اختلف علماء الإقتصاد والسياسة حول الأسباب التي ادت الى بروز الأزمة المالية المعاصرة، منهم من يرجعها الى أحداث 11 سبتمبر التاريخية، والبعض يربطها بغزو افغانستان وإنهاء حكم طالبان وفتح الجبهة الدموية النازفة في الجبال التي هزمت الإمبراطورية البريطانية السابقة والدولة العظمى السوفيتية المنحلة، وآخرون يلصقونها بإحتلال العراق وإنهاء حكم صدام حسين والبعث والآثار الدموية والمادية الباهظة الناتجة عنها، والتي استنزفت المدخرات الأمريكية وادخلتها في فلك المديونية العالمية، وجعلت من الصين اكبر دائن لها. اما القسم الأخير فيجزم تحميل الأزمة على المرسوم الموقع من الرئيس الامريكي السابق بيل كلنتون (بالإتفاق مع رئيس احتياطه النقدي جرين إسبان) والقاضي برفع القيود الائتمانية للإقتراض المصرفي، وترك العنان لبيوتات المال والشركات العملاقة للعمل دون رقابة رسمية والدخول في مضاربات عقارية فاقت قدرة السوق الإستيعابية، وكذلك الإستثمار الممزوج بالإستهتار، ادت جميعها الى فقدان الأصول لقيمتها مع عدم المقدرة على سداد الديون وبالتالي الى الإفلاس (إستمرت إدارة الرئيس السابق جورج بوش الإبن على نفس النهج). ومن أمثلة نتائج هذه السياسات، ان عمارة شاهقة تتكون من 40 طابقا في موقع إستراتيجي وسط مدينة نيويورك وبالقرب من مركز روكفلر الشهير، بعد ان كانت قيمتها المقدرة قبل 3 أعوام تتجاوز مبلغ 500 مليون دولار، انخفضت قيمتها في مزاد علني غداة نهاية ديسمبر عام 2008 الى مبلغ 100 ألف دولار فقط.

يقدر مجلس الوحدة الإقتصادية العربية حجم الإستثمارات العربية وعلى رأسها الخليجية في الخارج بمبلغ يتجاوز 2.4 ترليون دولار (2400 مليار دولار)، جلها موظفة خارج الإقتصاد الحقيقي، أي في قطاع الخدمات المتمثلة في المضاربات العقارية، الشركات التجارية، المشاريع السياحية، أسهم وسندات الدين لبيوتات المال العالمية. علما ان المبالغ المستثمرة لدول الخليج العربي في كافة الدول العربية لا تصل مبلغ 10 مليارد دولار، وهي اقل من 1% لإجمالي إستثماراتها الخارجية مقارنة بإستثمارات الصين في الدول العربية ما يفوق مبلغ 30 مليارد دولار (الإستثمارات الخليجية في الدول العربية قائمة على الإنتاج لمتطلباتها الغذائية الخاصة ولا تراعي ظروف الحياة القاسية لهذه الدول). ويلاحظ ان الصين اصبحت اكبر دولة في العالم لها رصيد إحتياطي يتجاوز مبلغ 2000 مليارد دولار، والأهم انها تقوم بتوظيف إستثماراتها الخارجية في الإقتصاد الحقيقي المتمثل في الأصول الثابتة وسندات الدين لخزانة الحكومة الأمريكية، وتحرص قبل الذهاب بفائض اموالها للخارج على حل مشاكلها الإقتصادية-الإجتماعية في الداخل.

  مع حلول الأزمة المالية المعاصرة، قامت الصين بشراء الاصول الكاملة لصناعة سيارات همر الامريكية من شركة كرايسلر، وتبذل الآن قصارى جهدها لشراء الاصول الكاملة لشركة اوبل الالمانية. والجدير ذكره ان الصين غير مستعدة لتقديم شيكات على بياض لدول العالم الرأسمالي الكبرى، بل لها شروطها القاسية في الإستثمار.

أظهرت إحدى دراسات مجلس الوحدة الإقتصادية العربية، ان مجمل البلاد العربية تحتاج من اجل إقامة بنية تحتية جاذبة للإستثمار الى مبلغ لا يتجاوز 100 مليارد دولار، يضاف إليه مبلغ 90 مليارد دولار لإنشاء شبكة إتصالات لتصل مصاف ارقى الشبكات العالمية ومبلغ 50 مليارد دولار فقط لكي تحل مشاكل المياه والكهرباء.

 

في خضم الأزمة المالية المعاصرة وضياع الأموال العربية الخليجية هدرا، طرح احد كبار المفكرين العرب ووزير سابق حزمة من الاسئلة موجهة الى اصحاب القرار في الدول الخليجية طالبا منهم الإجابة (أسئلة تحتاج الى إجابة). نعم يسأل عن حجم ضخامة الاموال السيادية العربية المطلوب ضخها الآن في الماكينة الإقتصادية العالمية لتجاوز ازمتها؟ الى اي قبلة تتجه مستقبلا هذه الثروة العربية؟ هل تتجه هذه الإستثمارات نحو ارض العرب والمسلمين بدلا من إستخدامها في تحريك عجلة الإقتصاد في بلاد اليسر والغنى؟ ومتى يمتلك العرب حق سيادة إتخاذ القرار لوحدهم؟

 

في الرد على اسئلة د. فخرو كانت هناك إجابة مسبقة لهنري كسنجر، حيث اورد ضمن احد مقالاته في صحيفة نيويورك تايمز ان اموال البترول الضخمة يجب ان لا يترك لاصحابها الضعفاء التصرف بها! بل يجب إستخدامها في بلاد اليسر والغنى.

 

تؤكد هذه المسلمة الزيارة الهامة لرئيس وزراء بريطانيا بروان في أوج الأزمة المالية القائمة لدول التعاون الخليجي، والطلب منهم ضخ الاموال لإطفاء نار الحريق الملتهب في الإقتصاد البريطاني، ووعدهم بالإرشادات القيمة لإستثمار اموالهم مستقبلا وضمان عدم ضياعها. بالتالي حصل على ما تمناه بضخ الاموال العربية بشراهة في الإقتصاد البريطاني. لقد تم إنقاذ بنك باركليز بمليارات الإسترليني ولتصبح ابوظبي وقطر اصحاب الاسهم الكبرى وعليهما تحمل المخاطر المستقبلية. كما ان امارة ابوظبي ساهمت بمليارات اليورو لإنقاذ شركة المرسيدس الألمانية لإخراجها من محنتها المالية، واصبحت مساهمته فيها بمقدار 9.1%. واتجهت شركة الفلوكس واجن الالمانية الضخمة لإنتاج السيارات نحو الدول الخليجية لحل مديونتها المالية. وابدت إحدى الدول الخليجية الرغبة الشرهة لإخراج شركة بورشة لصناعة سيارات السباق الفارهة من أزمتها المالية بالحصول على 25% من اسهمها.

 

ينعقد يوم الإثنين الموافق 29.06.2009 في باريس بدعوة من صندوق الودائع الرسمي الفرنسي (إجتماع نادي المستثمرين على المدى البعيد) الذي تم بروزه للوجود في ابريل من هذا العام، ويضم في عضويته صناديق الودائع الحكومية لألمانيا، إيطاليا وصندوق الإتحاد الأوروبي للإستثمار. وجهت الدعوة للحضور والإنضمام للنادي الجديد الصناديق السيادية لأبوظبي (أكبر صندوق سيادي في العالم بموجودات يفوق 1000 مليار دولار)، الصندوق السيادي الكويتي (يمتلك مبلغ يناهز 500 مليار دولار)، الصندوق القطري (يصل الى 70 مليار دولار)، المملكة المغربية، المملكة العربية السعودية (بقدر إحتياطها النقدي بمبلغ يفوق 200 مليار دولار) والوليد بن طلال وغيره من الشيوخ الخليجيين والأثرياء العرب. يهدف هذا الإجتماع الى توفير الاموال اللازمة لتحريك الإقتصاد العالمي بإخرجها من أزمتها المالية المعاصرة الحادة وتحمل المخاطر المستقبلية!

 

هذه الاموال تذهب دائما ادراج الرياح دون جدوى كشراء 72 مقاتلة حربية حديثة لا تستخدم حتى يتم إستبدالها بالإحدث، او شراء 200 طائرة نقل حديثة دون حاجة لها، جميعها تنصب في عجلة تحريك الإنتاج للدول الرأسمالية الغنية على حساب الشعوب العربية الفقيرة. ومن عجائب الإستثمار الخليجي العربي شراء احد الاندية الرياضية في بريطانيا بمبلغ وصل الى 700 مليون دولار! والأطفال في غزة لا يجدون الغذاء، ايضا أطفال العراق، مصر، موريتانيا وكذلك أطفال دارفور، ناهيك عن الصومال وجزر القمر التي في حاجة ماسة لمبلغ 50 مليون دولار ولم يبد حتى اليوم أي من الاشقاء استعداده توفير هذا المبلغ. نعم يعيش أكثر من 130 مليون عربي تحت مظلة الفقر ولا يصل دخلهم دولارا واحدا في اليوم.

 

أظهرت البرازيل تعاطفها الكامل مع دول العالم الفقيرة، وقامت بشراء سندات دين من صندوق النقد الدولي بمبلغ 10 مليار دولار، شريطة وضعها في بند القروض التسليفية للدول للفقيرة فقط، كما تعهدت كل من الصين، روسيا والهند القيام بنفس المنهج وكذلك الشروط من أجل مساعدة الدول الفقيرة (لم تعلن اي من الدول الخليجية الإلتحاق بهذه المبادرة). وأبدت هذه الدول الأربع مع جنوب أفريقيا بتقديم مبادرة ملحة عاجلة لإصلاح جذري لنظام صندوق النقد الدولي بإنهاء سيطرة الولايات المتحدة الامريكية عليه (إنهاء حقبة الدولار ودخول عملات جديدة اخرى في التعامل الدولي)، بل السعي لقيام نظام نقدي عالمي جديد قادر على حل المشاكل الإقتصادية الدولية.

  عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.