قبل فترة سطر رائد الصحافة اللبنانية الزميل طلال سلمان مقالاً حول: النظام اللاغي للدولة..والطبقة السياسية اللاغية للوطن.لقد أورد في تحليله:  عبثاً نحاول إقناع أنفسنا(فكيف بأبنائنا؟) أننا < مواطنون في دولة > ذات نظام ما، ولك أن تسميه < ديمقراطياً بالتوافق الطائفي > أو  طوائفيا بالتوافق الدولي. ...لكنك مهما بلغت من البراعة في ابتداع الصيغ المخففة من فرادته في الجمع بين المواصفات المتناقضة، سيظل هذا النظام مستعصياً على التوصيف. ويكون عليك أن تسلم، في نهاية البحث، بأن هذه الدولة المتهالكة التي تأوى قبائل وأعراق شتى تتمتع بنظام يستعصي على الإصلاح، كما أنه أقوى من كل المحاولات التي جرت لإسقاطه أو استبداله.
إن أهل الطبقة السياسية الذين احتلوا صدارة المواقع الحاكمة والمتحكمة بالدولة، أقوى من الدولة ... نعم لقد أصبحت دولتهم واستمروا بإلغاء < مواطنيها > لأن النظام يعترف بالرعايا فقط، والطبقة السياسية لا تعيش ولا تستمر إلا إذا تحول الشعب إلى( مجموعات) التي يستحيل على أفرادها أو على مجاميع المنتمين إليها أن يكونوا مواطنين. ويستخدم المتحكمون بمقاليد الحكم كل الأساليب الأيديولوجية والسياسية والجزائية لشيطنة الرأي المعارض وتجريمه، وحرمانه من حق الوجود والتعبير داخل المجتمع. ويتم ذلك بإتهام المعارضة بكونها تتبنى الأفكار والنظريات المستوردة من الخارج، وهي بالتالي ليست من صميم البناء الوطني، بل أنها تعمل على  تدمير الهوية الوطنية بأكملها. وعليه يتم تحييد المعارضة وإخراجها من الجماعة والإجماع الوطني. أما على المستوى السياسي فيلصق بالمعارضة تهمة بكونها جيباً من جيوب القوى المعادية الأجنبية، وطابوراً خامساً للمتربصين بالوطن، العاملين على تدميره وإخضاعه لإرادتهم السياسية. وعلى المستوى الجزائي يلجأ هذا النظام إلى إصدار القوانين التي تهمش المعارضة وتقمعها، من قوانين الأحكام العرفية أو قوانين الطوارئ. بل يجأ النظام أيضاً لإستخدام الإجراءات القمعية بجميع أشكالها التعسفية ، وخاصة عندما يحتدم الصراع ويدب الرعب في قمة النظام من إمكانية دخول الشعب إلى ساحات النزال السياسي.  
 لهذا فإن المشروعات الطامحة إلى الإصلاح الشامل للبلاد والتي يهرع إلى تبنيها بعض أهل الطبقة السياسية المعارضة سرعان ما تتهاوى في الطريق ليتم إسقاطها بالضربة القاضية من قبل أهل النظام. ولكن قد برع الجميع (أهل النظام والمعارضة) في لعبة تبادل الأدوار، فسقط إحتمال التغيير الإصلاحي وتبادل أهل الطبقة السياسية التهاني. لقد أصبح النظام أقوى من الجماهير المطالبة... وحدة النظام هو الباقي، لا يأتيه التغيير أو التبديل من خلفه أو أمامه... فإذا ما تهدده الخطر هدد رعاياه بحرب إنتقامية.
هذه الصورة القاتمة تعكس الواقع المؤلم في بلادنا، حيث تحول جزء معروف من المعارضة إلى  قوى مدجنة لصالح النظام الحاكم.
 إن الانتفاضات التي جرت في تونس ومصر، وما يجري الآن في ليبيا، أظهرت أنها حركات انطلقت من وعي جماهيري وواقع  اجتماعي مرير تعانيه أغلبية ساحقة من فئات المجتمع فثارت ضد ديكتاتوريات قمعية. إلا أن المميز فيهم هو ظاهرة تتمثل في دخول الثورات حيز التنظيم الفردي العفوي بعيدا عن أطنان المجلدات البيروقراطية التي تزخر بها مكتبات الأحزاب التقليدية المعارضة في البلاد المذكورة وأيضاً في بلدنا. وفي الحقيقة ، تمثل هذه الظاهرة نمواً لتيار شبابي عصري أدخل تقنيات العصر في صلب النضال السياسي والمطلبي كاستخدام وسائل التواصل الإجتماعي كفيسبوك وتويترا وغيرها.
لقد أظهرت أجندة المعارضة وخاصة الطائفية في السودان خلال فترة حكم الإنقاذ أنها لم تكن تهدف ل( إسقاط النظام ) أو تنفيذ إصلاحات شاملة لمصلحة المواطنين، بل كانت وظلت  تطالب بإشراكها في العملية السياسية بشكل أوسع(رئاسة مجلس الوزراء أو الوزارت السيادية ) . ولكن المطلب الحقيقي الخفي  وراء الكواليس  يكمن في الحصول على المال وملأ الجيوب من صاحب السلطة والمال، وتقديم فروض الولاء والطاعة له، مما أدى إلى عدم الإلتزام ونكس الوعود مع قوى المعارضة الحزبية الأخرى،  ويدفنوا رؤوسهم كالنعام في الرمال. . لقد عمد النظام الحاكم من خلال إغداقه المال والمناصب على المعارضين السياسيين في البلاد، ليجعل منهم قوى فارغة من أي محتوى وطني – مطلبي، بل لتحويلهم إلى أبواق له.
نعم، لقد عانى ولا يزال الشعب يعاني من إهانة الطبقة السياسية الحاكمة له، والإستهتار بقدراته. ورغم ما لحق بهم من أذى، فهم على أعلى مستوى من المعرفة والفهم. جاء الوقت كي تتفتح الأزهار. جاء الوقت كي يتعلم الحكام وأتباعهم من الشعب. وجاء الوقت كي يحاسبهم الشعب، فيكن الحساب عقابا لهم. وليكن العقاب بما يستحقون.
لقد ظهر تيار شبابي جديد يعرف بتيار " النضال الإلكتروني " يقوم  بدعوة وتعبئة وتنظيم المجتمع نحو النضال الهادر، لتحقيق أماني وتطلعات الشعب المسحوق نحو الأفضل.إن جيل الشباب الجديد فقد ثقته بمعظم أطياف اللون السياسي بما فيها أحزاب اليسار التي من المفترض أن تحمل همومهم وتطلعاتهم نحو مستقبل مشرق، وهذا ما يحتم على هذه القوى إيجاد وسائل استقطاب جديدة.  


Mohamed Adam [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]