تطرقت في مقال سابق بعنوان  دارفور والمجتمع الدولي (1 )  الى مصطلحي  الإتفاق والتوافق،  وكذلك اوضحت مشكلة  عدم الإلتزام بتنفيذ العقود والتنصل منها . هذه المسلمة الأخيرة اصبحت السمة السائدة للمعاهدات المعقودة بين السودان وتشاد. إن إتفاقيات  عدم العدائيات وحسن الجوار، والتي تجاوزت منذ عام 2003 السبعة  والموقعة من قمة السلطات الحاكمة في الدولتين(الرؤساء البشير ودبي) وبحضور مكثف لشهود من ملوك ورؤساء وأمراء دول وايضا أُمناء عامين لمنظمات إقليمية والأمم المتحدة، كانت  مصير جميعها الفشل لدخولها في اليوم التالي مرحلة التنصل وعدم الإلتزام. من  هذا  المنظاراصبحت الإتفاقيات السودانية-التشادية تعرف ب إتفاقيات العدائيات وعدم حسن الجوار . هذا الوضع المتأزم بين الدولتين الجارتين، يحكمه إستضافة كل طرف للمعارضة المسلحة ضد الطرف الآخر، والسماح لها بأن تصول وتجول على كامل الشريط الحدودي المشترك، الغير قابل للسيطرة والمراقبة، ولها حرية الكر والفر.

 

 نعم إن الخاسر الاكبر لهذا التطور الخطير في علاقات الجارتين هو إقليم دارفور المتاخم للحدود التشادية والذي يربطة اواصر القربى والتمازج القبلي مع هذه الدولة. ومنذ إنطلاقة  شرارة اللهب في هذا الإقليم دخلت العلاقات بين الدولتين مرحلة التوترالغير قابل للتهدئة، علما بإن الدواء الشافي لإنهاء الأزمة كان بيد صناع القرار في الحكومتين ولكنه اليوم  تجاوزهم، وإنتقل لمرحلة متقدمة بإيداع زمام الامربيد المجتمع الدولي ، كما رافقه ايضا في الإنتقال للتدويل أزمة دارفور.

 

لقد تحولت المسألة السودانية- التشادية الى كارثة على سكان دارفور بشكل عام وعلى سكان معسكرات النازحين بصفة خاصة، وايضا قاطني معسكرات اللآجئين السودانيين في تشاد.هذه الويلات التي يعاني منها إقليم دارفور وبتزايد مطرد، جعلت من زوجتي(ولها الفضل في عودتي للكتابة في وسائل الإعلام) تفكر في اوضاع ومواقف ابناء وبنات هذا الغرب الحبيب الذي ُولدتُ فية، واي إسلوب يمكنهم إستخدامه لإخراج دارفور من محنته الحاضرة.

 

 نعم لقد تقطعت اوصال النسيج الإجتماعي لهذا الإقليم عندما ُفرض عليه إنهاء دور إدارته الأهلية وجرد من تلاحمه بتقطيع اوصاله الى ولايات أتت بآثار قضت على الأخضر واليابس، بل أيضا على اللاطر التمازجية التي كانت قائمة وفي أوج تماسكها. وتوالت الكوارث من الجفاف حتى إندلاع الحرب التى دمرت دارفور إجتماعيا واقتصاديا وسياسيا إضافة الى إنعدام التنمية بجميع اشكالها وذلك عبر ممارسة سياسة خلت من الشفافية والتطبيق الواقعي على الارض. لقد كان هذا الإقليم الواقع في محيط السافنا الغني مصدرا لإكتفائه الذاتي من الغذاء، بل مموننا لإقاليم السودان الاخرى ومُصدرا رئيسيا للإنتاج الحيواني والحبوب بمختلف انواعها، وعرف بالإقليم الجاذب ومصدر ثراء للكثير من ابناء اقاليم السودان المختلفة. نعم لقد اصبحت دارفور اليوم أقليما طاردا وتعتمد على العون الغذائي الخارجي!

 

هذه الاوضاع الماثلة للعيان في هذا الإقليم  يدعوا ابنائه وبناته الى التفكير الجدي العميق حول مواقفهم وكيفية إخراج منبع جذورهم من الأزمة الحارقة والسنتها المشتعلة التي تقضي على كل شئ في طريقها. لقد اتى الإنقاذ للسلطة محمولا على اكتاف ابناء دارفور وتحملوا معها اوزار حرب الجنوب. وبنظرة لإصحاب القرار في النظام الحاكم، يجد المرء بأن ابناء وبنات دارفور لا مكان لهم بين صناع الأمر في الدولة السودانية بعكس ما كانوا عليه بالامس، حيث كانوا يلبسون ثوب القومية او الوطنية السودانية. التفكير مطلوب خاصة وأن هناك عائلات مكونة من 8 اشخاص يعيشون على رطل سكر واحد فقط لمدة شهر كامل، بل الأسوء من ذلك تتنعم نفس الاسرة بجالون ماء واحد فقط لمدة يوم كامل! هذا النقص في المواد الأساسية لضمان استمرارية حياة إنسان دارفور يجب ان تلدغ الإحساس وخاصة للطليعة المثقفة التي عليها ان تقارن بمستوى معيشتها هي. الصحوة مطلوبة من هذه الغفلة التي تغشى الغالبية التي عليها واجب تصعيد الحراك السياسي لوضع دعائم الخروج من هذا الواقع الأليم القائم، وعليها كذلك التمهيد لوضع قواعد تؤدي للوصول إلى مرحلة نبذ الخلافات بجميع اشكالها والتوجه إلى باب  اللإتفاق والتوافق بالتراضي من أجل مصلحة دارفور والسودان قاطبة. فالمهمة المركزية الآن تتلخص في واجب تجنيب الإقليم والسودان ما يجري في العراق وافغانستان والقتل العشوائي في الصومال.إن مشكلة دارفور لا يمكن حلها إلا بإتفاق توافقي دارفوري-دارفوري، ويتطلب إجماع الكلمة لجميع اوصال  سكان الإقليم دون محاباة. والحديث يقود الى توحيد الكلمة لحركات دارفور المسلحة والتفاوض ضمن شرائح الإقليم المختلفة.

 

 اسئلة تطرح نفسها على الأثير:هل يعيش ابناء وبنات الإقليم في مرحلة عدم إدراك ما لابد من إدراكه؟ هل يملك ابناء وبنات دارفور وسائل الضغط السياسي لتغيرتوجهات الدولة في إقليمهم؟ هل ما زالوا يملكون البوصلة الموجهة لتوحيد الرأي؟ هل تشتت الوعي ولم تعد لهم مطالب؟ ام هل مطلوب من اهل دارفور ان يخضعوا لما يراد لهم؟ نعم لقد كان الفشل حتى اليوم مصير جميع المؤتمرات وورش العمل والحوارات بعدم تطبيق المقررات والتوصيات على ارض الواقع من اجل حل مشكلة دارفور. نعم من اجل من هذا التناحر القبلي ولماذا تسفك الدماء؟ بل من اجل من تدمر دارفور والى متى يستمر هذا الدمار؟

 

إن مشكلة السودان هي سودانية بحتة ولا يمكن حلها دون إجماع الرأي السوداني (سوداني-سوداني). يجب الخروج من قوقعة ظاهرة الفردية، لان لها دور في تحطيم النسيج الإجتماعي. إن مطالب اهل دارفور واضحة للعيان ، والحل متوفر إذا اراد اصحاب القرار ذلك وفق نهج سياسي صادق شفاف ومن خلال أجماع دارفوري-دارفوري.

   

نقلا عن صحيفة اجراس الحرية

  عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.