Mohamed Adam [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

أحتفل السـودان في بداية العام الحالي بعيد إستقلاله الرابع والخمسين. واليوم التاسع من يناير 2010 تحل الذكرى الخامسة لتوقيع إتفاقية نيفاشا بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان، والقاضية بإنهاء الحرب القذرة في جنوب الوطن. أفضت هذه الإتفاقية إلى شراكة تقاسم السلطة في البلاد، وكان ينتظر منها جلب المواطنة الحقة المتساوية، وإزدهار الدولة لتكون نموذجا للفيدرالية المثالية في القارة الأفريقية، لكنها أعطت الإقليم الجنوبي حق تقرير المصير ونيل إستقلاله بالإنفصال الطوعي عن الدولة السودانية. المواطن يقف مكتوف الأيدي، وسماء السودان مغطاة بالسحب الحاجبة للرؤيا، ولا يعرف هل يبكي المناسبة، و يزرف دمعه للواقع الأليم المنتظر لبلده، المؤدي الى قصم ظهره، ويجعل من مستقبله أشلاءا متناثرة. يحتاج هذا الامر البالغ الخطورة، مواجهة جريئة مع أنفسنا ومع مجتمعنا، وهي مواجهة حوارية نتحدث فيها بصراحة عن نقاط ضعفنا، وعن العادات والمفاهيم التي أضحت عائقا حقيقيا في طريق أي تقدم منشود، أي التراجع للوراء(العودة لمربع الحرب). أن الصعوبات القائمة في مجتمعنا، تحتاج دراسته إلى التركيز على المعوقات التي تبقيه على حاله دون تغير إلى الأفضل. تقضي هذه المشكلة الى مشاركة فعالة من كل الجهات خارج إطار الدولة وداخله كي تساهم كل الفئات والشرائح في أيجاد الحلول، وهو منطق التعاون والإنفتاح على الآخرين، وهو لا ينفصل عن الفكر الديمقراطي بل يتقاطع معه في مواقعه العديدة.

إن إمتلاك الفكر الديمقراطي يعزز الفكر والعمل المؤسساتي، فإلى إي مدى نحن ديمقراطيون، وما هي الدلائل على وجود الديمقراطية أو عدمها؟  هل هي في حق الإنتخاب أم في حرية التعبير أم في حرية النشر أم في غيرها من الحريات والحقوق؟ أن هذه الحقوق كلها ليست الديمقراطية، بل هي ممارسات الديمقراطية ونتائج لها، وهي تنبني جميعها على فكر ديمقراطي يستند على أساس قبول الرأي الآخر. في النظام الديمقراطي يتقدم المرشحون ببرامجهم الإنتخابية ويطرحونها على الشعب، وتتم محاسبتهم حين إنتهاء فترتهم البرلمانية، وهم بدورهم يحاسبون الرئيس المنتخب من قبلهم وقبل الشعب. أما المرشحون في بلادنا، لا يستطيعون محاسبة السلطة الحاكمة، لأنهم هم أنفسهم لا يحاسبون، بل ينتظر كل واحد منهم رضاء الحاكم حتى يعاد إنتخابه. فمن الذي يحاسب من؟

يرتكز الوضع القائم اليوم في السودان على أنفاق حفرت عبر التاريخ لتباعد الهوة بين أبناءه، بل  وتجعل منه دولا عدة. الإشتباكات بين أطرافه، سياسية أم كانت حربية، أوضحُ من أن تحتاج إلى شرح، لكن المؤكد أن مستقبله كدولة يغوص عميقا في نفق مظلم  مخرجه غير واضح. وربما كان من الحكمة توقع مخارج عدة بينها الإنفصال أو تقطيع هذه الدولة الغنية بمواردها وبطبيعة شعبها الى دول عديدة تفصل بينها  خنادق من العداوة المفتوحة.

لقد دأب رجال السياسة قبل إستقلال السودان وحتى اليوم الإنفراد بالرأي والموقف وإتخاذ القرار دون الإستعانة بخبراء المعرفة. نعم تم فرض أيدلوجية الخضوع والإذعان والهيمنة على الشعب السوداني. أن خبراء المعرفة في هذا البلد كثير العطاء ليسوا بالندرة، ولكن لا لزوم لهم في جميع الأحوال، إلا القلة من النخبة  التي لا تتمرد وتستلزم رأيها للحكام. نعم يحتكر الساسة الرأي دون تأسيس الرأي على معرفة، لذا تأتي المواقف عشوائية متقلبة وخاصة في القضايا المصيرية للبلاد ، وتتحول الدولة بذلك إلى ما يعرف بالدولة الرخوة.

يكتنف الغموض والضبابية العلاقة القائمة بين شريكي إتفـاقية نيفاشـا الثنائيـة، المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان، خاصة فيما يتعلق بحل خلافاتهما ونزع فتيل البارود قبل إنفجاره. ويتهم الكثيرون الطرفين بإمتلاك " إتفاقية سرية " في خزائن الكتمان،  يرجعان إليها في اللحظات الأخيرة لطي الخلافات، شريطة أن يسبق ذلك الترويض الكامل للشارع السوداني(المناظرة التلفزيونية التي جرت بين القيادي في المؤتمر الوطني وزير الدولة للإعلام والأمين العام للحركة الشعبي يظهر وجود هذه الفرضية، بتأكيد الطرفان إمتلاكهما دائما إمكانية حل النزاع).

شهدت البلاد خلال شهري نوفمبر وديسمبر من العام المنصرم مسرحيات " الكر والفر " بين  شريكي الحكم في المركز وجنوب الوطن، أقطابها إجازة قوانين: الإستفتاء، الأمن الوطني، المشورة الشعبية لإقليمي النيل الأزرق وجنوب كردفان، أبيي، والنقابات. وبلغت التمثيليات قمة الدقة ببراعة الحركة الشعبية في إستخدامها للمعارضة الشمالية(تحالف جوبا) مطية سهلة لتحقيق أهدافها، بإنزالها للشارع  العام وإجبار المؤتمر الوطني بالموافقة على تعديل القوانين وإجازتها في البرلمان المعين حسب ما  خططت له.

كان الراحل جون قرنق يصبو إل سودان غير الذي يسعى إليه أبنائه(يتحملون الواقع القائم في الجنوب خاصة ومع شريكهم في السودان عامة)، وشائت الأقدار أن تقبر معه أمنيته. أصبح شبح الإنفصال يخيم بظلاله في سماء البلاد، ويؤكد هذا الحدث الخطير المحزن التصريحات والمناشدات الداخلية والدولية، خاصة التصريحات الأخيرة لوزيرة الخارجية الأمريكية مع نظيريها النرويجي والبريطاني بمناسبة مرور خمسة أعوام على توقيع إتفاقية نيفاشا الثنائية. يضاف لذلك التأكيد من كبير مساعدي رئيس الجمهورية(من إقليم دارفور ويجلس دون أعباء في القصر الجمهوري، ولم يوفي له المؤتر الوطني بالوعود المتفق عليها)، بقوله: الإنفصال قد وقع وينتظر التنفيذ. بل جاء التأكيد القاطع بحدوث الواقع المؤلم بتفجير القنبلة الموقوتة من قبل القيادي بالمؤتمر الوطني ومسؤول ملف أبيي: يجب أن يكون " إنفصالاً سلساً وسلمياً " ولا يستدعي العودة لمربع الحرب مرة أخرى. يقود هذا الحيث الى الوراء البعيد وتحديداً الى مخاطبة النائب بنجامين لوكي للحاكم العام بتريخ 16 نوفمبر 1954 : إذا تعذرت الفيدرالية فلا مناص أن ينفصل الجنوب عن الشمال بالطريقة التي إنفصلت بها باكستان عن الهند.

يتحمل الحزب الحاكم في المركز، المؤتمر الوطني  المسؤولية الكبرى لما يجري الآن في السودان بحدوده القائمة(غياب الوفاق الوطني والتسوية، وهيمنة القرار الأحادي). ويتهم هذا الحزب بالنكوص عن الإتفاقيات التي وقعتها مع الإقليم الجنوبي، دارفور، والشرق. وأنتهز هذه الفرصة للرد على ما تلقيته من رسائل إلكترونية: أتشرف بإنتمائي إلى جيل الحادبين بالمحافظة على وحدة تراب الوطن، والذين أوصلوا المعلومة للرأي العام وأصحاب القرار، بل أستمر على هذا المنوال. الوقت قصير، وعقارب الساعة تشير إلى الوصول والدخول في النفق المظلم لبلادي بفتح باب الصوملة، ولكن التفاؤل حلم يتحقق لمسيرة سلام عادل ووطن يسود فيه حق المساواة لكل أبنائه ويحفظ  وحدته، إذا أراد أصحاب القرار في المركز تفهم هذا،والقبرُ ينتظرنا جميعاً، والتاريخ لا يرحم من لا يرحم.

نقلا عن الصحافة