قبل أن يستل البعض سيفه ليجأ به كبد الحقيقة،

 

مرحبا باستقلال الجنوب إن كان ذلك سيمنح إنسانه كرامته، ومرحبا به إن جاء مبنيا على دراسة علمية وموضوعية ذات استقراء لمآلات الانفصال حين وقوعه، ومرحبا به إن جاء بدولة قوية تراعي أسس حسن الجوار والمصالح المرسلة بين شقي ما كان يعرف بالسودان.

كرامة المرء أي كان مكانه في هذه الدنيا، تعلو لدينا على كل اعتبارات أُخر، لأنها ليست من عندنا نحن البشر بل لأن ذلك ما قال بها الحق وقوله حق: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا. الإسراء (70).

عبارة بني آدم جاءت هنا مطلقة دون تقييد بدين أو لون أو جهة، إنه ابن آدم أي كان شكله أو لونه أو أصله أو دينه. هذا على الأقل ما فهمناه من القرآن الكريم إلا إذا كان هناك قرآنا آخر يُتلى على آخرين ويفسرونه حسب أهوائهم.

ما الذي دعا سلفا كير ليقول قولته تلك التي اهتزت لها شاشات التلفاز وشبكات العنكبوت وخطوط الهاتف الثابت والمنقول؟

بالطبع نظرية المؤامرة لن تغيب عن عقول المؤمنين بها...وماضي الرجل ونزعته الانفصالية التي قالوا بها عقب غياب العقيد جون قرنق ستعود مرة أخرى إلى واجهة الحدث ولن تترك سبيلا للتفكير في غير ذلك...وغبطة الداعين لدولة ذات نقاء عرقي وديني لن تمر دون أن تلحظها الأعين وتسترقها الآذان...

غير أن واقع الحال يقول كل ذلك وغيره في ذات الوقت...

قبل أسبوع من قولته هذه، فوجئ المجتمع السياسي السوداني بإصرار المؤتمر الوطني على الدفع بقانون الأمن الوطني لمنضدة البرلمان رغم مقاطعة الحركة الشعبية لجلساته...

شرعية هذا البرلمان لم تأت عبر صناديق الاقتراع بل جاءت عبر بوابة نيفاشا التي نصت على الشراكة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية وآخرين دونهما...

إذن هي شراكة لا تحكمها النسبة العددية وإن وجدت بداخلها، ولا تحكمها الأغلبية الميكانيكية التي يتمتع بها المؤتمر الوطني أو مِكْنته السياسية والأمنية على أرض الواقع، الشراكة تحكمها روح الاتفاقية نفسها وليس نصوصها فقط. فعندما يتخطى المؤتمر الوطني بصلفه المعهود هذه الروح، فماذا ينتظر من شريكه الآخر سوى القول بأن لكم دينكم وليّ دين. وطالما أنتم لا تضعون اعتبارا لتواجدي معكم فليس لديّ سوى الابتعاد عنكم...

هذه حقيقة ما عبر عنه سلفا كير، وهو تعبير الغالبية العظمى من منتسبي الحركة الشعبية وكثيرين من أبناء الجنوب الناقمين أصلا على الشراكة...والتبرير الذي أورده سلفا كير للانفصال، ليس بالأمر الجديد...

فبعد كل ما ورد في ميثاق الأمم المتحدة وما تضمنته شرعة حقوق الإنسان، ليس هناك في حقيقة الأمر، ما يجعل الإنسان يقبل بأن يكون مواطنا من الدرجة الثانية في وطنه تحت أي مسمى كان...ديني أم عرقي أم جهوي...

أصابتني الدهشة ذات يوم عندما علمت أول مرة بأن معظم قيادات حركة العدل والمساواة كانوا من منتسبي وناشطي الحركة الإسلامية بمسماها العريض...

حركة العدل والمساواة في تكوينها الأساسي حركة إقليمية، جهوية إن لم نشتط ونصِفُها بالقبلية...

سبب الدهشة ليس في تكوينها المذكور بل في فصال الإسلاميين على أساس جهوي وعرقي رغم حديثهم عن أمة واحدة...فإذا كان هذا حال الإسلاميين فيما بينهم، فكيف يرهن زعيم سياسي مصير شعبه لأشخاص تقاتلوا بسبب العرق واللون والجهة رغم ما يدعونه من مرجعية دينية واحدة؟

هذا هو السؤال الذي أجاب عليه سلفا كير في كاتدرائية القديسة تريزا في جوبا وليس تحت قبة برلمان الجنوب أو في ندوة سياسية حسبما كان يقتضيه أمرٌ بهذا القدر من الأهمية...

البعد الديني كان واضحا في هذه الرسالة، وهو بالتالي رد على الخطاب الديني للمؤتمر الوطني الذي يريد أن يحمل الناس على غير ما يريدون...

ذكرني أحد الأصدقاء من العارفين بالتاريخ الإسلامي بأن إسلاميي السودان ليسو بدعا في هذا الأمر، فقد كان العنصر واللون والقبيلة حاضرين دائما على أمتداد التاريخ السياسي والاجتماعي الإسلامي منذ سقيفة بني ساعدة وحروب الردة وموقعة الجمل مرورا بالخلاف العربي العثماني الذي أسقطت به بريطانيا الخلافة الإسلامية في الأستانة، وإلى حين زمان الطيب مصطفى وأسحق فضل الله اللذين قبلا بعنصرية قبلية منتنة رغم وجود على تميم فرتاك بين ظهرينهما...

فإذا لم تستطع كمدعٍ بالإسلام توحيد المسلمين من أعراق مختلفة تحت ولاية واحدة، فكيف بك توّحد أناس ينتمون إلى أعراق وديانات تعتقد أنت أنهم لا يماثلونك في شيء؟

لا شك عندي بأن تصريح سلفا كير قد أثلج صدور قادة المؤتمر الوطني رغم إظهارهم غير ذلك...لقد أراحهم ذلك التصريح من عبء تحمّل وزر الانفصال...ما قاله سلفا كير هو الريح التي تمنوها أن تهب على أشرعتهم المعدة للإبحار دون الجنوب...

انفصال الجنوب كان يؤرقهم ليس بسبب حجم الإقليم أو أهميته الإستراتيجية، فليس ذلك بذي أهمية لديهم، ربيبتهم حماس تعمل على إقامة أمارة إسلامية في رقعة من الأرض لا تزيد مساحتها عن حوش ود بانقا...

مشكلتهم كانت عدم القدرة على تبرير الانفصال بعد كل التضحيات التي بذلها شبابهم في حربهم الدينية، وتجنيدهم المسلمين في الدفاع عن الدين وحماية البيضة، فكيف يقولون بفصل الجنوب بعد كل ذلك الاستغلال لعواطف المسلمين، وبعد كل تلك الأرواح التي ذهبت سدى من خيرة أبناء الحركة الإسلامية الذين آمنوا بجهادهم إيمانا لا تدانيه شهادات شهامة ومضاربات ماليزيا أو قصور أمراء الحرب في المنشية والطائف وغاردن سيتي وكافوري...لقد بذل أولئك الصبية أرواحهم من أجل أمر آل ريعه إلى من غرر بهم...

غير أنه من الخطورة بمكان أن يحتكم رجل دولة للعاطفة أيا كان مصدرها لتحديد موقفه من أمر لا ينبغي أن يتحكم فيه سوى العقل...فكما أخطأ قادة المؤتمر الوطني في عدم التزامهم بروح اتفاقية نيفاشا القائلة بجعل الوحدة جاذبة، خرق سلفا كير أيضا الاتفاقية بتحريضه للجنوبيين بالتصويت للانفصال...

الفعل السياسي الحقيق كان يقتضيه أن يقول بأن الحركة الشعبية ستعمل على أن يكون المواطن الجنوبي مواطنا مثل الآخرين، وأنه سيعمل مع شركائه الذين يؤمنون بالمساواة على جعلها دستورا وقانونا وواقعا معاش...إلا إذا أراد بقوله ذلك أن يضع كل الشماليين في سلة المؤتمر الوطني بما فيهم الذين التقوه في مؤتمر جوبا مؤخرا..

القول الذي قال به، له بعد محلي وإقليمي ودولي وسيأخذه كثيرون مأخذ جد وسيبنون عليه إستراتيجيتهم وقراراتهم المقبلة...

سيسر بعض الذين يسوؤهم أن يروا السودان بلدا كبيرا له إمكانيات أن يكون منارة وليس جسرا يتوطاه الآخرون جيئة وذهابا...

وسيسوء الذين يعتقدون أن  السودان ينبغي أن يبقى على حاله المزرية يمنعه خبال قادته من أن يكون وطنا مستقر حتى يتحكمون في مصيره بما يخدم مصالحهم الإستراتيجية...

السودان القوي المتماسك الذي يدير أموره بنفسه لا يسر جيرانه الذين يعتبرون ضعفه عمقا استراتيجيا لهم...

لقد أخطأ السياسيون السودانيون منذ البداية في إدارتهم لأزمة الجنوب، إلا أن خطأهم الذي لا يغتفر كان اعترافهم بحق تقرير المصير لجزء من بلد وُلد موحدا...

في البدء رضخت الجبهة الإسلامية لابتزاز رياك مشار ولام أكول ومنحتهما في اتفاقية الخرطوم حقا لا يستحقانه في تقرير مصير جزء من الوطن...وأخطأ قادة التجمع عندما ساروا على نفس المنوال في مقرراتهم باسمرا..ولا أدري ماذا ستقول الأجيال القادمة في حق هؤلاء الرجال...أجدادهم حاربوا من أجل وحدة المليون ميل مربع، وتحت مكيفات الهواء وحول موائد حمراء في اسمرا ومشاكوس ونيفاشا حكم عليه سياسيو "الحيره" بالفناء...

الجنوب جزء عزيز من وطني أنا ابن السودان، أتمسك به كما أتمسك بعطبرة وحلايب والفشقة وكل شبر من الأرض التي ورثناها من أجدادنا...

لقد أخطأ سلفا كير لأن ما قاله ليس حديث رجل دولة كان ينبغي عليه أن يعتز ويتمسك بكامل تراب وطنه من حلفا إلى نيمولي لا أن يكتفي من الغنيمة بالإياب مهما كانت معاناة الوصول للغاية المبتغاة.

انفصال الجنوب ليس انتصارا للحركة الشعبية، بل هو هزيمة ماحقة لها لأنها لم تحارب من أجل ذلك، بل من أجل سودان جديد نحن واثقون من ميلاده في أي وقت يحين المخاض...النكوص عن ذلك الأمر خسارة لحرب كاملة وليس لمعركة فقط...فلو كان المناضلون يقبلون بالمتاح، لكان الأفارقة الأمريكان يحكمون اليوم ليبريا فقط، وما كان لأحدهم أن يكون على رأس أقوى دولة عرفها التاريخ البشري...

على كلٍ أرجو أن يكون ما قاله سلفا كير رغم خطورته، "كلام زول زعلان ساكت"

 

MOHAMED MUSA GUBARA [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

3 نوفمبر 2009