تحدثت في الجزء الأول من المقال،عن مفهومي السلطة والوطن، حتى الوصول إلى: إن الذين يتمسكون بالسلطة يستقوون بالأجهزة الأمنية والجيش، والمليشيات الحزبية المشهورة بالعنف السياسي، نعم يصبح هدف هذه السلطة والنخب التابعة، ليس مصلحة الوطن، بل الحفاظ على ما بيدهم من سلطة، لأن السلطة تضمن الحفاظ عل إستمرارية مصالحهم. هذه الأطراف مستعدة للدخول في حرب أهلية لضمان وجودهم، بل دفاعاً عن وطن تضع السلطة مواصفاته ومرتكزاته، حيث يتماهى معها، وبالتالي يصبح المساس بالسلطة مساساً وتهديداً لهذا الوطن، وطن السلطة، وليس وطن الشعب.

عندما تستحوذ السلطة على الوطن، وطناً تم تفصيله من أصحاب القرار، تجري العملية الإقتراعية في هذا البلد، من خلال تصويت الشعب لا كمواطنين، بل كرعايا. في المواطنية، يتخذ الفرد قراره على أساس تفكيره هو، أكان هذا التفكير عقلانياً أم غير عقلاني. بينما في وطن السلطة يذوب الفرد في جماعة تقرر عنه ما يجب أن يفكر فيه، وبالتالي يتحول إلى عضو في حلبة صراع يقودها ملاكم.

في هذه الديمقراطية يصادرُ من الناس ما يمتلكون من حرية وممارسة ديمقراطية، وتتكون السلطة (الرئاسة، البرلمان، الحكومة، وبقية المؤسسات) من شمولية الفوز الكاسح، التي تهمش الأطراف الأخرى . وفي هذه الحالة لا ترتفع السلطة إلى مستوى تشكيل حكومة تحافظ على سلامة الدولة، بل حكومة تقود إلى تدميرها، لأنها في هذه الحالة تهمش الدولة لصالح مكونات أطرافها.

تغيب الدولة عندما يفقد الأفراد مواقفهم المبنية على تفكيرهم، وعندما يتصرفون على أساس غرائزهم، علماً بأن هذه الغرائز ليست حتمية الوجود بل هي مصنوعة، تصنع لهم كشكل من أشكال السيطرة لبناء النظام السياسي، ليس على أساس الدولة، بل على أساس المكونات. والمكونات ليست كالقطعان التائهة، وإنما هناك مجال محدد تمرح فيه، وهذا المجال يحدده  لهم الغير. أي بمعنى آخر تطغى العناصر الخارجية على الداخلية، و يفقد المواطن إرادته وحريته.

في السودان هجرة وبطالة تطالان الجزء الأكبر من السودانيين. أعداد العاطلين عن العمل كثيرة. وحتى الذين يعملون، يعيشون دون حد الكفاف(لابد من دخل آخر). أعداد المهاجرين كثيرة داخل البلد وخارجه. الذين يسلكون طريق الهجرة الخارجية طلباً للرزق، تتولد عندهم مرارة رغم تعلقهم بوطنهم. العاطلون عن العمل، عطالة ظاهرة أو مستترة، تتولد عندهم مرارة بسبب الفرص التي حرموا منها في بلدهم. النظام الإجتماعي-الإقتصادي–المالي ينتج الهجرة والبطالة، وحتى العاملين بالمحسوبية تتولد عندهم مرارة عدم الرضا لتفضيلهم على زملائهم الذين هم اكثر منهم كفاءةً وإستحقاقاً.

 

يصبح التعلق بالوطن وهماً تعويضياً. يحتاج المرء إلى التعويض عما هو مفقود. يفقد الناس سويتهم الإنسانية عندما تستولي عليهم مشاعر المرارة والحاجة إلى التعويض النفسي، يرتمون في أحضان القبلية والإقليمية والطائفية، مما يؤدي إلى فقدانهم فرديتهم وقابليتهم للتفكير المستقل. لهذا أصبح لا غرابة أن تسيطر الأوهام وتستولي على السياسة، وأن يصبح الهم الأكبر، جمع المال والثروة، مصدرا للوجاهة ومثلاً أعلى ينشده الجميع من دون إستثناء.

إن أصحاب الثروات في الديمقراطية الحقيقية ليسوا أصحاب السلطة السياسية، بل تأتي السلطة من نخب إجتماعية وإقتصادية، عكس ما هو عليه الحال في دول العالم الثالث حيث لا تداول السلطة إلا ضمن نطاق ضيق، تستمر من خلالها النخب الحاكمة لعدة عقود، مما يجعل إقتراناً قوياً يحدث ما بين السلطة والثروة. ولتحمي السلطة المقترنة بالثروة نفسها تلجأُ لإفساد كبار رجال الدولة وقادة الرأي العام(من قادة الأحزاب والمؤسسات المدنية والإعلامية ورجال الدين الخ) بالمال والإمتيازات(يعتبر الفساد لصيقاً بوطن السلطة، حيث يسهل المناخ العام تفشيه وتحوله إلى ظاهرة عامة، ولا يعود أحد يخجل من ممارسته علناً.). كما يسعى هذا التزاوج لإنتاج نخب جديدة  لحمايتها، وتصبح علاقة إعتمادية متبادلة ما بين الطرفين، ويصبح الهدف السلطة  والثروة  وليس مصلحة الوطن، بل الحفاظ على ما بيدها من سلطة.

 يزخر السوان بالثروات الطبيعية والمعدنية والزراعية والمائية، فضلاً عن الثروة البشرية. ويعد من أهم الدول المنتجة للنفط والمصدرة لها في القارة الأفريقية. وبدلاً من أن تصبح البلاد << سلة غذاء العالم العربي>> ومصدر ثراء وإكتفاء ذاتي، ومثالاً يحتذى به، لكن الواقع يعكس صورة مغايرة تماماً، بحيث الفقر والجوع والعطالة والحروب والتشرزم يخيم على أرجاء الوطن.

الملاحظ أن دول العالم النامي لديهم أزمة دولة وأزمة علاقة بين الدولة والمجتمع وبين السلطة والمجتمع، وأزمة بين مكونات المجتمع الإثنية والإقليمية، بمعنى أنها تعاني أزمة وجودية، وهذا ما يتطلب عقداً إجتماعياً جديداً يؤسس لمشروع وطني جديد.

Mohamed Adam [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]