Mohamed Adam [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

تتمتع الدولة الالمانية في عالمنا المعاصر بنفوذ سياسية وإقتصادية واسعة، وغدت أقوى إقتصاد في القارة الاوربية والرائدة في الإتحاد الأُوربي، ولها اكبر إحتياطي نقدي في المنطقة، كما انها تدور في حلقة الدول الصناعية-الغنية الأربعة الكبرى في العالم. تبلغ مساحة الجمهورية الالمانية 357114 كم، ويقطنها  82,375 مليون نسمة، منهم 8,1 % من السكان الاجانب، حيث يشكل الاتراك الغالبية العظمى. يصل الناتج الإجمالي لدخل الفرد فيها مبلغ 36810 دولارا سنويا. الأزمة المالية العالمية المعاصرة أدت لتراجعها دوليا من مركز القيادة للصادرات الدولية، مما فسح المجال للصين لإحتلال هذا الموقع، وتبوأُت المرتبة الثانية.

أدت إعادة توحيد الدولتين الالمانيتين في 03.10.1990 الى ضم  دولة المانيا الديمقراطية الى المانيا الفيدرالية، لتصبح الدولة الفيدرالية مكونة من 16 ولاية، لكل منها برلمانها وحكومتها وقوانينها الخاصة، ويمنح الدستور الفيدرالي الحكومة الإتحادية في العاصمة برلين السلطات العليا للإشراف وإدارة دفة حكم البلاد. يعتبر البرلمان الفيدرالي الالماني(البوندستاج) مصدر السلسطات التشريعية، الذي ينتخب المستشار(المستشارة) صاحب القرار السياسي الاول، والذي يخضع مع حكومته بالمسؤولية المباشرة التامة امامه. يمثل رئيس الجمهورية السلطة الرمزية البروتوكولية للدولة.

يضم البوندستاج الحالي والذي ينتهي دورته  في 27.09.2009 الاحزاب السياسية التالية: الإتحاد الديمقراطي المسيحي مع شقيقتة الإجتماعي المسيحي، الإشتراكي الديمقراطي، الليبرالي، الخضر، حزب اليسار. ويحكم المانيا تحالفا من الإتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الإشتراكي الديمقراطي تحت قيادة المستشارة أنجيلا ميركل، والتي تسعى عند نهاية الفترة البرلمانية خلال الشهر الجاري الى إنهاء التحالف القائم، والذهاب نحو تحالف جديد مع الحزب الليبرالي، بينما يحبذ الحزب الإشتراكي إستمرارية الشراكة، أو الجنوح الى شراكة اخرى مفتوحة دون حزب اليساروالمرفوض أيضا بقوة من الإتحاد المسيحي.

مساء الأحد الموافق 30.08.2009 هبت رياح عاصفة، خلطت أوراق السياسة للأحزاب الالمانية الممثلة في البوندستاج، مما اضطرتهم  الى إعادة النظر في الشعارات المطروحة للحملات الإنتخابية، والتفكيرمن جديد في شركاء الحكم للفترة  البرلمانية المقبلة. لقد ظلت مراكز إستطلاعات الرأي تتنبأُ بحتمية التحالف المسيحي-الليبرالي في الإنتخابات القادمة، داعمة بذالك أُمنية المستشارة ميركل. لقد أتت نتائج الإنتخابات الولائية مساء هذا اليوم عكس ما كان يتوقع، بل بصدمة للإتحاد المسيحي، ومنيت بخسارة فادحة بفقدان أغلبيتها المطلقة الحاكمة في ولايتي السار وتورينغن. وأبدى المحللون السياسيون رأيا يذهب الى أن فرضية المستشارة وحزبها للتحالف مع الحزب الليبرالي ، تقوم على أرضية هشة، ويتجه المواطن الالماني صوب إستمرارية التحالف القائم مع الإشتراكي الديمقراطي.

 لقد خسر الإتحاد الديمقراطي المسيحي 13% في ولاية تورينغن و11،8% في السار، بينما الرابح الاكبر في هذه الإنتخابات هو حزب اليسار، الذي حصل على 21،3% من اصوات الناخبين في ولاية السار، أي بزيادة مقدارها 19% مقارنة بالإنتخابات السابقة قبل اربعة أعوام، وهو حدث فريد من نوعه في تاريخ الديمقراطية الحزبية الالمانية. حصل هذا الحزب ايضا على المركز الثاني في  ولايتي تورينغن بمعدل 27.4% ، وولاية ساكسن 20،6%، ويحوز على متوسط إجمالي  بنسبة 20% في الولايات التي كانت تمثل دولة المانيا الشرقية سابقا،ويجلس في جميع مجالسها التشريعية، كما يشارك في حكم العاصمة برلين بتحالف مع الحزب الإشتراكي اليمقراطي. لقد ولد هذا الحزب من رحم الحزب الحاكم السابق في جمهورية المانيا الديمقراطية المنحلة، وحمل في البداية إسم حزب الإشتراكية اليمقراطية. جوبهه الحزب ولا يزال يجابه بحملات شرسة من الاحزاب الالمانية التقليدية، محمليين لها أخطاء النظام الإشتراكي السابق.

كسب حزب اليسار شخصيات سياسية مرموقة من غرب المانيا، يأتي في طليعتهم اوسكار لافونتين (أصبح رئيسا للحزب)، الذي تبوأ في السابق مناصبا مهمة في تاريخ المانيا، منها رئاسة الحزب الإشتراكي الديمقراطي  (حزب المستشارالراحل فيلي براندت والمستشار السابق جيرهارد شرويدر)، ووزارة المالية الإتحادية، إضافة الى رئاسة حكومة ولاية السار.يستقطب حزب اليسار في غرب المانيا ناخبين من جميع الاحزاب التقليدية وبصفة خاصة من الشباب المعروفين بجبهة الرفض. كما يجلس الحزب هناك في برلماني ولاية ساكسن السفلى وولاية هسن، التي شهدت جدالا سياسيا عنيفا، عند محاولة الحزب الإشتراكي الديمقراطي حكم الولاية بالتحالف مع الخضر وبمساندة نواب حزب اليسار، حيث لم تفلح المحاولة بتمرد وقع داخل الحزب الإشتراكي.

أظهرت أيضا نتائج الإنتخابات المحلية لبلديات اكبر ولاية سكانية في المانيا نورد راين فست فالن، ان حزب اليسار يثبت قدميه على ارضية  ليست بالهشة، حيث حصل الحزب على نسبة 4،4% من الاصوات مقارنة  برقم 1،4% قبل اربعة أعوام، مما حدا برئيسة الحزب الإشتراكي اليمقراطي في الولاية، ان تعلن قبولها للتحالف مع حزب اليسار على المستوى الولائي والبلديات مع رفضها التحالف على المستوى الفيدرالي! ويرى المحللون السياسيون أن هذه أشارة واضحة لمرحلة تحالف آخر.

 نتائج الإنتخابت الولائية في تورينغن والسار، يؤهل حزب اليسار المشاركة في الحكم باالتحالف مع الحزب الإشتراكي الديمقراطي، بل يمكنه من تسمية مرشحه لمنصب رئيس وزراء في الاخير. لكن القيادة المركزية للحزب الإشتراكي في برلين، يستخدم الفيتو ضد التحالف مع حزب اليسار، ويوجه الرفاق هناك للعمل المشترك مع الحزب المسيحي الخاسر للإنتخابات. أما في ولاية السار، وبالرغم من معارضة القيادة العليا في برلين، يسعى الحزب في الولاية للتحالف مع حزب اليسار والخضر لتأليف الحكومة، لان الحظ يقوده لرئاسة الوزارة. لكن حزب الخضر اعلن عدم الرغبة في السير نحو دست الحكم مع حزب اليسار، ويفضل إرجاء التفاوض في  امرتشكيل حكومة الولاية الى ما بعد الإنتخاب الفيدرالية للبوندستاج!

 يتوقع المراقبون السياسيون ، ان هذا السجال الدائر الرافض لحزب اليسار لا يمكن ان يظل، بل ان المرحلة المقبلة آتية لطي هذا السجل، والجميع يترقب بلهفة نتائج المحادثات الجارية لتشكيل الحكومة في كل من الساربروكن وايرفورت. الموقف العسير يتحمله الحزب الإشتراكي الديمقراطي، والذي عليه الإستفادة من ما جرى في مقاطعة هسن، وخسارتها المؤلمة لإنتخاباتها الولائية نتيجة التمرد وعدم الإلتزام الحزبي. كما ترى مراكز البحث السياسي وتتنبأُ، ان عام 2013 يأتي برياح سفينة يقودها الإشتراكيون، الخضر واليسار لتحكم شراكة أول مرة الدولة الالمانية. بل يتوقعون أيضا حدوث مفاجآت تهز الخارطة الحزبية الالمانية ليلة 27.09.2009 لفصل خريف هذا العام .