MOHAMED MUSA GUBARA [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

كثيرون من الذين تواصلوا معي عبر الايميل لم يعجبهم قولي عن بؤس حكام السودان السابقين والحاليين..لم يكن معظمهم من مؤيدي هذا النظام أو من الذين يكنون له أي قدر من الاحترام...جلهم اعتقد بأن كثيرا مما ورد في مقالي السابق فيه ظلم لرموز سياسية يمكن الاحتفاء بها حسب تقديري, لمناقب أخرى كثيرة ليس من بينها على الإطلاق منقبة إدارة موارد دولة بالكيفية التي تخلق مجتمع الرفاه، أو على اقل تقدير تمنح الوطن استقرارا سياسيا واقتصاديا يحول بين الناس والعوز وهجر الأوطان إلى بلاد الله الواسعة...

خبراء إدارة الأعمال يشيرون دوما إلى المحصلة النهائية end result للعمل أو الأستثمار، فما هي الحصيلة النهائية لحكامنا منذ الإستقلال وإلى يومنا هذا؟

لا اعتقد بأن هناك من يجهل بأن مساحة السودان تبلغ مليون ميل مربع، وأن هذا المليون من الأميال المربعة ليس بصحراء بلقع, بل يجري فيه أطول أنهار العالم يشقه من أقصى جنوبه إلى أدنى شماله، تصب فيه أنهار وأودية تزيد عن العشرة نهرا ورافد, تأتي من أماكن متفرقة لتزود القطر بأكبر نسبة من المياه مقابل عدد السكان...مياه جارية فوق الأرض وأخرى مخزونة تحتها وثالثة تهبط من السماء على مدى ستة أشهر بمتوسط 65 سنتمتر في السنة...

به 200مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة، أي أنها لا تحتاج لاستصلاح أو معالجة للتربة، رغم ذلك لا نستثمر منها سوى 10 في المائة فقط...

إلى جانب ما توفره لنا هذه الأنهار من مياه فهي أيضا وسيلة مواصلات سهلة ورخيصة لنقل البضائع والبشر، لكننا أيضا لم نستغل تلك الوسيلة للترحيل وخفض تكلفة الصادر..."ما زال نهر الراين في أكثر الدول تقدما "المانيا", تمخر عبابه البواخر لنقل البضائع إلى شواطئه المختلفة"...

بالسودان ما يعادل 300 مليون رأس من الماشية ترعى على هواها دون استثمار يذكر في تحسين نوعيتها أو تقنيات حديثة لتطوير منتجاتها والاستفادة منها في سوق يتضور جوعا...

به غابات استوائية تذخر بكل أنواع الأخشاب التي تصلح لكل ما يمكن أن يستفاد به منها, بما في ذلك صناعة الورق...

به من المعادن, الحديد والنحاس والكروم والمايكا واليورانيوم والتنغستاين والفضة والذهب الذي أصبح المواطنون يستخرجونه مؤخرا بأياديهم العارية شرق مدينة العبيدية...وقبل ربع قرن من الزمان اكتشفت شركة شيفرون الأمريكية البترول بكميات تجارية، ثم باعت استثماراتها البالغة مليار دولار بثمن بخس خمسة وعشرين مليون دولار فقط بسبب عدم ملائمة البيئة السياسية والأمنية للعمل...

شيفرون تمتلك الخارطة الجيولوجية الكاملة لبترول السودان...استعضنا عنها بتكنولوجيا متخلفة لشركة صينية هاوية تعلمت الحجامة في قفا اليتامى فأرهقت مكامن البترول المكتشف من قبل شركة شيفرون بتقنيتها البدائية...كل ذلك لأننا لم نعي كيفية التعامل مع الاستثمارات الأجنبية وجذبها والاحتفاظ بها...مدير شركة تاليسمان الذي أرغمه حاملو الأسهم على وقف العمل في السودان نتيحة السياسات الخرقاء التي يتبعها النظام، قال في حديث للبي بي سي: "لقد وقعنا على كنزٍ من الثروة"...هل استوعب القوم هذا الكلام؟

السودان به من المنتجات الزراعية ما لنا فيه ميزة تفضيلية كالسمسم والفول والذرة الخشنة والصمغ العربي الذي كنا إلى وقت قريب نصدر منه أكثر من 90% من احتياجات العالم, وكل هذه من المنتجات التي لا تحتاج لجهود تذكر أو تقنية محدثة أو مياه كثيرة لأنها تعتمد في الغالب على مياه الأمطار الموسمية...هذا بالإضافة للفاكهة الاستوائية التي لم نستغلها الاستغلال الصحيح بتصديرها إلى العالم الذي أصبح يتذوق هذا النوع من الفواكه أكثر من غيرها من منتجات البساتين...

قبل ما يقارب القرن من الزمان أنشأ لنا الإنجليز مشروع الجزيرة الذي يُعد أكبر مشروع في العالم يُدار كوحدة أنتاج زراعية، لينتج أجود أنواع القطن طويل التيلة، وكان ينبغي له أن يستمر في إنتاج القطن لو أن بالسودان عقول تعمل بصورة صحيحة، فما زال القطن المادة المفضلة للملبس كما أنه غير ملوِث للبيئة وتمتاز شجرة القطن بأن كل شيء فيها يمكن الاستفادة منه, أي ليس هناك ما يرمى من شجيرة القطن...

أنشأ الإنجليز أيضا المشروعات الزراعية في الزيداب وجبال النوبة والزاندي ودلتا طوكر ووضعوا الأسس لمشروع الرهد الزراعي, وكل ذلك ليس فقط لتغطية الاستهلاك المحلي بل للتصدير إلى خارج القطر...

هل حدثتكم عن إمكانياتنا السياحية المتعددة في الدندر وجنوب السودان وجبال النوبة والبحر الأحمر وما يمكن أن تجلبه من موارد مالية للقطر؟

واستطرادا لحديثي السابق عن التعليم، فقد نال أبناء السودان من الزراعيين أكبر نسبة من المنح الدراسية الأمريكية في هذا المجال حيث يزخر السودان حاليا بعدد وافر من العلماء الذين استطاعوا الاستفادة من تقنية التعديل الجيني للفواكه والخضر قبل زمن طويل من وصول هذا العلم إلى سمع العامة من الناس...

قبل أكثر من أربعين عاما أطلعت على ما ينتجه الخبراء السودانيون من أنواع مختلفة من الفواكه والخضر المعدلة جينيا في محطة الأبحاث الزراعية بالحديبة بالقرب من مدينة الدامر...هذه المحطة ومعها محطة أبي نعامة أصبحتا في خبر كان بعد أن ساهمتا مع أخريات في أنتاج نوعيات مختلفة من القطن والذرة والمنتجات الزراعية القادرة على مكافحة الآفات الزراعية...توقفت بسبب نقص التمويل وعدم الإهتمام بالبحث العلمي التطبيقي...

بالسودان أعداد كبيرة من المهندسين جيدي التعليم والتدريب والمتخصصين في كافة مجلات الهندسة بما في ذلك الطاقة النووية...

في CERN المركز الأوروبي لأبحاث الذرّة على الحدود السويسرية الفرنسية حيث يجرى حاليا البحث عن أصل نشأة الكون بمحاكاة الأنفجار العظيم big bang ، كان هناك عالمان سودانيان ربما لم يسمع بهما الكثيرون, هما بروفسير محمد عبد الكريم وبروفسير محمد الأمين التوم...هذان العالمان يعيشان بالطبع خارج السودان لخبال العقل السياسي السوداني...وقد يكون أمثالهم كُثر ممن لم أسمع بهم أنا أيضا...

مشروع الطاقة الشمسية في مدينة ينبع بالسعودية بدأه سودانيون ممن تلقوا تعليم متقدم في هذا المجال...وثورة الاتصالات التي انتظمت دولة الإمارات العربية المتحدة في نهاية سبعينات القرن المنصرم لم يكن على رأسه سوى المهندسون السودانيون الذين تلقوا تعليما متخصصا في هولندا...

يوجد في بريطانيا وحدها أكثر من 2000 طبيب سوداني متخصص، وما يعادل ثلاثة أضعاف هذا العدد من غير المتخصصين الذين يمارسون أعمالهم في أكبر مستشفيات المملكة المتحدة...

مع وجود هذا الكم من الموارد الطبيعية والبشرية ماذا فعل حكام السودان لخلق دولة حديثة؟

هل أكون رميتهم بالباطل إذا وصفتهم بالسفه وهي كلمة تقل درجة في الحدة عن العته؟

ماذا فعل القادة السياسيون السودانيون ليضعوا كل هذه المعطيات في خطط سياسية تخلق وطنا جاذب لأهله؟

حال حكام السودان كحال طباخ أخرق توافرت لديه كل عناصر الطبخة بالإضافة إلى الوصفة لتحضيرها لكنه بإحراقه للطعام فشل في طهي صحن يصلح لإطعام الناس...

سيقول البعض إن حكام السودان جوبهوا بتمرد الجنوب قبل الاستقلال ببضعة أشهر مما أقعدهم عن مواصلة البناء والتعمير...ثم جاءت بعد ذلك الانقلابات العسكرية وانقطاع حبل الديمقراطية في دولة لم تتركز فيها عناصر الاستقرار بعد...فإذا كان هذا العذر صحيحا، فما هو دور السياسي أن لم يكن التصدي لمثل هذه المسائل وايجاد الحلول المناسبة لها؟ أوليس لهذا السبب أختار هو أن يكون سياسيا ليدير الممكن أيا كانت الظروف؟

هل كان السودان أسوأ حالا من اليابان المهزومة في الحرب العالمية الثانية والخالية من الموارد الطبيعة أيا كان شكلها؟

هل كان أسوأ حالا من سنغافورة وتايوان وتايلاند وماليزيا وجميعها دولا استقلت عقب نيل السودان استقلاله؟

أمريكا التي لا أكف عن الحديث عنها لوجه الشبه بينها والسودان من حيث الموارد الطبيعية, لم تكن سوى دولة زراعية قبل قرن من الزمان وكانت بها حرب أهلية شمالية  جنوبية كالتي كانت لدينا, فهل لطم سياسيوها الخدود وشقوا الجيوب ودعوا دعاء الجاهلية الأولى على ما حلّ بهم, أم خرجوا من رماد مصائبهم كالعنقاء ليبدعوا ويقودوا العالم بعد حين؟...

تجربة أمريكا وغيرها من الدول تثبت أن المصائب حافز لإيجاد الوسائل للتعامل معها وليس البكاء عليها...

سيقول آخرون إن السوداني بطبعه كسول ولا يمكن التعويل عليه في الإنتاج والتطوير...ومع تفاهة هذا الإدعاء الذي أثبت سودانيو المهجر خطله, فهو يقع ضمن كلام العوام، إلا أننا تعودنا على سماع الكثير من الترهات هذه الأيام من غير العوام أيضاً...

العالم لم يكتشف حتى لحظة كتابتي هذه جينا مسئولا عن الكسل حتى نقول إن السودانيين باختلاف أجناسهم وأصولهم العرقية يحملون هذا الجين إن وجد...

هناك بيئة عمل مواتية أو طاردة, وشروط عمل مجزية أم مجحفة, وإنتاجية الإنسان تعتمد على هذين العاملين إذا ما توفرت له الصحة البدنية والذهنية, فهل وفرنا له ذلك حتى نلومه؟ هل خلق السياسيون البيئة المواتية للعمل والإنتاج والإبداع الذهني للإنسان السوداني الذي ظل يبدع ويعمل خارج بلده أكثر من داخلها؟

الإجابة بالطبع لا, ولعين هذا السبب استغل الآخرون قدراتنا الذهنية والبدنية بينما صارت بلدنا دولة متخلفة وفاسدة وفاشلة تستورد سائقي البصات وعمال النظافة من الخارج!!!

كل ذلك من صنع أيدينا نحن لا أيدي عمْر فلا يجب أن نجيير فشلنا للغير...

السياسة أخطر من أن تكون مهنة من لا مهنة له، وأسمى من أن يعمل بها أو يسيرها العاطلون عن الإبداع أو عوام الناس وغوغائيوهم من الشعبويين، إنها إبداع العقل البشري في أرقى صوره, لذا نرى بعض البلدان تتقدم باضطراد وبلدان الحس السياسي المتبلد تتقهقر بانتظام للدرك الأسفل...وليس هناك أسفل من السماح بتفتيت وحدة الوطن...

هل هذه بكائية على اللبن المسكوب؟

بالتأكيد لا، هي فقط دعوة لإستنهاض العقول التي تؤمن بالمستقبل للإسراع لتأمين مستقبل جيل يشرف على الضياع...

 

7 ديسمبر 2009