MOHAMED MUSA GUBARA [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.] 

 

"نحن جئنا ووجدنا السودان موحدا وسنتركه موحدا"

عبارة وردت على لسان الرجل في خطابه لسلاطين الجنوب بمناسبة أعياد الميلاد بجبل أولياء حسبما ورد عن صحيفة الرأي العام 27 ديسمبر 2009.

كلام يحمل بين طياته أكثر من مدلول إذا ما اعتبرنا الرجل من الذين يعتد بتصريحاتهم الصحفية والفضائية...

أولها أن جماعة الإسلام السياسي التي يمثلها المؤتمر الوطني قد شعرت لأول مرة بعظم المسئولية الملقاة على عاتقها نتيجة عبثها بالسلطة طيلة العشرين سنة الماضية.

ثانيها إحساسها بوخز الضمير، رغم شكي بأن لهؤلاء القوم ضمير، لما سيؤل إليه حال السودان بعد الاستفتاء سواءا كانت النتيجة لصالح الانفصال أو رفضه.

ثالثها أن هناك تيار في داخل الحزب يرى من الضروري التخلص من السلطة في الانتخابات القادمة بالسماح بإجراء انتخابات حرة ونزيهة، أو على الأقل قبول مشاركة آخرين في السلطة بصورة تحمي ظهورهم من المساءلة حتى لا يقال إن الانفصال قد وقع في أثناء حكم الحركة الإسلامية للسودان...

ربما هذا الاحتمال الأخير هو الأكثر ترجيحا فيما يمكن فهمه من كلام مندور المهدي...إذ لا توجد نسبة واحد في الألف من إمكانية تسليم السودان موحدا في ظل الحكومة الحالية، بالتالي ليس هناك سوى استنتاج وحيد هو تسليم السلطة قبل إجراء الاستفتاء...

الحكومة ليست لديها أية أوراق أخرى يمكن أن تلعبها في هذا الأمر، ولا يوجد من بين منتسبيها من لديه الخيال والقدرة على قلب الطاولة واتخاذ الخطوات الحاسمة في مسألة انفصال الجنوب بالإتيان بما يقنع الجنوبيون بأن هذا وطنهم كالآخرين...

إذن هي لحظة مواجهة الحقيقة...

فمن يجرؤ على تحمل مسئولية فصل ثلث أي بلد في العالم؟ هذا أمر قد يتبناه رجل الشارع العادي the lay-man أو أطفال السياسة الذين لا يقدّرون عواقب اللعب بالنار من أمثال الطيب مصطفى وجماعة الإنتباهه ومن يقابلهم من إنفصالي جنوب السودان...غير أنه يصبح بعضا من الغباء إذا حدث تحت حكم من يدعون توجها حضاريا عالميا يتخطى أفريقيا إلى العالم أجمع...

لم يكن هذا البعد مطروحا ولا معلومة نتائجه عندما استولت الجبهة الإسلامية القومية على مقاليد الحكم في العام 1989...ولم تكن أدبيات الحركة الشعبية على أيام الراحل جون قرنق تتحدث عن انفصال، كان همها بناء سودان جديد يقوم على تقصير ظل المركز ونقل كثير من سلطاته إلى الهامش...

مستوى عدم المسئولية الذي أديرت به البلاد عقب ذلك الانقلاب كان يوحي لأي مراقب للشأن السياسي السوداني بأن السودان قد دخل مرحلة جديدة ليست كسابقاتها...مرحلة انعدمت فيها أية رؤية سياسية خلاف التركيز على البقاء في السلطة وبأي ثمن...

لقد استغرق أمر تأمين السلطة جل جهد وطاقة من قاموا بالانقلاب، تماما كما يفعل السراق للاحتفاظ بسرقتهم...بل كانت حرب الجنوب الجهادية في حد ذاتها أحد وسائلهم في التعبئة الدائمة ودرء الخطر عن الخرطوم بتوجيه القوة الضاربة إلى الجنوب...

كان القوم يقولون إذا صمدنا شهرا واحدا نستطيع أن نصمد شهرا آخر، وإذا صمدنا ستة أشهر ربما نستطيع الصمود عاماً كاملاً...

حدثني من كان قريبا من الأمر وقتذاك بأن من وفدوا إلى السودان لمساندة القوم في إقامة الدولة الرسالية، كانوا يقولون لهم إذا صمدتم سنة لن يستطيع أحدا أن يزيحكم من السلطة، فقط عليكم إخافة الطامحين في التغيير بأقصى ما تستطيعون من إرهاب...وقد كان...

اليوم حصص الحق وأحس القوم بأن التاريخ سيكتب في سجلاته أن السودان كان دولة موحدة منذ ما يقرب القرنين من الزمان إلا أنه انفطر إلى دولتين تحت حكم الجبهة الإسلامية القومية في العام 2011...

هل طاف هذا الأمر بذهن القيادة عندما أعلنت حربها الجهادية على أبناء الوطن الواحد؟

هل فكر القوم في هذا اليوم الذي سيقرر فيه أهل جنوب السودان مصيرهم بالانفصال عندما قالوا لهم لنا شريعتنا في الشمال ولكم دينكم في الجنوب؟

وهل كان أمر تقرير المصير مطروحا كهدف استراتيجي من قبل الطرف الآخر عندما أقروا به في اتفاقية فرانكفورت، أم كان مجرد ورقة تفاوض ابتلعها مفاوضو الحكومة لقلة خبرتهم في مثل هذه الأمور؟

لام أكول في تصريح له أخير ذكر أن موضوع تقرير المصير كان مجرد ورقة ضغط على الحكومة ومزايدة على الجناح الآخر للحركة الشعبية...

على العموم ابتلع الجميع الطعم بما في ذلك التجمع الوطني والحركة الشعبية، وصار الشعب السوداني أمام استحقاق غباء قادته السياسيين...

أقرأ كثيرا هذه الأيام ما كتب عن الثورة المهدية...

إعجابي بشخصية المهدي كقائد كاريزمي حمل رؤية معينة كان جزء مما ذكرت في مقدمة كتابي "آن لنا أن نحلم"...

لتوي أنهيت قراءة كتاب "سيف النبي مهدي السودان" وهو نسخة مترجمة لكتاب فيرغيس نيكول

The sword of the profit, the Mahdi of Sudan and the death of General Gordon

الكتاب ترجمه صديقنا الدكتور عبد الواحد عبد الله يوسف وهو ما حفزني على قراءته باللغة العربية رغم عدم ميلي إلى قراءة التراجم أن كان في مقدوري قراءة ما كُتب بلغة المصدر...

رغم فارق المائة عام بين اندلاع الثورة المهدية وانقلاب الإنقاذ إلا أن الذي جمع بين الأثنين هو اعتماد الإسلام كوسيلة ومسوغ نظري للوصول للسلطة...وتوسلهما للجماهير بالعقيدة الإسلامية لتحقيق غاياتهما...

ورغم الفارق الزمني الكبير أيضا، وبالتالي حاصل التعليم والتعلم وناتج المعرفة في هذه الفترة الزمنية الشاسعة إلا أن ميزان المقارنة يميل إلى صالح المهدي بنسبة رجحان كبيرة تفوق مئات المرات إمكانات إدارة الإنقاذ للبلاد رغم العلم الحديث والمعارف المرسلة والمتاحة للذين استلموا السلطة في 1989.

المهدي استطاع في خلال أربع سنوات فقط أن يوحد خلف راياته معظم قبائل السودان بما فيها تلك التي لا تدين بالإسلام، واقتلع حكم مزدوج استمر طيلة ستين عاما لإمبراطوريتين كانت أحداهن لا تغيب الشمس عنها...

ذكر د.فرانسيس دينق إن أبناء الدينكا تغنوا للمهدي:

"إنه المهدي ابن دينق،

الذي من أجله سجدنا كالنمل على الأرض،

ومن أجل دينق ليكون لنا،

واستحضرنا روح العشيرة لتصاحب دينق"...

لقد جاءه كل فرد يحمل ظلامته بيده وسيفه على كتفه، وقد تقاطعت تلك الظلامات والمصالح مع بعضها في كثير من الأحيان...بين يانقو الدينكاوي والجلابة المتاجرين بالبشر، لكنه استطاع جمعهم تحت راية واحدة...وعندما بدأ حصار الخرطوم كانت هناك كل قبائل السودان ما عدا واحدة أو اثنتين رهنتا إرادتيهما للخديوي في مصر...

كان الخليفة عبد الله وحمدان ابوعنجة عند قلعة أم درمان من الجانب الغربي، وكان عبد الله ود النور من جهة بري، ومحمد خير عبد الله خوجلي على رأس قوة من الجعليين والعبابدة والدناقلة والبشاريين من جهة الشمال في بربر وعثمان دقنة يسد بوابة الشرق، وعبد الرحمن النجومي في الجنوب الشرقي يحرس بوابة الكلاكلة وعاد أبو قرجة بعد الهزيمة ليحتل مواقعه على النيل الأبيض...بينما العبيد ود بدر وعبد الله ود جبارة، على امتداد شرق النيل من الحلفايا إلى أم ضوا بان.

لم يكن هؤلاء القوم يمثلون أنفسهم بل كانت تتبعهم قبائل بكاملها حتى استطاعوا اقتحام الخرطوم قبل أن ينبلج فجر السادس والعشرين من يناير 1885. وتلك كانت معجزة المهدي الحقيقية وليس ادعاءه المهدية...

ما حدث بعد وفاة المهدي يُسأل عنه خليفته عبد الله ود تور شين...

في مقابل تلك الوحدة وبعد مائة وعشرين عاما، منها عشرون عاما من التحكم في السلطة، يقف سودان الإسلام السياسي على حافة التشرذم، وهو أمر حقيقي ومؤكد في حال انفصال جنوب السودان...الضعف يغري الثعلب بالعبث بذيل الأسد...فهناك الأنقسنا وجبال النوبة ودارفور وشرق السودان وكلها على أهبة الاستعداد لتذهب بعيدا عن نير استعمار الإسلام السياسي...

قيل إن بعض قيادات حزب الأمة نقلت لمحمد أحمد محجوب نبأ فقدان أحد مرشحي الحزب لدائرة الحزب المضمونة في شمال كردفان...

علّق المحجوب ساخراً: "من لم يستطع الحفاظ على دائرته لن يحافظ على دائرة حزب الأمة"...

ينطبق هذا القول على منسوبي الجبهة الإسلامية بصفة عامة...فقد قادهم شره السلطة والثروة إلى فصم عروة حركتهم التي ظن البعض أنها غير قابلة للقسمة...ومن المنطقي أن لا يحافظ على وحدة السودان من لم يحافظ على سلامة integrity كيانه...

كثيرا ما شبهت حكم الإنقاذ بحكم الخليفة عبد الله التعايشي، غير أن الأمانة تقتضي أيضا أن نقول بأن الخليفة يجب الحكم عليه وفق ظروفه الموضوعية، وهذا ليس قولي فقد سبقني إليه المؤرخ ب.م.هولت...رغم ذلك يرقد خليفة المهدي مطمئنا في قبره...

مات شجاعا مقاتلا وترك السودان موحدا كما استلمه من المهدي، وهذا ما لا يستطيع أهل الإنقاذ زعمه بعد العام الحادي عشر من الألفية الراهنة...

غير أن المهم في هذا الأمر أن بعض من القوم قد وصل إلى قناعة بأن المكابرة لا تدير بلدا وأن ما ينتظرهم من استحقاق في مقبل أيامهم أكبر من أن تستوعبه عقولهم المشغولة بنهب الثروات وكيفية الاحتفاظ بها عوضا عن الاحتفاظ بوطن استلموه كاملا وسيسلمونه إلى غيرهم منقوصا...ولن تُصلح دموع التماسيح التي صاروا يزرفونها على وحدة السودان، ما أفسده دهر حكمهم البئيس...فقد ظلوا يذرفونها كلما أرادوا استدرار عطف سياسينا البلهاء...

في يوم بارد من خواتيم القرن الخامس عشر الميلادي، وقف أبو عبد الله "الصغير" آخر حكام بني الأحمر على مشارف غرناطة يبكي المدينة التي يهم بفراقها إلى الأبد...

قالت أمه عائشة وقد رأته على ذلك الحال البائس:

"يا بني، لا تبكي كالنساء ملكا لم تحافظ عليه كالرجال".

وكم يعيد التاريخ نفسه في صورة مأسوية.

عامكم سعيد

محمد موسى جبارة

خاتمة العام الميلادي 2009