشهد أستباحة دمشق و حلب من أكبر المشاهد بالمسرحية وأكثرها عنفا ، وسوف أترك مساحة عريضة للحظة أسر ملك دمشق (حسام ) وملكة حلب ( ديمة) وضربهما وأذلالهما أمام شعبهما من قبل القائد تيمورلنك وجنوده وسوف يسعد عدي و تامر كثيرا لذلك .
كذلك أيضا مشهد وفاة القائد بالبرد و تولية يارا للعرش من بعده يجب أن تعد بشكل جيد و مثير بحيث تنفجر معه ديمة غيظا من هذه النهاية السعيدة التي سوف يجعل فيها الوزير ( وهو أنا ) الأمر من بعد وفاة القائد تيمورلنك (عدي) للملكة زوجته (يارا ) ، وينصبها زعيمة لكل البلاد والعباد الذين دانوا لحكم تيمورلنك بعد فتوحاته العديدة الممتدة شرقا وغربا ، وتصبح في الأخير ملكة حلب ( ديمة ) بعد أسرها أحدى جواري زوجة القائد تيمورلنك (يارا) .
هكذا قضي الأمر يا أحمد ويبقى الطريق سالكا وممهدا لتنفيذ مخطط الأنتقام .
فقط تبقت مهمة صغيرة و أخيرة وهي أقناع وتمرير هذا النص على أستاذة سلمي من أجل أعتماده للتمثيل حتى نتجه بعدها سريعا نحو التنفيذ .

المشهد الرابع : أجتماعي مع أ.سلمي في مكتبها بمسرح المدرسة

أمتزج شعوران متناقضان لدى أ.سلمى وهي تقرأ نص سيرة القائد السفاح تيمورلنك الذي قمت بتعديله وأضافة القليل من اللمحات الأخراجية له حتى يتناسب شكلا كمسرحية .
أخذت أقرأ لها النص في البداية بطريقة شاعرية كانت من خلالها صامتة تراقبني و تتأمل كل كلماتي ، ثم بعد أكمالي لحديثي حملت الأوراق عني وبدأت تقرأها بنفسها عدة مرات بصمت ، تقلب نظرها بين الصفحات الكرة تلو الأخرى ، ثم تنظر ألي بشيء من الأعجاب وكثير من الحيرة ،ثم قالت لي :
تعرف يا أحمد .... أنني محتارة في الرد عليك ؟
لماذا يا أ.سلمى ؟
القصة فريدة من نوعها ، وأختيارك لهذه الشخصية التاريخية تميز فريد لا ولن يسبقك عليه أحد في سنك وهذا ما يجعلني أكثر أعجابا بفطنتك و حدسك و توسع مواعين ثقافتك التي لا تتناسب قطعا مع صغر عمرك ، ولكن !
ولكن ماذا يا أ.سلمى ؟
ألا ترى أن النص يحمل الكثير من مشاهد العنف والهمجية والبربرية التي لانود أبدا أن ننقلها للأولاد حتى لا يعجبوا أبدا بهذه الشخصية الدموية ؟
أبتسمت من هذا السؤال لأنني كنت سلفا قد توقعته وأعددت نفسي للأجابة عليه ، فكان ردي لها سريعا ، حمل قدرا من الدهاء :
نعم يا أ.سلمى كلامك حقيقة صحيح ، ولكنه ‘يحمل على ظاهر النص عند قراءته منذ الوهلة الأولى ، ولكن باطن النص يمتلئ بالكثير من العبر والقيم التربوية التي ننشدها معا لتوصيلها للطلاب .
تعجبت وأبتسمت أ.سلمى من ردي وقالت لي :
هات ماعندك يا سيد فلسفة ، ماهي العبر والقيم والمعاني التربوية التي يحملها هذا النص الذي كتبته !!؟
قلت لها بثقة :
أظنك لم تددقي جيدا في بعض جوانب النص يا أ.سلمى ، أقرأي مثلا معي هذه العبارة ، وتأملي وصف النهاية القبيحة التي أختطها المؤرخ (أبن عبرشاه) حينما كان مرافقا لتيمورلنك وحضر معه لحظات لفظه لأنفاسه الأخيرة حينما قال :
( ثم جمع تيمورلنك الاطباء و أخبرهم بعلته فقاموا هؤلاء و في أشد أيام الشتاء بروده بوضع الثلج على بطنه و خاصرته ، و هو على هذه الحال لثلاثة ايام كان فيها يتقيأ دماً من فمه و يتلوى من شدة الالم و يطلب المساعده من جميع من حوله ، و لكن هيهات أن ينقذه أحد من مصيره الاسود ، و جاء النداء في الأخير ياأيتها النفس الخبيثه هيا الى نار جهنم لتحشري مع بقية الارواح المجرمة و القذرة ) .
أظن أنه وبعد هذا النهاية المعبرة يا أ.سلمى سوف يعي الجميع أن دولة الشر التي تقوم على الفساد وأنتهاك حقوق الناس وظلمهم وسلب حريتهم وأستعبادهم ونهب ثرواتهم و فرض السلطان عليهم بالعنف والقوة كتلك الدولة التي أسسها القائد تيمورلنك لن تقوم لها قائمة أبدا وإن تطاول زمانها وحتما ستكون نهايتها ونهاية صاحبها كنهاية هذا القائد السفاح بشعة و رديئة ..... مرض يصيبه و ضياع كامل لسلطته وحكمه وحشر يوم القيامة في نار جهنم والعياذ بالله .
أبتسمت أ.سلمى بعد كلامي أبتسامة عريضة كانت فيها مشدوهة ، فأبدت بعدها كامل أقتناعها بجودة وقابلية النص ليمثل في أحتفال اليوم الختامي للمدرسة ، ثم سألتني بفضول :
هل ساعدك أي شخص في أستقراء هذه الأفكار ؟
قلت لها بخجل : لا ولكني دائما أراجع أي مشروع أخطط له مع والدي ، وقد قرأ النص فأعجب به وأشار لي ببعض التعديلات .
أبتسمت ولم تجهد نفسها كثيرا بعدها في مناقشتي في أدوار الممثلين الذين وقع عليهم أختياري ، بل أنها أبدت أعجابا كبيرا لفكرة أن يمثل دور تيمورلنك طالبها المشاغب والعنيف عدي العراقي ، وأن تكون يارا الطالبة المهذبة زوجته والملكة المتوجة في الأخير من بعد وفاته .
كنت بهذه الخطوة وهي إجازة النص من أ.سلمى قد أكملت تقريبا كامل حلقات المخطط الأنتقامي ألا قطفات قليلة يبقى تنسيقها مع زملائي وأصدقائي في تمرينات العمل ، خصوصا أؤلئك الذين سيقع عليهم تمثيل دور جنود تيمورلنك الذين سيعتقلون حسام و ديمة ، أو ملك دمشق وملكة حلب .
ففي هذا الأعتقال كانت هناك قصص ومشاهد أخرى أتشوق بشدة لرؤيتها و التمتع بها .


المشهد الخامس : البروفات

أعلنت أ.سلمى الأسماء و أدوار الممثلين و وزعت النص للجميع و بدأت أستمتع بردود أفعال ضحاياي .
أصيبت ديمة يومها بصدمة ولوثة نفسية أصابتها بالأغماء و أفقدتها تركيزها وجعلتها في حالة ذهول و أنكسار و تعجب لا حدود له .
الغريب هنا أن صديقات ديمة فرحن كثيرا بهذه الضربة القاصمة والقاضية لديمة ، ونزل عليهن أختياري لدور ديمه لتكون ملكة مستذلة و وصيفة وجارية ( ليارا ) بردا وسلاما .
يبدو لي أنهن كانوا مكبوتات منذ أمد طويل بسطوتها عليهن وتفاخرها ليل نهار المتواصل بمقتنياتها الفاخرة التي يشتريها لها والدها من أفخم وأغلى المحلات أمامهن دون أن تراعي في ذلك مشاعرهن .
أما نديدي حسام ولأنه كان يتوقع الأسوأ فلم يلقى بالا كثيرا لفكرة التفاعل والقيام برد فعل ما ردا على أختياره كملك أسير عند تيمورلنك ، وربما حمد الله كثيرا أن تيمورلنك الذي سوف يغير على ممكلته ويأسره لن يكون في الأخير أنا عدوه اللدود شخصي .
كان على حسام و ديمة أن يمتثلا لهذه الأدوار التي خصصت لهما وقد شددت أ.سلمى على ذلك ، ورفضت كل توسلات ديمة لتغيير دورها في المسرحية بدور يارا .
والمقزز في الأمر هنا أن ديمة أستغلت قوة بطشها ودناءة نفسها و شدة تأثيرها على يارا الطيبة المسالمة وأقنعتها بأن يتبادلا الأدوار رغم عدم قناعة الأخيرة بذلك .
غير أن يارا تعرف ديمة جيدا وتعرف أيضا حبها الأعمى للظهور في ثوب البطلة وأنها لن يهدأ لها بال حتى تحقق لها كل رغباتها ، فكانت تفضل دائما تحاشي الصدام معها وتلبية ما تمليه عليها أتقاءا لشرها فوافقت تحت ضغط ديمة عليها أن تتنازل أمام أ.سلمى عن دورها لديمة .
تنازلت يارا ولم تتنازل أ.سلمى عن القائمة التي أعلنتها وعوضا عن ذلك وبخت ديمة أمام الكل و وصفتها بالأنانية وطالبتها بالأمتثال لأوامرها مثل باقي زملائها بالفصل ، فخابت بذلك كل محاولاتها لتغيير هذه الكارثة التي أوقعتها فيها .
حنقت علي ديمة حنقا كبيرا وكانت طوال اليوم الدراسي ترمقني ذهابا وأيابا بنظرات غاضبة ملتهبة عبرت بوضوح فيها عن شعورها الداخلي الممتلئ كرها وغيظا علي لما قمت به معها .
سارت البروفات كما أريد .
كانت ديمة وحسام ينالا يوميا قسطا مقدرا من السب و الذل والأساءات و الضرب و الأهانات ، خصوصا أن أ.سلمى كانت تشدد أن تكون المشاهد التمثيلية أقرب للواقع بقدر الممكن .
هذا المصري الحقير كان يهان ويستذل أثناء البروفات كل يوم وقد أعددت العدة لذلك جيدا مع أصدقائي ليقوموا بهذا العمل بأحترافية وليكون أيضا مشهد أعتقاله في غاية السوء والعنف والقوة لحظة أعتلائنا المسرح .
صديقي ( تامر ) بوصفه رئيس الحرس الخاص كان أول من يدخل عليه في غرفة حكمه وصالة أستقباله للأعيان و يحاوره للأستسلام ويرفض حسام حسب سيناريو الحوار الذي أعددته له قائلا : أنا ملك دمشق وعموم الشام لن أستسلم حتى الموت!!؟
بعدها يقوم تامر بصفعه كفا بشكل رقيق أمام أ.سلمى و قوي ومؤلم في حالة غيابها .
بعدها يأتي دور صديقي الآخر (هشام ) الذي سوف يحمله بقوة ثم يسقطه أرضا أمام زوجته الملكة بلقيس و التي خططت أن تقوم بدورها رنا (وهي احدى صديقات ديمة المتعجرفات كانت تصفني أيضا بالأسود) والتي ستتوسل لرئيس الحرس ( هشام ) أن يعفو عنه ويرحمه ويكرم أعتقاله كملك .
سيكون رد ( هشام ) لها قاسيا فيه سيل من الشتائم والأساءات التي سوف تتعدى حسام لشخصها ، وقد أعددت لذلك مقطعا مذلا أصف فيه كما تبدو رنا حقيقة على أرض الواقع كل سوءاتها .....
( أيتها المرأة القصيرة القبيحة الرقطاء ذات الوجه المنفر والنمش و الحبوب المتناثرة .... الخ ) .
أما ( ديمة ) فبوصفها ملكة حلب فكانت أيضا تنال نصيبها من الذل والسب يوميا ، ولها مقاطع أعددتها جيدا لها لحظة أعتقالها فيها سيل من الشتائم والأساءات .
أما الضربة القاصمة كانت في مشهد نهايتها كوصيفة وجارية في قصر القائد تيمورلنك و زوجته الأمير ( يارا) حينما تلبس ملابس الخدم و تقوم بتنظيف المكان و غسل الملابس و العناية بأطفال الملكة يارا .
كانت ديمة يوميا بعد الأنتهاء من البروفة تنزوي في أحدى أركان المسرح وتبكي بحرقة و ضيق .
وكانت يارا وصديقاتها يحاولن بكل السبل أخراجها من هذه الحالة النفسية السيئة التي بدأت تتلبسها و دخلت فيها .
كنت أتلذذ بهذه المشاهد خصوصا و أنا أسمعها تردد لهن في كل لحظة و ساعة هذه العبارة :
( كيف لي أن أتحمل يوميا خطابا يصفني بالخادمة العوراء النتنة ؟ وكيف لي أن أخرج على أبي و أمي بدور جارية و خادمة القصر ؟ كيف ذلك ؟ ولماذا ؟ كيف كيف ؟ ) .
كانت يارا تجتهد كثيرا في التخفيف عنها و تعاجلها بالرد قائلة :
أن كل هذا الذي نقوم به يا ديمة مجرد تمثيل ولايعبر عن واقع حقيقي يا صديقتي لماذا لا تحاولي أن تفهمي ذلك ؟
لكن ديمة حالما تصمت قليلا تحاول فيها تقبل رجاءات يارا وصديقاتها وتنزع عن نفسها رداء الحزن ، ألا أنها تأتي في اليوم التالي وبعد البروفة ليتجدد معها نفس الشعور بالدونية والعبودية التي أدخلها فيها هذا الدور المسرحي التافه الذي وضعته لها أنا السوداني الأسود قبيح الطلعة كما كانت تصفني ، فتتجدد معها نوبات البكاء والعويل خلف الكواليس في نهاية اليوم .
أنكسرت السندريلا وهزل جسدها وكانت عيناها دوما محمرة من كثرة البكاء وجهها شديد الشحوب ، وبدأت تفضل في معظم الأوقات وعلى غير عادتها العزلة وعدم الأختلاط مع أي أحد .
حتى يارا صديقتها المقربة بدأت تتحاشى الكلام معها لأنها صارت كلما حاولت التقرب منها بغية التخفيف عنها تسيئ أليها وتصفها بأسوأ و أقذع الألفاظ ، وتأمرها أن تبتعد عنها لتجلس مع هذا السوداني الأسود القذر و القبيح الذي منحها دور الملكة .
أما حسام فقد كان هو الآخر في حالة يرثى لها ، ينال يوميا ضربا بالكفوف و رميا مبرحا على الأرض من قبل عدي و تامر كما كان أتفاقي و ترتيبي معهما .
تركته ديمة لحالها و تركها هو لحاله ، وأصيبت علاقتهما بشرخ كبير بدى واضحا للعيان .
كان حسام يفضل أن لا يشعرنني بأن شيئا ما قد تغير خلال باقي أيامنا الدراسية ، و أصبح في فسحات الفطور وبدلا عن التحلق وسط ديمة وصديقاتها فيرفع من عقيرة صوته بالتنكيت وسرد القصص الفكاهية السخيفة كما كان في السابق ، أصبح الآن يشغل نفسه كثيرا أو يتظاهر بالأنشغال بالدرس وحل الواجبات اليومية حتى يتحاشى هو الآخر الأختلاط بالآخرين .
تركه معظم أصدقاءه ونفروا عنه وأصبح عدي العراقي يعايره في كل يوم بوصف الأسير والخادم كما جعله كذلك النص المسرحي ، و إن غضب حسام أو حاول أن يرد الأساءة بالأساءة ينتظره عدي خارج المدرسة ليوسعه ضربا عقابا لرده عليه و محاولته صد الهجوم اليومي عن نفسه .
أصدقكم القول أنني أكتفيت تماما و أرويت غليلي مما أنتهى أليه حال الأثنين قبل حتى يوم المسرح المنتظر .
لقد نجحت في رد كرامتي و في قلب كل الموزاين و القوانين التي سطرها هذا الأثنان لشكل العلاقات الأجتماعية بالفصل .
ماعاد هذا المصري زعيما وماعادت هذه اللبنانية المتعجرفة السندريلا أو الملكة التي تتأمر و تسخط وتشخط في الآخريات وهذا أعظم ماكنت أرنو له .
أصبحت أنا أول الدفعة ، والزعيم الذي صار الجميع يبجله ويسدون له كل مظاهر التعظيم والأحترام بعد أن كسر أنفة و غرور الفرعون و السندريلا ، وصارا بين ليلة و ضحاها مثار سخرية وشفقة الجميع .
لقد علمتني هذه الحادثة أن النجاح يمكن أن يكون مثاليا أخلاقيا كحالة التفوق في الدرس و طلب العلم ، ويمكن أن يكون له وجه آخر غير مثالي وغير اخلاقي كمثل ما قمت به من أغتيال معنوي لشخصية حسام و ديمة و أشعارهما بالدونية و العبودية و التي كانت سلاحهما السابق ضدي .

مرافئ الختام :

جاءت إلي ديمة و معها يارا ، ثم حسام و معه تامر يطلبان مني الصلح و التسامح بفكرة أننا سوف نفترق نهائيا بعد حفل المدرسة الختامي ، فرفضت لكلاهما قبول العفو ، فقد كنت أنتظر بفارغ الصبر يوم عرض المسرحية الذي سوف يكون لهما عظة و عبرة و كابوسا مؤلما مدى الحياة .
جلست معي يارا بعد البروفات بعد أن فشلوا في عقد المصالحة بعد أنتهاء اليوم الدراسي وقالت لي :
( تغيرت كثيرا يا أحمد ، لم تعد مثاليا و طيبا و حنينا كما عهدناك ) .
رنت عبارتها في أذني كصليل الأجراس، وجلست صامتا بجوارها لدقائق كانت تنتظر مني فيها أجابة شافية لكلامها .
قلت لها : أنا نفسي لم أعد أعرف نفسي يا يارا ، فلقد فقدت منذ مدة المعنى الحقيقي للتسامح و الفرح .
شعرت أنها تاهت بين كلماتي فتظاهرت بفهم ما أقصد ثم عاجلتني بسؤال : ألم تكتفي بعد بما فعلته بديمة و حسام ؟ ألم يكن الأفضل لك ولنا جميعا أن نفترق كأصدقاء !
قلت لها : لا و ألف لا ، هما يستحقان تماما ما يجري لهما نظير ما قاما به معي و معك ومع الآخرين .
صمتت يارا لثواني ثم نهضت مني وقالت لي : بعد غد اليوم الختامي ويوم عرض المسرحية .
قلت لها بمرح : هو يومك يا ملكة ، هو يوم تتويجك بفستان الأميرات و جلوسك على العرش و ديمة ستكون خادمتك .
أبتسمت بتحفظ وقالت لي : فليغفر الله لنا ، فقد جاريناك دون علم منا في كل ما خططت له .
قلت لها بسخرية : سيغفر الله لنا أن شاء الله ، وبالمناسبة غدا اليوم الختامي في البروفات سوف أشتري تورتة و بيتزا و سوف نحتفل بنجاح المسرحية قبل عرضها .
أبتسمت لي دون أن تعلق و أفترقنا بعد ذلك .
وفي اليوم التالي وهو اليوم الأخير للبروفات قررت أن ألبس أفخر الثياب عندي بدلا عن الزي المدرسي ، و جلبت معي كمية كبيرة من الحلوى و الشوكلاتة و البيتزا و تورتة كبيرة لمجموعة العمل بالمسرحية .
تحلقنا جميعا حول الطاولات و كنت أعزف لهم أنا و لينا أغنية طيري طيري يا عصفورة التي يحبوها و أخذنا نغني سوية بحماسة :

طيري طيري يا عصفورة .. انا متلك حلوة صغيورة
بركض فوق حفاف الزهر..حجر عا ميات النهر
وبخبى بشعرى بشورة
بيتك يا عصفورة وين .. ما بشوفك غير بتطيرى
ما عندك غير جناحين .. حاكينا كلمة صغيرة
ولو سألونا منقلون..ماحاكيتنا العصفورة
طيرى ..طيرى.. طيرى ..طيرى
طيرى ..طيـــــرى ..
يا عصفووورة
فجأة وأثناء ما كنا نرقص وقعت يارا مغشيا عليها ، فقمنا أنا و تامر و حسام و أ.سلمى سريعا بحملها لوحدة أسعاف المدرسة التي أوصت سريعا بنقلها لأقرب مستشفى لأن درجة حرارتها كانت مرتفعة للغاية .
في المستشفى وبعد أجراء الفحوصات الطبية كانت وصية الطبيب لها بالراحة الكاملة لمدة أسبوع كامل لأصابتها بنزلة حادة و حالة أرهاق شديدة .
ذهبنا جميعا من المستشفى الى منزلها بعد ذلك بصحبة أ.سلمى فوجدت هناك مربية فصلنا أ.عائشة ومعها بقية زملائي و زميلاتي بالفصل في أنتظارنا تتقدمهم السندريلا ديمة .
ظلت يارا تنظر ألي بصمت طوال فترة أنتقالنا معها من العيادة الطبية بالمدرسة الى المستشفى ثم الى منزلها ، و كان يبدو على وجهها بالفعل علامات الأرهاق الشديد بفعل المرض ، وفي عيونها ملامح واضحة من الألم والحزن و الأنكسار .
كانت تحاول جاهدة كتمان مشاعرها عن الآخرين بسبب ما آل أليه حالها الصحي الآني ، وماسوف يترتب عليه من حرمانها من المشاركة معنا في المسرحية كملكة وبطلة .
في غرفتها تبادلنا أنا و ديمة نظرات طويلة و عميقة و قاسية .
كانت ملامحها باردة أمام مشهد سقوط يارا ، تظاهرت في البداية بالقلق عليها ثم ذرفت دموع التماسيح عندما رجعت من المستشفى ، و بعدها ظلت ترمقني بنظرات بدت لي من دون أي عنوان ، و كأنها كانت تحاول أن تبعث لي برسائل معينة عن قادم الساعات .
وكان أصعب مشهد في تلك اللحظات عندما كنت أنا آخر من يصافح يارا من الزائرين .
حينها لم تتمالك نفسها وأمسكت يدي بشدة و بكت بكاءا حارا وقالت لي ( سامحني يا أحمد سامحني أرجوك ، لقد خذلني مرضي وجسدي ولكني لم أكن لأخزلك أنا ) !
أندهشت أمها و أختها ولم يعرفا مغزى كلامها الذي وجهته لي ، وقمت أنا بالتخفيف عليها والتربيت على يدها مقللا من شأن الأمر رغم أنني كنت أنا الآخر في حالة نفسية أسوأ مما هي عليها ، جعلتني بعد الخروج من المنزل تنحدر مني الدموع قهرا و ألما لهذه القدر المفاجئ الذي سوف يبعثر كل الحسابات .
لم تنتهي سلسلة المفاجأت والأحباطات عند هذا الحد ، ففي أثناء خروجنا من منزل يارا جاءني حسام و همس في أذني قائلا :
ألم تفتقد صديقك عدي يا أحمد ؟
نظرت أليه بدهشة وقد لاحظت فعلا أن عدي قد أختفى من ناظري منذ أن كان بجواري يحتفل و يغني معنا بمسرح المدرسة .
أكمل حسام كلامه دون أن ينتظر إجابة مني :
يقال أن صديقك البغل وفي ظروف غامضة وقع على الأرض وتم نقله لوحدة الأسعاف أيضا فوجدوا أنه يعاني من حالة تسمم حادة نتيجة لتناوله لطعام فاسد ! ثم أخذ يضحك بطريقة مقززة .
كنت بعد سماع خبر عدي في حالة أشبه بحالة المغشي عليه من وقع توالي الضربات القوية عليه من كل جانب ، فأصبت بففقدان كامل لقدرتي على التفكير والتركيز وسرعة رد الفعل .
بعد عودتنا من منزل يارا عقدت أ.سلمى أجتماع عاجل معنا وفقا لهذه التطورات التي فقدنا فيها في آخر يوم أهم عنصران بالمسرحية عدي و يارا .
سألت المجموعة بقاعة المسرح بعد أن أعلنت عدم مشاركة عدي و يارا عن من يمكن أن يحل و يقوم بلعب دورهما غدا في المسرحية .

وقبل أن أحاول طرح أي أسمين سريعا لم أستفق مما أنا فيه ألا وأنا أمام مشهد حسام و ديمة يتقدمان الصفوف معا وهما متماسكان يدا بيد ويعلنان أمام الملأ و لأستاذة سلمى قدرتهما بل وأجادتهما لعب دوري عدي و يارا .
سألتهما أ.سلمى : هل تحفظان النص جيدا ؟

فأجاباها وهما ينظران ألي بتشفي و سخرية : نعم يا أ.سلمى وبأمكانك أختبارنا الآن إن أردت التأكد من ذلك .


النهاية

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.