MOHAMED MUSA GUBARA [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

ليس في الأمر عجب, فقد ظل الميرغني الحليف الوفي للحركة الشعبية منذ اتفاقه مع العقيد جون قرنق في نوفمبر 1988.

هذا الخبر ورد من أكثر من مصدر وثيق الصلة بالطرفين، بل أصبح البعض يعتبره من المسلمات لإنقاذ السودان بعد أن بلغ السيل الزبى وضربت الفوضى أطنابها في أرجاء المسرح السياسي السوداني...

لقد حير الوضع السياسي الراهن عقول من يتابعونه عن كثب, وفقد الكثيرون الأمل في أن يظل السودان موحدا تحت مظلة نيفاشا, بل أن رجلا في حصافة واتزان دكتور الطيب زين العابدين أجزم بحتمية انفصال الجنوب، بينما ذكر آخرون نقلا عن جهة ألمانية مجهولة النسب أن دستور الدولة الجديدة قد تم تفصيله، وكأنما حياكة دستور لدولة جديدة يحتاج لكبير عناء, خصوصا وأن لدى حكومة الجنوب دستور تدير به شئونها الراهنة. ولم ينسى البعض أن يذكر بأن البنية التحتية لربط جوبا بالمحيط الهندي في طور البناء رغم علمنا التام بأن حكومة الجنوب لا تملك من الموارد ما تبني به طريقا يربط جوبا بملكال...

من يتفهمون العمل السياسي قد لا يفاجئهم أمر ترشيح الحركة للسيد محمد عثمان الميرغني لرئاسة الجمهورية, فهذه المسألة لم تغب عن عقل الراحل جون قرنق في علاقته الممتدة مع الميرغني...والسياسة في نهاية المطاف هي فن إدارة الممكن. والممكن في الحالة التي نحن بصددها هي بقاء السودان متحد, لكن على أسس جديدة لم يكن ليعترض عليها الميرغني, تُحال فيها أجزاء كثيرة من سلطات المركز إلى الهامش وفق تنظيم إداري فيدرالي فعال يُعطي كل ذي حقٍ حقه...

في لقائه الأخير على قناة الشروق (9/11/2009), ذكر مولانا بأنه كان متفقا مع الفقيد جون قرنق على بناء السودان على أسس جديدة...ورغم بداهته فقد صدم ذلك القول أولئك الذين ظلوا يروجون بأن السودان الجديد يُقصد به تهميش القيادات السياسية الشمالية بما فيها الميرغني نفسه، بل وافرقة السودان بطرد العرب والمسلمين منه...ولسوء حظ هذا البلد التعيس فأن هناك كثيرون من ضعاف العقول من يستهويهم مثل هذا الكلام ويصدقونه...

قرنق كان يعلم أن الميرغني وحدوي وينتمي إلى حزب وحدوي يؤمن بوحدة كبرى تتخطى حدود السودان, فلا يمكنه أن يكون على وفاق معه وهو يضمر انفصال الجنوب أو طرد العرب والمسلمين من السودان...المشكلة أن العلاقة بينهما كانت فردية وما يدور بينهما من حوار لا يعلم عن تفاصيله حتى اقرب الناس إليهما...لذا لم يستغرب البعض اعتصام الميرغني بالغربة لزمن طويل بعد وفاة العقيد جون قرنق رغم اتفاقه مع الراحل على العودة عقب توقيع الاتفاق..فقد أثّر رحيل الفقيد على خطوات العمل الاستراتيجي الذي كان سيقود إلى ما ذكرته في أعلى هذا المقال.

مفهوم السودان الجديد كان مطروحا منذ أول يوم أعلنت فيه الحركة الشعبية برنامجها لحكم السودان، رغم ذلك ظل مولانا أقرب الناس إلى العقيد جون قرنق بل كان السياسي الوحيد الذي ابرم معه اتفاقية جادة في نوفمبر 1986, ولغرض في نفس يعقوب تم التآمر عليها بين رئيس الوزراء آنذاك والجبهة الإسلامية التي كانت تعد العدة لانقلابها المشئوم، فوُإدت تلك الاتفاقية في مهدها ودخلت البلاد من ثمّ في هذا النفق الذي نسعى للخروج منه بكل ما أوتينا من قوة...

في حديثه المذكور كشف الميرغني وهو رجل مقل في الكلام، بأنه التقى الرئيس البشير بمعية الراحل قرنق في اسمرا في 26 سبتمبر 2000 بوساطة من الرئيس الاريتري اسياس افوركي...ذلك اللقاء الذي لم يعرف عن أمره كثيرون، مهد السبيل إلى الاتفاقيات اللاحقة في مشاكوس ونيفاشا...ورغم أن أسرار لقاءات الميرغني وقرنق ظلت طي الكتمان إلا أن المقربين من الرجلين لا شك قد لاحظوا كم الاحترام والتقدير المتبادل بينهما...فمنذ اتفاقهما المذكور ظلا يعملان في ظروف لم تكن بأية حال مواتية...رغم ذلك لم يتم عقد أي اجتماع لهيئة قيادة التجمع دون حضور الرجلين، فقد كان كل منهما يصر على تواجد الآخر في الاجتماع حتى لو أدى ذلك لتأجيل ميعاده مرة ومرة...ولم يكِف دكتور جون قرنق عن الرجوع إلى الميرغني في كافة مراحل تفاوضه الماراثوني مع نظام الإنقاذ...وقد ظل الميرغني يكرر بصورة دائمة إن العلاقة بين الاتحادي الديمقراطي والحركة الشعبية علاقة إستراتيجية...

كثيرون لم يسبروا غور هذه العبارة التي تكررت على لسان رجل لم يُعرف عنه إطلاق الكلام على عواهنه...

ورغم أن التصريح الأخير للفريق سلفا كير ميارديت قد أحدث حالة من الإحباط لدى الكثيرين من السودانيين وكان في وقعه موازيا لنبأ موت الراحل جون قرنق, إلا أن معاوني الراحل المقربين في قيادة الحركة الشعبية ما زالوا على قناعتهم بأن أهداف الحركة لم تكن في يوم من الأيام انفصال الجنوب عن الشمال... بل أن ما جعل بعضهم يتحدث عن الانفصال هو حال اليأس من مستقبل الشراكة مع المؤتمر الوطني، وهي شراكة كما نعلم فرضتها عوامل كثيرة واعتبارات لم يكن فيها مجال لغير ما توصل إليه الفرقاء من اتفاق...وقد كان التعويل قائما في المقام الأول على قدرات العقيد جون قرنق في إحداث التغيير المنشود من تطبيق الاتفاقية..

فمنذ البدء لم يكن هناك احتمال تحالف سياسي بين الحركة والمؤتمر الوطني في الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية, لفارق المفاهيم بينهما، وقد زاد الطين بله عدم الثقة المتراكم الناتج عن مرارات الحرب والاختلاف البائن بين الاثنين...لقد كان زواجا مؤقتا قُصد به حقن الدماء ينتهي مفعوله بانتهاء الانتخابات...

اليأس من أية علاقة بناءة مع المؤتمر الوطني قاد بعض قيادات الحركة إلى فقدان الثقة في المجتمع السوداني الشمالي بكامله، فأصبحوا كمن أطلق الجزء على الكل مع علمهم بأن شمال السودان لا يقتصر على الشمال النيلي ومن يدعون تمثيله من قادة المؤتمر الوطني, بل يضم في محازاة الجنوب, دارفور وجبال النوبة والأنقسنا وشرق السودان وكلها مناطق تؤمن بسودان مبني على أسس جديدة لم نكف عن تعريفها بتقليص سلطة المركز وإعطاء الهامش حق إدارة نفسه بنفسه في كيان فيدرالي يحفظ لكل جهة حقها ولكل فرد حريته في إدارة شئونه واختيار من يتولاها...

داخل الحركة الشعبية وكيانات جنوبية أخرى هناك قناعة بأن تحميل كل الشمال وزر أخطاء المؤتمر الوطني فيه تطفيف للكيل وقرأة خاطئة للسياسة...كما أن مآلات الانفصال لا يستطيع أحد التكهن بها, بينما جرّب الجنوب حكم نفسه ذاتيا دون تدخل من المركز وأصبح ذلك أمر معروف لديه. غير أن الكثيرين من أبناء الجنوب, وهم محقون في ذلك, يريدون ضمان حقوقهم كمواطنين في وطن واحد، وهذا يقتضي إيجاد حليف يتفهم هذا الأمر ولا يكون همه الوحيد استدعاء الماضي ومراراته كما يفعل قادة المؤتمر الوطني الذين بسب فقد بعضهم لفلذات أكبادهم وإخوانهم في الله في حرب أرادوها بنفسهم, أصبحوا يضعون العراقيل أمام أي تطور ايجابي يمكن أن يحدث في العلاقة بينهم والحركة الشعبية. "يُلاحظ أن الحركة الشعبية لا ترهن نفسها إلى مرارات الماضي بقدر ما تتحدث عن خوفها من المستقبل".

في حديث لها عقب وفاة الدكتور جون قرنق قالت السيدة ربيكا قرنق: "أن الذي مات هو زوجها وإن حزنها عليه سيظل حزنا شخصيا طالما ظلت أفكاره باقية, إلا أن حزنها الأكبر سيكون يوم يتخلى رفاقه عن مبادئه"...

جون قرنق لم يكن يرى نفسه في سودانٍ غير ذلك الممتد من نمولي إلى حلفا...والدعوة للإنفصال لا يمكن إيجاد تفسير لها سوى التخلي عن أفكار الدكتور الراحل الذي لم يوافق على حق تقرير المصير إلا بعد أن أصر مفاوضو المؤتمر الوطني على تطبيق الشريعة في شمال السودان...

ومهما ذُكر أخيرا من أقوال حول وقوف المجتمع الدولي مع انفصال الجنوب, إلا أن في هذا المجتمع الدولي من العقلاء من لا يطرحون خيار الانفصال دون معرفة مآلاته حتى لو بصورة نظرية...وهم يرون أن وحدة السودان في شكلها الفيدرالي لا تحل مشكلة الجنوب فحسب بل مشاكل كل أقاليم السودان وتقود إلى التعايش السلمي بين شعوبه وقومياته بل شعوب وقوميات المنطقة بأكملها...

جيرة السودان شمالا وشرقا لا ترى خيرا في انفصال الجنوب لا للعروبة ولا للإسلام اللذين باسمهما يحكمنا المؤتمر الوطني...الميرغني على علاقة وثيقة بهذه الدول ولم يكن ليتحرك بمعزل عن مشورتها، إلا أنه كعادته لا يميل إلى التصريح الإعلامي الذي قد يحتمل أكثر من تفسير...

مصر يؤرقها كثيرا انفصال جنوب السودان لأسباب تخصها وقد سعت لجعل الميرغني يلعب دورا محوريا في منع الانفصال في الاستفتاء القادم، بما في ذلك محاولة التقريب بينه وبين الرجل الثاني في المؤتمر الوطني, إلا أن هذا الأخير أصبح عرضة للتخوين من أخوته في الله في كل خطوة يخطوها نحو الآخرين, فأحجم بالتالي عن الخوض في أمر قد يفقده ما تبقى له من سلطات.

يصبح هناك الخيار الذي جربته الحركة من قبل, وهو تحالفها مع الميرغني كشريك مضمون ومؤتمن... وبالاتفاق بينهما على كيفية حكم السودان يمكنها ترشيح الميرغني لرئاسة الجمهورية...ومن خلال السلطة التشريعية المنتخبة يمكن إحداث التغييرات التي ترتقي بنيفاشا بحيث يتم تطبيق ما يمكن تطبيقه منها على أجزاء السودان الأخرى، ويتحول حكم السودان إلى فيدرالية خماسية بما لا ينتهك حرمة الاتفاقية بل يرتقي بها إلى أعلى وبذا تصبح الوحدة خيارا وحيدا وليس جذابا فقط حين يحل آوان الاستفتاء...

بالطبع ليس هناك ما يمنع الحركة من ترشيح سلفا كير لرئاسة الجمهورية بدعم من القوى السياسية التي أجتمعت مؤخرا في جوبا، غير أن ما بدر منه من كلام في تلك الكاتدرائية، سيفقده كل مصداقية أمام مواطنيه في الجنوب إذا ترشح لهذا المنصب, وسيصبح الأمر مغامرة كبيرة لأن فشله يعني فوز مرشح المؤتمر الوطني وبالتالي الانفصال العنيف المبكر حتى قبل استيفاء ميعاد الاستفتاء على حق تقرير المصير...إذ لن يتبقى شيء يجمع بين الشريكين حتى ولو شعرة معاوية.

داخليا سيلقى اتفاق ترشيح الميرغني للرئاسة دعم أحزاب التجمع بالإضافة للمؤتمر الشعبي الذي يهمه كثيرا غياب المؤتمر الوطني عن السلطة, بل يعنيه أيضا التكفير عن ما اقترفته أيديه في حق الشعب السوداني والاستفادة من تجربة الإنقاذ في مستقبله السياسي...

كما سيروق هذا الاتفاق للأحزاب الاتحادية التي استطاع المؤتمر الوطني أن يفرقها أيدي سبا، وسيبقى في معية المؤتمر الوطني كل من لوث نفسه وأصبح عرضة للابتزاز بما ناله من رشى...

سيناريو دائرة الصحافة للعام 1986 يمكن إعادته على نطاق السودان بأكمله مع إضافة قوى جديدة لذلك التحالف, هي الحركة الشعبية والمؤتمر الشعبي...

ويستطيع المثقفون وغيرهم من الواقفين على رصيف الفعل السياسي القيام بدور فعال في الترويج لهذا الخيار وتطوير التحالفات السابقة للتجمع الديمقراطي وإنزالها إلى ارض الواقع بين الجماهير, كل بطريقته وأسلوبه في إقناع الذين من حوله...

بالطبع لا يمكن التعويل في هذا السيناريو على زعامة حزب الأمة وعلى أجزاء كبيرة من قاعدته بسبب الحساسيات القديمة بين القطبين، إلا أن ذلك لن يؤثر على المحصلة النهائية, فلربما قاد فقط إلى تحالف بين الأمة والمؤتمر الوطني لن يثمر كثيرا خصوصا إذا وضعنا في الاعتبار إقليم دار فور وحركاته المسلحة التي يهمها أيضا أن تتعامل مع شريك جديد في الحكم تكون هي جزء من توليفته السياسية منذ البداية...

احتمال فوز الميرغني في هذه الحالة سيكون في حكم المؤكد وسيؤدي بالتالي إلى تغيير تركيبة الحكم ويجعل الجنوبيين أكثر ثقة في مستقبل السودان الموحد لأن مآلاته محسومة ويمكن قرأتها بوضوح تام...وحتى في حال حدوث الانفصال بعد الاستفتاء لن تخسر الحركة شيئا في ترشيحها للميرغني لأنها ستتعامل مع حاكم عاقل رشيد يكن لها كل تقدير مما سيجعل الطلاق بين شطري القطر يتم بإحسان تُراعى فيه الذكرى العطرة التي جمعت الفقيد الراحل مع مولانا الميرغني وتعتمد فيه الحركة على حكمة الرجل في خلق مناخ الهدوء اللازم لجعل الإنتقال إلى الدولة الجديدة سلسلا, وتتجنب بذلك الإضطراب المتوقع حدوثه في حال وقوع الانفصال والسودان تحت سيطرة صقور الحرب من قادة المؤتمر الوطني...

الخطوة الأولى في هذا السياق تبدأ بالاهتمام بالتسجيل للانتخابات في أي مكان يكون فيه التسجيل متاحا...على الأقل لإبداء الجدية في المشاركة في صنع المستقبل...حتى وإن لم يقتنع البعض بما ذكرت, فأن ابسط مقتضيات المواطنة تلزمنا بالعمل على مسك زمام الأمور بأيدينا وإلا أصبحنا جزء من قطيع يساق إلى سلخانة المؤتمر الوطني...

 

محمد موسى جبارة

 

14/11/2009