Mohamed Adam [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

المقالة التي سطرها الكاتب والمفكر البريطاني باتريك سيل في صحيفة الحياة اللندنية بعنوان: السودان بحاجة إلى تحرك دولي، إسترعت إنتباهي، وخاصة حديثه التالي: لا يبذل العالم المنهك بالمأساة الإنسانية التي تشهدها هايتي وبالحرب الأفغانية وببروز تنظيم "القاعدة" في اليمن سوى جهود قليلة في ما يتعلق بمسألة السـودان. لكن إن تم الإستمرار في إهمال معالجة هذا الموضوع، فبوسع الأزمة التي تلوح في الأفق  في السودان أن تغطي على كل هذه المسائل. تبدو مشاكل السودان كبيرة إلى حد أنه لا يمكن تركها ليحلها السودانيون أو العرب و الأفارقة(مشاكل السودان الكبري: هما مستقبل جنوب السودان والإنفصال في حال الموافقة عليه، وغياب الحل لأزمة دارفور الطاحنة منذ إندلاع الحرب فيها ). والمطلوب مبادرة دولية، ربما بقيادة مشتركة بين الولايات المتحدة والصين(مال الغرب إلى دعم جنوب السودان، بينما وقفت الصين  إلى جانب حكومة الخرطوم، وهي المستثمر الأكبر لموارد البلاد)، لإنقاذ أكبر بلد في أفريقيا من حرب أهلية جديدة ومن إنهيار محتمل للدولة الموحدة، الأمر الذي قد يخلف عواقب وخيمة على إستقرار معظم الدول في شـرق أفريقيا ووسـطها. ووصف الكاتب البريطاني موقف الدول الغربية الضامنة لإتفاقية نيفاشا بالتنصل عن تعهداتها(الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، والنرويج) حيث أعلن وزراء خارجيتهم: يجب أن يقوم السودانيون أنفسهم بحل المسائل المتعلقة بمستقبل بلدهم.

ربما أسهل المهمات على الطبقة السياسية في السودان هي: المحافظة على وحدة تراب الوطن! لهذا السبب لا تجد هذه "الطبقة السياسية" كبير عناء، ولا  تستشعر أي قدر من الحرج وهي ...تهدم الدولة. وهكذا تجد الرعية في السودان مشكلة في علاقاتها مع الدولة،  لأنها تجد نفسها دائما بلا > دولة<، أو بتحديد أدق خارج الدولة جميعا، المهدمة بالحزبية الضيقة. ولشدة ما نعت  الحاكمين الجدد سلفهم بالفساد وإستغلال النفوذ، ولكن الطرفين سرعان ما يشتركان (ولو بعد حروب صغيرة أو كبيرة) في حكومة ، تعرف بحكومة الوحدة الوطنية!  ويتعهدان بمكافحة أسباب التردي، وإستتئصال مبررات المحسوبية والحزبية الضيقة والفاسدين، واخضاع التوظيف لمعايير صارمة، وينتهى الأمر بإستبدال السيء بالأسوء... أليس أهل الطبقة السياسية من يضعون المعايير والمقاييس للتعيين من أجل إدارة دولاب الحكم؟ بلا! ولكن نادراً ما يخاطر سياسياً من ذوي القرار بأن يأتي بأصحاب الأفكار والكفاءات والأراء العلمية، المستعدون لأن يقولوا >لا<  ولأن  يواجهوا الخطأ ويفضحوا الخاطئين والمقصرين، بغض النظر عن إنتمائهم... ويتباهى أركان الطبقة السياسية بأنهم يستوردودن عمالة رخيصة من الخارج، مما يضطر أصحاب الكفاءات(الذين يأبون هدر كرامتهم) للهجرة والإغتراب، وهكذا يتحقق دخلاً إقتصاديا عظيماً..!

أنشد  أحد الشعراء المعاصرين.

ما زلنا في غرف التخدير  على سرر التخدير ننام                                                   

والعام يمر وراء العام       وراء العام وراء العام                                                   

والارض تميد بنا والسقف    يهيل ركاما فوق ركام                                                  

إن توصيف المرض لا يزيده بل يساعد على معالجته، خاصة أن مصلحة البلاد والعباد، ورفع المستوى المعيشي لحياة الناس بالمساواة العادلة، وصيانة الحقوق والحريات، ومشورة كافة أهل الرأي للمجتمع من أجل المحافظة على وحدة أرض البلاد، والخرج من الواقع المر الذي نحن فيه، يقتضي عدم السكوت. كما ان التعامي عن رؤية الأخطاء، والإستمرار في التخدير والتبجج بمنجزات لم تحقق، وإستعراض إنجازات غير موجودة إلا في خيالنا، والمبالغة بأدوار لا يراها أحد ولا يلمسها، وتقديس من لا يستحق التقديس، والسـكوت على الواقع الأليم ، وتجاهل الحريات، والحقوق المكتسبة شرعا، والإنفراد الأحادي بإتخاذ القرار،جميعها تقود إلى تشرذم السـودان.                                   

إن الشعب السوداني لا يعاني من فقدان الذاكرة كما يتصوره الكثير من أقطاب السياسة السـودانية، ويتوقع منهم جميعاً - وبلا إستثناء-الإعتراف بتحمل مسـؤوليتهم عن الكارثة التي شاركوا في صنعها منذ فجر الإستقلال والتي تعيش البلاد اليوم أخطر مراحلها(التفكك)، بل تقديم الإعتذار لما حدث  والمشاركة الصادقة في الحل. ويخيم في سماء الوطن بوادر الإنفصال الأليم،  حيث أكدها المشير البشير في يامبيو بأنهم سيكونون أول المعترفين بدولة الجنوب حين يقررها الإستفتاء المنتظر، والمساهمة الفاعلة في بناء الدولة الجديدة! إنه سيكون إنفصالا يحرق الأخضر واليابس في السودان والحدود اللاصقة، بل يمتد آثاره إلى ربوع القارة الإفريقية والمنطقة العربية. لقد  إنفصلت باكستان عن الهند، ولم يكن إنفصالا سلساً كما روج له(أعقبته مجازر دامية بين الهندوس والمسلمين، مع إستمرارية العداء حتى اليوم)، بل جاءت تبعاته بإنفصال دموي آخر، هو إنسلاخ داخل البيت الإسلامي وتكون دولة  البنغال المستقلة، ولا يعرف اليوم أي مصير يتربص الدولة الباكستانية الباقية، سائلا المولى الكريم أن لا يطال السودان نفس المصير، وأن لا تحل >أبيي< محل> كشمير< كما يروج له  الأكادميون في مراكز الدراسات الإستراتيجية   .                                                     

كان ويمكن تفادي ما يجري في البلاد اليوم. لكن إنعدام الإرادة السياسية  الصادقة  الجادة وغيب الوفاق الوطني، والمراوغة والنكوص بالإتفاقيات والتعالي المشفوع بالإزدراء على أبناء الوطن الواحد، والإنفراد الأحادي بالقرار الملازم لإستمرارية طبقة حاكمة من نخبة إقليم واحد، بل التهميش المتعمد   والممارس لأبناء السودان الآخر، منذ عشية الإستقلال من قبل كل الذين تهافتوا على كرسى الحكم، هذه جميعها عثرات في الطريق السليم لحل مشاكل السودان العاجلة.                                 

تلقيت عبر بريدي الإلكتروني رسائل حول تقديم إقتراحات لحل قضايا البلاد الملحة العاجلة، وفي طليعتها مشكلة دارفور. أي رؤية تبقت؟ وأي حل يكمن الإدلاء بها حول هذا الأمر؟ والنيل إمتلأ وفاض بالحلول البناءة لإخراج  هذا البلد الكريم من محنه، والتي في طريقها لتجعل منه أشلاءاً. إذا أراد أصحاب القرار في المركز ذلك، فهم قادرون بالزمن القليل المتبقي، لإخراج البلاد من مشاكلها. إنهم لا يتخذون قراراً غير متلائم ومنسجم مع مثلث حمدي(معروف لجميع السودانيين)، والذي قسم منذ فترة البلاد الى جاذب وطارد(الإزدهار لمناطق النخبة ...، والركود الدائم لأرض المهمشين). بل ستكون الحكمة في قرار المركز، إذا أراد درء خطر التفكك، وإلا: " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان "، حيث لنا شمالنا ولكم جنوبكم! ولكن ليعلموا لن يبقى لهم شمالهم ولا جنوبهم، وأنما أبغض وأمر من ذلك بكثير؟

إن الأذكياء الذين كانوا يحلمون  في تجنيد الحركة الشعبية للوصول إلى دفة الحكم، فالحركة أبرزت ذكائها و فازت بالمبارة. نعم لقد عرف الراحل قرنق كيف يتعامل معهم، وجاء بالحركة عبر نيفاشا محمولاً على أكتافهم ليحكم الإقليم الجنوبي، بل حقق لها ما كانت تصبو إليه من أهداف، وتركهم  يتخبطون على  قارعة الطريق. وتعلم أبناؤه كيفية المحافظة على إستمرارية الدرس، حتى الوصول لمرحلة ترك الأبواب مفتوحة للتحالف الإنتخابي مع المؤتمر الوطني، وقبر بذلك تجمع "جوبا" كما تم  دفن سلفه "التجمع الوطني" من قبل.                                                                  

من هذا المنبر أناشد أبناء دارفور الذين يتوهمون بكرت الحركة، أن يتعلموالدرس من مرارة الحنضل الذي تجرعه "تحالف جوبا"، ومن قبله "التجمع الوطني"، وصولاً لرهائن جوبا والمرحوم صديق مساليت. أن الحركة الشعبية شقت طريقها بجدارة نحو أهدافها، ووظفت كل إمكانياتها الداخلية والخارجية من أجل ذلك. والحل في مشكلة دارفور، يكمن في أبناء دارفور أنفسهم(دارفوري-دارفوري)، بتوحيد كلمتهم ورؤياهم، ونبذ خلافات الماضي. ويجب توظيف الأقلام لحل القضية، وليس إتباع المهاترات عبر الأجهزة الإعلامية. لن تحل الدوحة ولا غيرها أزمة الإقليم، ما لم نحل مشاكلنا، ونجمع شملنا، ونوحد كلمتنا، وبهذا نظهر للآخر قوتنا، ونجبره للجلوس والتفاوض المباشر معنا، وطي ملف مأسات أهلنا.