تحدثت في الجزء الأول من المقال عن مفهومي السلطة والوطن، وأوردت في الجزء الثاني الظواهر التي تحكم وطن السلطة، وليس وطن الشعب، حتى الوصول إلى: الملاحظ أن دول العالم النامي(السودان جزء منها) لديها أزمة دولة وأزمة علاقة بين الدولة والمجتمع، وأزمة بين مكونات المجتمع الإثنية والإقليمية، بمعنى أنها تعاني أزمة وجودية، وهذا ما يتطلب عقداً إجتماعياً جدبداً يؤسس لمشروع وطني جديد.

أورد الكاتب عرفان نظام الدين في مقال له بجريدة الحياة اللندنية، خلال شهر أبريل الماضي، عن الديمقراطية السودانية: إنتهت اللعبة الديمقراطية وبدأ الجد مع قرب إكتشاف خطورة السياسات المتبعة على مختلف الصعد. فالنظام لم يحصل على صك براءة ذمة بعد عشرين عاماً من التفرد والأخطاء والخطايا التي أدت إلى إشعال نار حروب وفتن في الجنوب والشرق وفي دارفور بالذات أسفرت عن مصرع وأصابات عشرات الآلاف وتشريد الملايين  من السودانيين الذين يكتوون بنار الفقر والمرض في ديلر الله الواسعة بعيداً عن وطنهم الغني الذي أحبوه وضحوا من أجله، لكنه سرق منهم قي غفلة من الزمن على متن دبابة تسللت في الفجر.

تابع الكاتب بقوله: لقد تسلم أركان النظام السودان بلداً موحداً أمناً مستقراً، على رغم كل ما يجري في الجنوب من مناوشات وما يحاك من مؤامرات. الحكم يقوم على أسس ديمقراطية، صحيح أنها لم تكن مثالية، بل أنها تبقى أفضل ألف مرة من الديمقراطية المتولدة عن إنتخابات مشكوك في صدقيتها وصحتها وشرعيتها. كان الشعب حراً في إبداء رأيه وإختيار قياداته بلا تهديد ولا إرهاب ولا سجون ولا بيوت أشباح وسهرات تعذيب، وكان القضاء حراً عادلاً يضرب به المثل. وكانت جامعات السودان ومدارسه تتمتع بدرجة متقدمة ومستوى مشهود له في العالم.

ويتمنى الكاتب المذكور لو اتخذت الإنتخابات الأخيرة منهج تغيير وإصلاح وحملت شعار تعزيز الوحدة الوطنية والمشاركة والحوار وقبول الآخر والإعتراف بمبدأ تداول السلطة والإقرار بالنتائج والرضوخ لإرادة الشعب وخياراته بتسليم المقاليد لفريق يحكم ويمارس الإدارة والتشريع وفريق يعارض ويراقب ويحاسب.

لكن الخطأ الذي وقع فيه النظام السوداني أنه سار على نهج أنظمة أخرى تبني الديمقراطية العرجاء، التي تستند الى مبدأ < أنا ومن بعدي الطوفان> أو أنا أو لا أحد، والمتجاهل الذي ينظر بعين واحدة الى الحقائق والواقع ويغمض العين الثانية رافضاً الإعتراف بالطرف الآخر، والحمقاء التي تظن ان الناس أغبياء وأن العالم أحمق نستطيع خداعه بصناديق وأوراق معدة سلفاً ثم نتربع على عرش الحكم مستندين الى شرعية لم يقبضها أحد.

ويتابع نظام الدين السرد بأن التجربة السودانية أبقت القديم على قدمه ووسعت الشرخ بين السلطة وأحزاب المعارضة وقوى أخرى في دارفور والجنوب، ومهما  أتخذت من خطوات وعمليات تجميلية، فإن الإستقرار سيبقى بعيداً، بل إن الخوف، كل الخوف أن يسفر الإستفتاء في الجنوب العام المقبل عن تأييد الإنفصال مما سيفتح باب حرب جديدة طاحنة وانتشار عدوى التفتيت والإنفصال في بلد ظل موحداً  منذ نيل الإستقلال، وتوفر فيه المحبة والوئام والتمازج لمواطنين ينتمون إلى أديان وأعراق وإثنيات وقبائل وعشائر مختلفة على أمتداد أرض الخير والمحبة والسلام ، المزروع في قلب كل إنسان سوداني حر.

في كل الحالات لم ينجم عن هذه التجارب الديمقراطية( شهد العراق قبل السودان تجربة إنتخابات أسفرت عنها توازنات رعب طائفية وعرقية تحمل في طياتها بروز التفتت مهما حاول البعض تجميل الصورة) سوى التشكيك لأنها أهملت رغبات وأراء الرأي العام وأولها تأمين الحقوق المشروعة للموطن. كما أنها تحمل في طياتها بذور فتن قد تؤدي، لا سمح الله الى الدمار في حال تفاقمت الإنتهاكات والإرتكابات بدلاً من تحقيق النمو والرخاء وإحقاق الحق وكسب ثقة المواطن والدفاع عن أمنه وإستقراره وضمان العدالة وفق متطلبات مباىْ الحقوق والواجبات.

ويرى الكاتب عدم تبرئة القوي الإجنبية وتدخلاتها السافرة، بل لابد من وضع النقاط على الحروف بحيث لا يُحمل المسؤولية الكاملة للسلطة الحاكمة ، وإنما تتحمل القوى المعارضة معها هذه المسؤولية، وخاصة لتقاعسها وتشرذمها وإبتعادها عن الأساليب القويمة في بعض الأحيان، إضافة الى المطامح الشخصية  والأنانية والصراعات في داخلها، لدرجة حتى يقترب القول من أن المعارضة لا تقل سوءاً عن الحكومة.

بعد تناولي لمقالة معن نظام الدين،  أختتم الجزء الثالث من مقالتي السلطة والوطن ومستقبل البلاد بما أتى به الدكتور الواثق كمير في صحيفة الرأي العام عن الأوضاع الناتجة عن الإنتخابات في السودان: يضع هذا الوضع السياسي المتأزم وضرورة تجاوزه عبئاً ثقيلاً ومسؤولية ضخمة على رئيس الجمهورية  ورئيس حكومة الجنوب خاصة والبلاد على إستحقاق مصيري على بقائها موحدة، بينما تظل الأزمة في دارفور تراوح مكانها، وقرار المحكمة الجنائية الدولية في حق الرئيس ما زال يلقي بظلاله على وضع السودان برمته. فسيطرة الشريكين المطلقة على الحكم في الشمال والجنوب يجب أن لا يغريهما على التخندق الحزبي الضيق والإندفاع لإزاحة معارضي كل طرف والإجهاز عليهم بدون إعتبار  للمصالح الوطنية العليا، وإحلال وطن السطة مكان وطن الشعب.

 

 

 

Mohamed Adam [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]