منذ عشيـة يوم تقرير مصير السـودان من الحكم الثنائي البائد، يتطلع أبناء هذا البلد الكريم، وبدون جدوى، إلى التخلص من أزمات وطنهم العالقة المستمرة، كالساقية الدائرة. أصبحت كل أزمة تخلق أزمة جديدة حادة أخطر من سـابقتها. كل الذين تكالبوا على دست حكم البلاد، من المدنيين والعسكريين، شاركوا بإمتياز في بلورة حدة هذه الأزمات، وكانوا يطلقون الوعود البراقة لحل مشـاكل السودان الشائكة العاجلة، وإصلاح يحقق التقدم والإزدهار، والعكس دائماً كان مواكباً حقيقياً لأفعالهم، والحال كذلك اليوم(إن الدولة القوية هي القادرة على حماية مواطنيها من الأزمات بحلها). لقد دخلت البلاد مفترق الطرق، إلى قطار الجنوب السريع، والشمال ذات المستقبل المظلم. لقد أصبح الشـأن السـوداني خارج النطاق الوطني، ونجح الجميع في تدويل الأزمات، بطي صفحة الوفاق الوطني، وإستيراد الحلول لشرذمة وتفكيك أوصال هذا البلد، وفقاً لمسميات أخرى، مطابقة للمصالح الدولية المطابقة لرغبات الحاكمين.

في خضم الأحداث المتسـارعة لشـطر الإقليم الجنوبي، والتنازع بين المؤتمر الوطني المشتحوذ على السلطة وتناثر قوى المعارضة الشـمالية(تخلت عنها للأبد الحركة الشعبية بركبها قطارها الإكسبريس  الجديد) لتحديد إجراء الإنتخابات في موعدها المقرر الحادي عشرة من أبريل(وفق إتفاقية نيفاشا)، أو تأجيلها، ليدخل حلبة الصراع لفض النزاع الحكم المارد صاحب القرار: إنه المبعوث الأمريكي لحل نزاعات السودان، الجنرال المتقاعد إسكوت جريشن. لقد كان نقاشا عبثياً في تبذير الوقت- كما بذره الطرفان في حق السودان. نعم انه عبثي مزودج << أيهما أسبق البيض أم الدجاجة >>..!!

فاز المؤتمر الوطني  بلعبة الورق،  وألبست  المعارضة  قميص  << عامر >>   وليس بقميص     

<< عثمان >>. أيد الجنرال صاحب القرار موقف مفوضية الإنتخابات، وأعلن قيام التصويت في موعده المحدد. بل إمتدحها بأنها ستكون على أكبر قدر من النراهة والحرية: أنني واثق من إجراء إنتخابات ستقوم في موعدها 11 أبريل الجاري، وستكون حرة وعادلة بقدر الإمكان. وسبق هذا الموقف، القرار الدولي ل << راكوبة >> نيفاشا، المكونة من الولايات المتحدة الآمريكية، بريطانيا والنرويج، بالدعم الكامل لإجراء الإقتراع في موعده المحدد(إنضمت فرنسا إلى المنظومة الثلاثية).

لم يكتفي الجنرال صاحب القرار بهذا الإنجاز المطلوب دولياً، بل سارع بالسفر إلى دوحة قطر للإنفراد بحركات دارفور المسلحة، وترويضها على قبول مقترحاته لإجراء الإنتخابات حسب نصوص إتفاقية نيفاشا، بل حصوله على ضمان من حركة العدل والمساواة بعدم تعكير الأجواء الإنتخابية في دارفور. نعم، لقد أتى الجنرال جريشن بمهمة محددة، ليست لحل أزمة دارفور، وإنما لخلق ورصف  طريق معبد، ينسلخ بموجبه  جنوب الوطن عن شماله، وعفا الله عن دارفور المجروحة، ويمكن إعادة النظر في أمره بما تقضيه المعطيات الدولية لاحقاً.

 سيكون الجنرال شاهد ملك لشريكي نيفاشا، المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، ويخرج لهم شهادة براءة، تثبت إنتخابات حرة نزيهة على جميع المستويات، ليتقبله المجتمع الدولي، ولا مجال للشك والريبة، ليأتي إستفتاء إنفصال الجنوب في موعده المنظور، ليصبح المؤتمر الوطني حاكماً لدولة شمال السودان، يقابله حكم الحركة الشعبية لدولة جنوب السودان.

 يستشف من قراءة الواقع السياسي الماثل أمام الرأي العام(المواطن والمجتمع وقاطني الدولة، جمعاً لا رأي لهم)، أن الحركة الحركة الشعبية بالتنسيق الكامل مع المؤتمر الوطني، وطبقاً لأهدافهم(وإتفاقياتهم المرئية وغيرالمرئية)، قدما طبق من ذهب لتسهيل مهة الجنرال. كان القرار القاضي بسحب مرشح الحركة من سباق الرئاسة، المقرون بأوضاع الحرب في دارفور(هل شاهد سلفاكير دارفور؟ وماذا قدمت الحركة لها في محنتها؟)، هدية مقايضة للمؤتمر الوطني لفوز البشير بالرئاسة(مطلوب دولياً)، مقابل تسهيلات متطلبات االدولة الجديدة، بينما كان المؤتمر الوطني سباقا بإهداء الحركة باقة ورد الدولة المنتظرة، بعدم الترشيح لمنصب رئاسة حكومة الجنوب(لكم جنوبكم ولنا شمالنا). ويرى باحثي العلوم الساسية، أن الحركة الشعبية لتحرير السودان، ترى في المؤتمر الوطني، أفضل شريك إستراتيجي فاعل، لتحقيح أهدافها. لذا إتخذت قرارها بالإنسحاب من معركة الرئاسة، دون الرجوع وإخطار شركائها في تحالف جوبا(هذه ليست المرة الأولى، ولكنها الأخيرة، بعدم الحوجة لهم بقيام دولتهم)، مما أدى إلى إرباكهم، وأصبح التخبط وعدم القدرة في إتخاذ القرار مسلكهم اليوم. لا يستبعد المحللون السياسيون، لجوء بعض أحزاب المعارضة الكبرى إلى التفاهم مع المؤتمر الوطني، صاحب السلطة والمال، والقبول بشروطه، والماضي القريب خير دليل على ذلك!

لقد كانت أحزاب المعارضة تعول أيضاً على الجنرال الأمريكي صاحب القرار، وخاصة توقع قرار منه بتأجيل العملية الإقتراعية، ولكن  قراءته  لموعد إجراء الإنتخابات أدت بهم مرة أخرى إلى الإحباط وخلط الأوراق. ومن قبل كان أحد الشركاء الكبار في تجمع جوبا، المؤتمر الشـعبي، أعلن بوضوح، تمسكه بحزمة الترشيحات الإقتراعية(الحركة الإسلامية وإصلاح البيت)، وفي موعدها المرسوم لها. بالمقابل قدم الجنرال بقراره هذا ما كان يصبو ويحلم به شريكي نيفاشا، والسير قدماً نحو تحقيق مآربهم، بل أدار ونفذ مهمته بدقة دبلوماسية. ولم ترى دارفور من الجنرال ما كانت تصبو إليه من سلام وأمن وإستقرار(لأنه لم يأتي من أجلّ ذلك)، بل الولوج  في مسقبل مظلم بعد إجراء العملية الإنتخابية، بعدم رغبة المركز إنزال الحلول المتوفرة أرض التنفيذ، وكذلك غياب الحوار والوحدة  <<الدارفورية_الدارفورية >> ، ولا يتوقع المراقبون بصيص أمل في القريب العاجل لحل الأزمة المخيمة في سماء الإقليم، ما دام النكوص بالوعود سيد الموقف لمركز القرار الأحادي-المؤتمر الوطني- في الخرطوم(أعود بالتذكير مرة أخرى لسؤال الصحفي الكبير طلال سلمان للرئيس اليمني علي عبدالله صالح حول صلاحياته في إدارة اليمن: هل أنت الخليفة، أمير المؤمنين، الرئيس القائد، شيخ القبيلة، الملك، صاحب الزمان، الآمر الناهي، ملك القرار في كل الشؤون؟ ورد علي صالح: أنا كل أولئك معاً)، والمجتمع الدولي ملتهياً بمشاكله الإقتصادية الداخلية ولها مصالحها في معالجة الأزمات الخارجية.

إن أزمات السـودان لا يمكن الوصول لحلها بشكل جذري، إلا بإشراك جميع قوى الوفاق الوطني للمجتمع، والحلول الأحادية لصانعي القرار << المؤتمر الوطني >> تزيد أزمات البلاد حدة، والجنوب في طريقه لتكوين دولة مستقلة، والوضع إذا إستمر على هذا الحال، فإن مستقبل السودان لن يكون مصير الدولة اليوغسلافية السابقة فحسب، بل ينصب في مجرى الصوملة.

نقلاً عن الصحافة

 

 

 

Mohamed Adam [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]