في نهاية العام الماضي طرح الصحفي الكبير طلال سلمان من خلال إفتتاحيته الإسبوعية في السفير اللبنانبة أسئلة موضوعية وهامة حول الأزمة اليمنية، وأنطلقُّ منها في صياغة أسـئلة عن واقع أزمة الوطن الراهنة:  هل من الضروري أن يغرق السـودانيون قي الحزن حتى يتوحد أبناؤه وبناته؟ هل من الضروري أن تتوالى النكبات كي يستشعر المواطنون والمواطنات الحاجة إلى دولة تتوحد بهم وبهن وفيهم وفيهن، ويتوحدون بها ولها؟ على إمتداد أكثر من  نصف قرن   ظل السودانيون يقتلون ولا يشاركون بعضهم في أحزانهم، بل كان كل فريق يظهر شيئاً من الإبتهاج الوحشي إذا ما تساقطت الضحايا لدى الفريق الآخر... ولم ينتبهه الجميع إلى أنهم ينتحرون وينحرون وطنهم الكبير عبر مباراة التقتيل الجماعي التي يندفعون إليها بحمى التعصب الآتي خارج نطاق الوعمي الذهني.
هذا الوطن الكبير يجب أن يكون حياتنا : هو مصدرها ، له وفيه نولد ونعيش، يحفظنا فنحفظه ونعيش به وله، ولا يكون إلا بنا وقد إجتمعنا فيه. ولا وطن حيث لا دولة تحفظه.  ولا دولة حيث الشعب رعايا، أحزاب وطوائف، والأحزاب والطوائف إقطاعيات الزعماء، والزعماء لا يعيشون إلا عبر الصراعات والمناكفات الدائمة بينهم، فينفردون عندئذ بالدولة ليقسمونها قطعاً وشرائحاً، لكل حسب قدرته على حشد الضحايا. لقد اصبح الوطن كالطائرة التي تعترضها الصواعق الرعدية في الأجواء السماوية، وتلعب بها رفعاً وخفضاً، لتدفعها إلى التفكك والسقوط في لجة أمواج البحر الهائجة.
هذه اللوحة القاتمة تعبر عن الوضع الراهن في السودان، الذي يشكل فيه الصراعات السياسية تهديداً للوطن بالتمزق في أتون الحروب الأهلية، والتحول إلى دويلات. نعم أن التمسك بأحادية القرار للحاكمين في المركز الإتحادي(والحال كذلك في مركز سلطة الإقليم الجنوبي)، وتهميش الرأي الآخر(المعارضة والمجتمع المدني) في تقرير مصير البلاد بحدوده القائمة اليوم، إضافة للمناكفات المفتعلة الجارية بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية حول الإستفتاء ومتطلباته والقضايا العالقة بشأنه، وعدم جدية الوصول لحل الأزمة الناشبة في دارفور منذ عام 2003، وإهمال الكثير من القضايا المصيرية، مع التركيز على أسلوب التدويل لحل أزمات البلاد بالمؤتمرات تحت قيادة المجتمع الأممي والولايات المتحدة بشكل خاص، جميعها تدفع بالوطن في طريق الصوملة، حيث تشرذمت دولته، وإنفتحت أبواب جهنم أمام شعبه.
لقد فاق الشعب السوداني من لعبة المد والجزر المتواصلة بين شريكي نيفاشا، وخاصة ما يدور  حول تقرير مصير الوطن في مطلع العام القادم، وأصبح الشارع العام لا يأبه به، فالإحباط واليأس و قراءة عنتريات التراشق الإعلامي علمه رؤية الحقيقة، و أثبت الواقع عدم وجود أي خلاف حقيقي بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، حيث مهما بلغت الخلافات البالونية ذروتها، لكن  في آخر المطاف الحل متوفر في الجزء السري لإتفاقية نيفاشا والقابعة في خزائن الكتمان. ويؤكد هذا الأمر قبر الأمين العام للحركة الشعبية وزير السلام في حكومة الجنوب جميع ما قيل عن إحياء الوحدة الجاذبة والوحدة الطوعية، وكذلك عن الكونفيدرالية، بل أصراره على إقامة الدولة المنفصلة والتي يروج لها  في جميع المحافل والمنتديات الداخلية والخارجية. ويروج الطرفان بالإشتراك مع المجتمع الدولي مسلمة الإنفصال السلس كما تم بين الهند والباكستان، الشرس الدامي، وفظاعة إنفصال بنغاليديش عن الباكستان.. وتتخوف دول القارة الإفريقية من تبعات ما يحدث على مستقبل بلادهم. نسأل المولى أن يجنب الوطن شر الدخول في هذا النفق المظلم.
أما الوضع الأليم لسكان دارفور، الذي تسيطر عليه الفوضى منذ عام 2003  بغياب الأمن والقصور الحاد في المواد التموينية والغذائية لملاقات حد الكفاف الأدنى لمعيشة المواطن، ناهيك  القطاع الصحي والتعليمي وندرة مياه الشرب والنور.هذه صورة قاتمة لسكان المدن، فما بال قاطني الريف والذين أجبروا  للنزوح من حواكيرهم للعيش في مخيمات النازحين!  إن سياسة الأخطاء القاتلة، والجهود المبددة، والفرص المضيعة، وعدم الإلتزام بتنفيذ الإتفاقيات،  أدت  إلى فشل كل المحاولات لإخراج الإقليم من محنته. ويزيد الوضع تعقيداً إتباع  المركز منهج  تعدد المنابر لحل أزمة الإقليم، مما حدا  بالمراقبين نعته بالكارثة المعوقة لأي حل  في المدى القريب.
إن ما يجري اليوم في الدوحة ، ما هو إلا فرقعة إعلامية. قضية دارفور لا يمكن حلها دون إشراك جميع أطراف النزاع الحقيقيين، في حوار دارفوري- دارفوري وكذلك سوداني-سوداني. لابد من قيام منبر إتفاق التوافق بالتراضي الدارفوري ليفتح الباب لخروج الإقايم الكبير والسودان من المحنة الراهنة. لا يمكن الوصول إلى إنفراج دون مشاركة كبار عقلاء الرأي من أبناء الإقليم، على سبيل المثال وليس الحصر: المقدوم أحمد عبدالرحمن رجال، الناظر سعيد محمود مادبو، الملك آدم محمدين آدم صبي، السلطان سعد عبدالرحمن بحرالدين، الناظر أحمد السماني والملك رحمةالله محمود. بل لن يكون هناك سلام إذا لم يجلس على طاولة المفاوضات، حركة العدل والمساواة(دكتور خليل إبراهيم) وحركة تحرير السودان(عبدالواحد محمد نور)، وأيضاً الممثلون الحقيقيون لسكان مخيمات النازحين، المجتمع المدني الحقيقي لدارفور، ومثقفي الإقليم في الداخل والخارج. والمؤسف حقاً رفض السلطة الحاكمة لوثيقة هايديلبيرج، التي تحوي مقترحات كاملة لحل أزمة الأقليم، والتي باركها في برلين  الوسيط الدولي جبريل باسولي، وأبدى إستعداده للتعامل معها بجدية في الدوحة.
علينا أن نتعلم من أخطاءنا ومما ما يجري على الساحة الدولية والإسراع في إيجاد حل سريع لأزمة دارفور، والأمر بيد المركز الحاكم في الخرطوم. فعلينا أولاً  بناء دولة حديثة، دولة يكون في جوهرها الإقتصاد والتنمية المتتساوية، دولة القانون التي تحافظ على حقوق  المواطنة المكتسبة، دولة تحكمها الديمقراطية التوافقية لأطراف الحكم والمعارضة . بلا إنها الدولة التي تحافظ  في المرحلة المقبلة على تماسك الوطن داخلياً، دولة تلتزم بتنفيذ المعهادات والإتفاقيات المعقودة لتكون قادرة على المواجهات الخارجية،  وتمد المجتمع بالمقومات المادية والمعنوية للمُّواجهة.
لم يعرف التاريخ أمة نهضت من غير أفكار جامعة، أيقظتها وحفزت روحها ودفعتها إلى تغير واقعها. وما يحتلجه السودان هو أن يضع القابضون على زمام السلطة نصب أعينهم، أولاً وليس آخراً، المحافظة على وحدة تراب الوطن.

Mohamed Adam [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]