عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
اتفق مجموعة من الباحثين في علم السياسة والاجتماع ان هناك نمط من الجماعات يظن نفسة معصوما من الخطأ، يعاديك اذا انت اختلفت معه، يوهم ان ما يقوله أو يعتقد به هو عين الصواب، وان الحقيقة لا يمكن ان تتجلى الا من خلاله وعبر ما يراه، فالخلاف معه يتخطى الاختلاف في الرأي الشخصي الى الخروج على الحقيقة المقدسة ، التي تكتسب في هذه الحالة سمات علوية تجعل جهلها جاهلية والاختلاف معه كفرا. وهو يعبر عن تعظيم ذاته وتحقير الآخرين، ويقسم البشر الى فئتين واحدة منهما تضن جماعتنا، والثانية من لا ينتمون إليها. فالخلق فئتان هم "نحن" و"هم" مع تزويد ال"نحن" بصفات الحق والخير والجمال، وال"هم" باوصاف شيطانية تجردهم من انسانيتهم. قد يرتكب هذا النمط من الجماعات اخطاء قاتلة، وقد يعبر عن آراء متناقضة في كل امر، مع ذلك، هو دوما على حق ولا يأتيه الباطل من بين يديه او من امامه وخلفه. وهو لا يراجع مواقفه، فأن اجبره ظرف او موقف على الشك ما يصنع او يعتقد، انصب جهده على اعادة انتاج وضعه وموقفه السابقين، فكأنه يقول: الخطأ، ان وقع، يكون في الواقع وليس عندي.


وهناك نمط من النظم السياسية والحكومية يرفض بدوره ان يكون على خطأ، حتى عندما يمارس هو نفسه النقد الذاتي ويقر باقتراف الاخطاء. ويصف المراقبون السياسيون النظام الحاكم في بلدنا: "يرفض أن يكون على خطأ ، وكي يكون دائماً على حق، تراه يتبنى قوسا واسعا ومتناقضا من الآراء والمواقف، لإعتقاده أن هذا سيمكنه من احتواء أي رأي أو موقف يظهر أو قد يظهر لدى فئة من الشعب، وسيقضي إمكانية أن يكون على خطأ، وسيجعل الحقيقة ملك يديه، لأن المجتمع(الرعايا) لن يتمكن من الاستمرار خارج دائرة آرائه ومواقفه وأفكاره".


وبالمقابل هناك عدوان لهذا النمط من الافراد والجماعات والحكومات هما: الرأي الآخر، والذاكرة. يجعل الرأي الآخر الى الحرية الشخصية والسياسية، وتحيل الذاكرة الى الوعي الشعبي والضمير الجمعي المستقل عن الراهن، بغض النظر عن درجاتهما وطابعهما. بما ان الحرية تعني الحق في الاختلاف والحوار والمشاركة، والذاكرة تعني، في جملة ما تعنيه، قدرة الفرد والجماعة على مواجهة سوء الحاضر بألق الماضي، والوعي النخبوي بالوعي او اللاوعي الجمعي، فان هذين العدوين يظلان هدفا يسعى الى تقويضه المعصومون من جميع الاصناف, الذين يدعون احتكار الحقيقة ويضعون عصمتهم فوق اي حق، وهم يعتدون دوما وصورة كيفية ومفتوحة على حريته وذاكرته، باعبارهما عدوان يجب التخلص منه والاجهاز عليه بأي ثمن.


ويعيش أصحاب الرأي والرأي الآخر في بلدنا محنة حقيقية، لان الوطن لا يدار من بيروقطراطية تخطئ وتصيب، بل من آلهة يظنون أنفسهم فوق وخارج الخطأ والصواب، يقولون للأشياء كن فتكون، فلا عجب أنها تنكر حق مواطنها في الرأي الآخر، ويعتقد أن حرية المواطن تبلغ الذروة، عندما يتبنى أراء ومواقف حكامه، مهما تعارضت مع أرائه ومواقفه.


ولا يعاني المواطن السوداني من فقدان الذاكرة(التحسر على مرحلة الرخاء)، ولكنه اصبح يبحث عند فلق كل صبح جديد على سبل امكانية الحصول على سد لقمة عيش عائلته من المتطلبات اليومية، مما يدخله في دوامة متاهات تقلص التفكير، وعدم القدرة في تأمل احداث المجتمع وقضاياه العاجلة. بالطبع يقود هذا الى منعطف التشنج والاستكانة للتهميش والفقر، في وقت تنسد فيه ابواب الهجرة الشرعية.


ومن خلال ما تقدم تعود بي الذاكرة إلى مقالتي التي نشرت في جريدة الصحافة وأيضا صحيفة سودانايل الإلكترونية عام 2009، تحت عنوان < السودان بين التفكك والبقاء المؤقت> ، وتحدثت فيها عن سلطة الأخطاء القاتلة والجهود المبددة، والفرص المضيعة، التي تجعل شعبها يدفع كل مرة لإستبداها القاتل وإحجامها عن التعلم من التجارب والوقائع ثمنا غاليا، وعن إدراك حقيقة أنه سيكون هناك من أقوى منها، وأكثر سلاحا من جيشها، وأشد عدوانية من قادتها، وان ممارستها الضيقة تشجع غيرها على العنف وتعطيه الضوء الأخضر لتدمرها والقضاء عليها(انفصال جنوب الوطن، يوم السبت التاسع من يوليو/ تموز 2011). ولتجنب ذلك، والمحافظة على بقية أرضنا الحبيبة، علينا أن نضع برنامجا لإستخدام الإمكانات المتاحة، لكن الحرمان هو الشائع، وهذا ما يزيد القلق.


لدينا الكثير مما لا نستفيد منه، وهذا هو الهدر الذي يكاد يبلغ حد التدمير الذاتي. لدينا أرض زراعية وافرة خصبة، لكنها لا توفر حتى الأمن الغذائي للمواطن السوداني، بل رهنت للاستثمارات الخارجية والتصدير، ويخيم على البلاد سمة (المجاعة أو "الفجوة الغذائية كما تسميها السلطات")، علما بأن السودان كان يرجى منه أن يصبح سلة غذاء العالم العربي. لدينا المياه الجوفية والسطحية، بل النيل بفروعه المتعددة، ولكن الكثير من شبكات المياه تظل خارج العمل، والعطش يسود أرجاء البلاد. لدينا عدد ضخم من المستشفيات والمراكز الصحية، لكنهم لا يوفون بخدمة الجماهير الفقيرة، والأمراض الفتاكة متفشية في السودان، بل هجرة الأطباء والكوادر الطبية الفنية المتخصصة هي السمة السائدة في البلاد. لدينا الفقر والبطالة والعطالة وهجرة الكفاءات الماهرة ولا علاج سوى الإزدياد المطرد لسيطرة الفساد والمحسوبية. لدينا طاقة كهربائية تفي حاجة البلاد، بل تتجاوزها للتصدير، لكن إنقطاع التيار الكهربائي والخروج المستمر لتوربينات سد مروي عن الشبكة الرئيسية(مسلمة: لن تدخل حتى يلج الجمل سم الخياط)، والظلام الدامس هو الواقع. لدينا الكثير من المدارس والجامعات ودور العلم المختلفة، لكنها تنتج جيوشا جرارة من العطالة، والسلم التعليمي وصل أقصى درجات الإنحدار ويوصف بالأمية المقنعة(علما بأن السودان كان يضرب به المثل في المستوى التعليمي على جميع النطاق في القارة الأفريقية والمنطقة العربية، بل عالميا). لدينا الكثير من الكفاءات العلمية النادرة في بلاد المهجر الإجباري ، ولا مكانة لها في أرض الوطن. لدينا الكثير من المال يصحبه فقر واسع الإنتشار للغالبية الساحقة للمجتمع السوداني. لدينا الكثير من ملياردات العملات الصعبة المستثمرة في الخارج، والبنك المركزي ينزف من شح الإحتياطي النقدي له مع تهاوي متسارع لقيمة العملة الوطنية، وتصاعد فاحش لإسعار السلع الإستهلاكية ليزداد غلاء المعيشة. لدينا ثروة حيوانية من أضخم الثروات في أفريقيا وجهت للتصدير، والمواطن يسيل لعابه عندما يرى اللحم في الجزارة ولا يستطيع شرائه. لدينا أيضا ثروات ضخمة لا تستخدم للإنتاج بل للإستهلاك وخاصة المضاربات العقارية. لدينا جهاز مصرفي يطمئن دائما بالثقة دون أن يشرح لنا ماهيات آليات النظام المالي والإستفادة منها. لدينا الكثير من المال في البنوك وعجز في موازنة الدولة وتسول المساعدات. لدينا الكثير من الثروات الدفينة المستخرجة، ولا يعرف أين وكيف ذهبت وتذهب أو بددت عائداتها بالعملات الحرة!(انتاج النفط والذهب). لدينا قطاع سياحي جاذب، ولكن لا توجد خطة هادفة لإستثماره. لدينا سكك حديد كانت الشريان الرابط لإجزاء السودان، لكنها أصبحت خردة معطلة وحلت مكان محطاتها العمارات الخاصة الفخمة. لدينا الطرق التي لا علاقة لها بالبنية التحتية المعروفة، التي تفتقرها غالبية مدن وريف الوطن. لدينا نظام إتصالات هاتفية وإلكترونية كثيرا ما تظل خارج الشبكة. لدينا الكثير من السلاح الذي لا يستخدم للدفاع عن الوطن، أنما تتزلق نحو الحروب الداخلية وتحصد دماء المواطنين. لدينا الكثير من الأجهزة الأمنية ولا علاقة لهم بالأمن بل لتكميم الأفواه والصون القسري للنظام. لدينا سياسيون فشلوا في كل شيء ماعدا الخطب الجوفاء، ويملكون الكثير من الشطارة وقليل من المعرفة. نعم لدينا الكثير مما لا نستخدمه، أو ننسى إستخدامه، بل الفوضى والإستبداد وأحادية القرار هما نمط الحكم السائد.


أن عصمة النظام مرض قاتل، سرطان لا دواء له ولا شفاء منه. وتمسك أصحاب القرار بهذا النظام القائم في إدارة البلاد، والمحافظة عليه، رغم ما سببه ويسببه من ويلات في جميع المجالات، فإنه يحسن على أصحابه استعادة صواب العقل، قبل الانجراف مرة أخرى نحو قطع عضو هام من جسم الوطن. ولا يستطيع أي احد من اطراف الطبقة السياسية (التي حكمت والتي تحكم) التنصل من المسؤولية عما حدث ويحدث. ولابد للقابضين على زمام الحكم في بلدنا من الإقرار بالخطأ، لأن فيه الحكمة والتواضع، قبل أن يتحول إلى مرض عضال غير قابل للشفاء.