في العام 1916 كتب فلاديمير اليتش لينين في زيورخ أطروحته الموسومة الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية، بيّن فيها دور رأس المال في تحقيق أرباح اكبر بالارتباط بالإمبريالية الاستعمارية كآخر مرحلة في تطور الرأسمالية...
فمن أجل أن تجني الرأسمالية أرباح أكبر من تلك التي تجنيها في الأسواق المحلية فإن اندماج البنوك والاحتكارات الصناعية ينتج رأس المال المالي financial capital  والذي يتم تصديره واستثماره في البلدان ذات الاقتصاديات المتخلفة مما يقود إلى تقسيم العالم بين الشركات الاحتكارية للقوى العظمى... وفي سبيل استعمار البلدان النامية يتكامل نشاط الشركات مع حكوماتها في صراع جيوسياسي حول الاستغلال الاقتصادي لأكبر مساحة جغرافية من العالم ومن سكانه...
لهذا فالإمبريالية هي أعلى مراحل الاستعمار تحتاج لاحتكار العمل والموارد الطبيعية وتصدير الرأسمال المالي عوضا عن السلع لاستمرار الاستعمار الذي هو عمل أساسي لذلك الطابع الاقتصادي...
الأرباح الناتجة عن الاستغلال الاستعماري للشعوب المتخلفة واقتصادياتها تُسَتَغل في رشوة السياسيين وقادة العمل المحليين والارستقراطية العمالية التي تمثل الشريحة العليا من الطبقة العاملة وذلك لمنع الانتفاضة العمالية في البلدان المتقدمة صناعيا، لذا فأن البروليتاريا الحديثة أي العمال المستَغَلين في العالم الثالث يصبحون الطليعة الثورية للانقضاض على النظام الاستعماري...
وقد لخص لينين تعريفه للإمبريالية بتعداد علامتها الخمس الأساسية:
1) تمركز الإنتاج والرأسمال تمركزا يبلغ في تطوره حدا من العلو يؤدي إلى نشوء الاحتكارات التي تلعب دورا مفصليا في الحياة الاقتصادية؛
2) اندماج الرأسمال البنكي والرأسمال الصناعي ونشوء هيمنة مالية مبنية على هذا "الرأسمال المالي"؛
3) يكتسب تصدير رأس المال أهمية أكبر من تصدير السلع؛
4) تشكيل اتحادات احتكارية عالمية للرأسماليين تقتسم العالم فيما بينها؛
5) بذا يتم تقاسم العالم إقليميا بين كبريات الدول الرأسمالية.
وفي مقدمته للطبعة الروسية سنة 1920 ذكر لينين إن حرب سنوات 1914-1918 كانت من جانب الطرفين حربا إمبريالية (أي حرب غزو ونهب واغتصاب)، حربا من أجل تقاسم العالم، من أجل اقتسام وإعادة اقتسام المستعمرات و"مناطق نفوذ" المستعمرات، أي اضطهاد أكثر من نصف سكان الأرض في البلدان التابعة، وعبيد الرأسمال الأجراء في البلدان "المتمدنة".
هذه الأطروحة كتبت أثناء الحرب العالمية الأولى التي تلتها حرب ثانية اشد ضراوة وفتكا وكانت أيضا حربا لتوسيع النفوذ، حيث تقاتلت فيها القوى الأوربية قتال الوحوش ولم تسلم منها دول العالم الثالث المُستَعمَرة آنذاك.
غير أن هذه الحرب أفرزت واقعا جديدا ومنظمات جديدة عملت على احتكار القرار الدولي وتجييره لمصلحة الدول العظمى... شهد العالم في إثنائها في 14 أغسطس 1941 توقيع إعلان مبادئ حلف شمال الأطلنطي بين الرئيس الأمريكي روزفلت ورئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل…تلك الوثيقة المبنية على معطيات الحرب العالمية الثانية والتي وضعت الأسس التي أنبنى عليها فيما بعد ميثاق الأمم المتحدة، نصت على:
•    عدم سعي الدولتين للتوسع الإقليمي أو غيره.
•    عدم الرغبة في رؤية أي تغيير إقليمي لا يتفق مع الرغبة الحرة للشعوب المعنية.
•    احترام حق كل الشعوب في اختيار شكل حكوماتها، واستعادة حقوق السيادة والحكم الذاتي للشعوب المستَعَمرة.
•    السعي لتمكين كل الدول كبيرة أو صغيرة منتصرة أو مهزومة بقدر متساوي في تجارة حرة والحصول على المواد الخام العالمية والتي يحتاجها اقتصادها.
•    القناعة بأن كل دول العالم لأسباب واقعية أو روحية عليها أن لا تلجأ لاستعمال القوة. لأن ليس هناك من سلام مستقبلي يمكن أن يُبنى إذا ظلت الدول تلجأ للتسلح البري والبحري والجوي لشن العدوان خارج أراضيها. وإلى حين إنشاء نظام دائم وموسع للأمن العام يبقى نزع سلاح مثل هذه الأمم من الأهمية بمكان.
•    وقد أكد الزعيمان عزمهما على مساعدة وتشجيع كل الإجراءات الممكنة الأخرى التي قد تخفف العبء الثقيل للتسلح عن الشعوب المحبة للسلام.
هذه الوثيقة وميثاق الأمم المتحدة الصادر في سان فرانسيسكو في 26 يونيو 1945 واللذين بُنيا على حسن النوايا والواقعية لشعوب خرجت لتوها من حرب مدمرة، وعلى التجربة الشخصية لرجلين خبرا الحروب والمعارك على مدى نصف قرن من الزمان، لم يجدا نفس الصدى والمعاني النبيلة لدى الجيل الحالي من حكام الغرب الذين لم تُشكّل لديهم الحربان العالميتان سوى ذاكرة مجتمعية، لذا لم يستوعبوا معنى أن يُقتل 100 مليون شخص في قارة لم يزد تعداد سكانها وقت ذاك عن المائتي مليون نسمة...
القيادات التي تجنبت على مدى نصف قرن من الزمان إفناء العالم بحرب نووية بين الأطلسي والاورال، لم يعد لصدى حكمتها وواقعيتها أثر منذ أن تولى جورج بوش الابن قيادة أقوى دولة عسكرية في العصر الحديث... 
ميثاق الأمم المتحدة حدد علاقة الدول ببعضها ومنَع الاقتتال الذي أودى بحياة ملايين الأوروبيين...غير أن ذات الميثاق أعطى مجلس الأمن الدولي بقواه المتنفذة حق التدخل لحماية الأمن والسلم الدوليين...هذا الحق على مدى تاريخ الأمم المتحدة، لم يُستعمل إلا ضد الدول المستضعفة...
أربع من الدول التي تمتلك حق النقض في مجلس الأمن لا يزيد عدد سكانها عن عشرة في المائة من سكان العالم، وبهذا الحق فهي تسيطر على قرار يخص خمسة مليار شخص إذا استثنينا الصين من هذه الحسبة...ثلاث من هذه الدول في قيادة الناتو، وتستغل الأمم المتحدة في تنفيذ أجندتها في التوسع الاقتصادي والهيمنة على إمكانات الدول المستضعفة...
منظمة حلف شمال الأطلنطي "ناتو" وقوتها الضاربة استُغلت دوما لتأديب كل من يحيد عن صراط الدول العظمى المستقيم.
رأينا مؤخرا الذراع الضاربة لهذه الدول تفعل ما تأمرها به الشركات الكبرى...الناتو ما هو إلا أداة عسكرية للدول الصناعية الغربية، يتدخل تحت ستار حماية الأمن والسلم الدوليين لكنه في حقيقة الأمر يحمي شركات إنتاج الأسلحة التي لن تستطع بيع شيء إن لم تكن هناك حروب...
العقلية الغربية مبنية على العداء، فأن لم تجد عدوً، خلقته...تتحول هذه العقلية من حالة ذهنية إلى استثمار حقيقي في صناعة الأسلحة وبالتالي إدراج في أسواق المال العالمية وتوزيع أرباح على المساهمين والمضاربين وخلق فرص عمل...
في دفاعه عن ضرورة زيادة الإنفاق الحكومي للخروج من الأزمة الاقتصادية الأمريكية، ذكر بول كروغمان الخبير الاقتصادي الأمريكي الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد في النيويورك تايمس مؤخراً في مقاله بعنوان Bombs, Bridges and Jobs "إن تهديد مختلق لغزو خارجي مما يستدعي إنفاق حكومي أكبر لدرأ ذلك العدوان، قد يكون الشيء المناسب لتحريك الاقتصاد"...
نظريا انتهى دور الناتو العسكري عقب سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء تهديده لما كان يُعرف بأوروبا الغربية...حيث كان ذلك التهديد دافع رئيسي لسباق التسلح وإنتاج الأسلحة وبالتالي دوران عجلة الإنتاج في شركات الأسلحة الكبرى...إذن لا بد من استمراريته تحت ذريعة درء خطر داهم يهدد الغرب وبالتالي المزيد من الإنفاق على التسلح...
يُلاحظ أن اكبر استثمار في البحث والتطوير R&D يوجد لدى شركات تصنيع الأسلحة كما أن كثيرا من التكنولوجيا ذات الاستعمال المدني تم تطويرها من خلال الإنتاج الحربي بما في ذلك الهاتف المحمول الذي أصبح لازمة من لوازم الإنسان المدني...
ما حدث في أفغانستان والعراق وليبيا من غزو لهذه البلدان تحت ذريعة مكافحة الإرهاب أو حماية الشعوب من قياداتها لا يمكن توصيفه بشيء آخر سوى تحالف رأس المال المالي مع دول الناتو لتدوير ذلك الرأسمال في إعادة البنية التحتية التي دمرتها تلك الحروب، ومن ثم التخلص من مخزون الأسلحة لتلك الشركات والبدء في تصنيع أسلحة جديدة replenishment لحروب أخرى في العالم الثالث...بهذه الطريقة وحدها يمكن تحريك الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة...علما بأن مشتري الأسلحة ليس شخص آخر سوى الحكومات نفسها... 
في كل تلك الحالات كان من يُراد محاربتهم، في الصفحات البيضاء in the good books لنفس الامبريالية التي أنقضّت عليهم بعد أن فقدوا مبررات وجودهم، أو خرجوا عن خط التوجيه...
باعوا الأسلحة لصدام حسين لمحاربة إيران وباعوا لإيران الأسلحة في ذات الوقت بما عُرف بفضيحة الكونترا...زودوا الأفغان بأحدث ما أنتجته الترسانة الغربية من أسلحة مضادة للدروع والطائرات، ليس من أجل عيون أحدهم بل لتسويق المزيد من السلاح ولجعل الأغبياء يقتتلون فيما بينهم...لم يسعوا بصورة جادة لحل المشكل الفلسطيني حتى يظل الشرق الأوسط أكبر سوق للسلاح...
في الحالة الأفغانية دخلت أمريكا الحرب منفردة ثم بحثت عن غطاء من مجلس الأمن الدولي لتبرير تدخلها في دولة مستقلة ذات سيادة وكذا الحال بالنسبة للعراق...أي أن الغطاء الشرعي جاء في الحالتين بعد بدء العدوان...مستصحبا خنوع الأمم المتحدة لإرادة الدول العظمى...
في ليبيا، رغم أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973الصادر تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة نص على حماية المدنيين عن طريق منع الطيران في الفضاء الليبي، إلا أن التدخل الذي تم تحت راية الناتو عمل على تسليح المدنيين الذين اراد القرار حمايتهم ومن ثم كان هدفه غير المعلن وقتذاك هو إزاحة رئيس دولة عن سدة سلطته التي لم ينكروها عليه من قبل...
ميثاق الأمم المتحدة الذي بموجبه تدّخل الناتو في ليبيا ونزع السلطة القائمة، نص على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شئونها الداخلية...لقد أتضح الهدف بعد اغتيال القذافي...إذ اصدر الناتو بيانه الذي قرر فيه وقف عملياته في ليبيا...يُلاحظ أن القرار الذي كان ينبغي أن يصدر من الأمم المتحدة صاحبة قرار التدّخل، صدر عن قيادة الناتو وليس من أمين عام الأمم المتحدة وذلك بسبب تداخل الأدوار بين الناتو ومجلس الأمن الدولي...
فهل كان الوضع في ليبيا يهدد الأمن والسلم الدوليين؟ بل هل كانت الحرب في ليبيا حقا لحماية الشعب الليبي كما جاء في القرار رقم 1973؟
لا يخامر المرء شك بأن تلك لم تكن الحقيقة، الشعب الليبي لن يعيش تحت حماية الناتو الدائمة، القصد هو السيطرة الفعلية على إمكانيات ليبيا الاقتصادية التي لم يحسن القذافي التصرف فيها...وسيظل سوء التصرف هذا مدعاة للذئاب الغربية للاستيلاء على كل موارد الدول النامية تحت مظلة الأمم المتحدة وذراعها العسكري "الناتو"...
تماهي رأس المال المالي والصناعي مع القوة العسكرية المشتركة للدول العظمى سيحكم سيطرة هذه الدول على مقدرات الدول النامية في مرحلة تُعتبر أعلى مراحل الإمبريالية...
لذا فأن الدور لن يتوقف عند ليبيا كما يتصور البعض، إنها عجلة بدأت في الدوران ولن تتوقف إلا بعد استنزاف كل موارد العالم الثالث...
ليبيا مجرد حالة مختبريه لم يستوعبها ولن يستوعبها الكثيرون من الذين هللوا لمقتل القذافي إلا بعد أن يأتيهم دور الثور الأسود...لقد كان من المستغرب موقف نيجيريا وجنوب إفريقيا من التصويت على قرار مجلس الأمن المذكور، إذ كان يكفي أن تمتنعا عن التصويت لتنهار كل المؤامرة الإمبريالية التي كان من الغريب أن لا تكتشفها الصين وروسيا إلا بعد أن رأيا الدور العسكري السافر لحلف الناتو...
كان تعليق مندوب الصين رئيس المجلس في ذلك الشهر على القرار، وكذا تعليق مندوبي روسيا والهند مدعاة للسخرية والرثاء معا، إذ أجمع ثلاثتهم على أن هناك أسئلة لم تتم الإجابة عليها في ذلك القرار...أهمها من سيتولى تنفيذ القرار وآلية ذلك التنفيذ ومتى ستنتهي الأعمال العسكرية؟ إذن لِمَ لم توقف هذه الدول تمرير قرار تشك في مصداقيته؟ صدر في جلسة لم تستغرق أكثر من 55 دقيقة؟
وكيف يستقيم عقلا أن لا تدرك دول ظلت تدافع عن البشير بكل قواها ضد محكمة الجنايات الدولية، خطورة قرار مجلس الأمن رقم 1973 على مستقبل إفريقيا والعالم الثالث؟...البشير نفسه صرح بأنه درّب وأرسل قوات لتسهم في خلع القذافي، أي أنه ساعد الناتو في عدوانه على دولة عربية إفريقية مسلمة...ويا له من رجل أبْلَهْ!!
المواد 46- 47 ضمن الفصل السابع من الميثاق حددت مسئولية قيادة العمل العسكري، وذلك من خلال لجنة تتكون من رئاسة أركان جيوش الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس...هذا الأمر لم يحدث، ولم تنتظر فرنسا وبريطانيا وهما أكبر دولتين استعماريتين في السابق، اجتماع تلك اللجنة حيث بدأت الألعاب النارية فوق سماء طرابلس بعد أقل من أربع وعشرين ساعة من صدور القرار...
ظهور القذافي كمهرج على خشبة المسرح السياسي الدولي خطف الأبصار عن الانتهاك الصارخ لميثاق الأمم المتحدة، وكأن الحلف أراد أن يقول له إن الذي مزق ميثاق الأمم المتحدة من على منصتها لا ينبغي له أن يحتمي ببنوده...
من المنحى الذي تتخذه الثورات العربية يتضح إن الغلبة الحقيقية فيها ستكون لتيار الإسلام السياسي...الغرب يعرف ذلك جيدا ويؤيده، ولم يعد ذلك الأمر مدعاة لتخمين...سمعناه من فم باراك اوباما عندما ذكر جمعية الوفاق الإسلامي وحدها دون غيرها في خطابه عن حالة الإتحاد، وبوصيته خيرا بالنهضة في تونس عندما ذكرها دون غيرها وأكد على ضرورة تمكينها من السلطة، وبالحوار الذي بدأه مع حركة طالبان، ومؤخرا إعلان واشنطن بأنها ستكون راضية في حال فوز الأخوان المسلمين في الانتخابات المصرية...الإتحاد الأوروبي دخل أيضا على الخط وصرح رئيسه جيرزي بوزيك إن صعود ديمقراطية إسلامية ونجاحها أمر ممكن في تونس...ولا أدرى كيف تنجح ديمقراطية لدى قوم لا يؤمنون بها؟ بل هم على قناعة تامة بحاكمية الله الذي أوكلهم بتنفيذها؟...التجربة التركية لا يمكن الاعتداد بها إلا بعد التأكد من أن قادتها الإسلاميين على استعداد للتنازل عن السلطة في حال فوز حزب آخر علماني النزعة في انتخابات قادمة...
لن ادلف إلى العلاقة السابقة بين الحركات الإسلامية والولايات المتحدة إبان الحرب الباردة فتلك مرحلة تخطاه الزمن وكانت لها أسبابها في محاربة الشيوعية والقومية العربية. السؤال لماذا يريد الغرب تمكين حركات الإسلام السياسي في بلدان الشرق الأوسط رغم المعلن بينهما من عداوة بما في ذلك اغتيال أسامة بن لادن والعولقي خارج نطاق القضاء؟
بحجة وسطية واعتدال حركات الإسلام السياسي، وتلك حجة لا يمكن أن تنطلي على مراكز المعلومات الغربية، بدأ الغرب في تمكين حركة الإخوان المسلمين في مصر وحركة النهضة في تونس والعدل والمساواة في المغرب وشيخ شريف في الصومال وجماعات الإسلام الشيعي في العراق والبحرين ومغازلته الدائمة للنظاميين الإيراني والسوداني...
يستحيل أن يكون الغرب بذلك القدر من السذاجة التي تجعله يجرّب المجرَّب...لقد نال درسا قاسيا في أفغانستان من نفس الجماعات التي دربها وسلحها ومكّنها من السلطة في تلك البلاد...وبعد أن قضى وطره تركهم يتقاتلون كالذئاب الجوعى، حتى كاد يفني بعضهم بعضا، ثم انقلبوا على الغرب الذي نصرهم على نظام نجيب الله...
لماذا يريد الغرب أن يعيد نفس السيناريو مع ناتج الربيع العربي؟...
من البدء لم يكن يخفى عليه مآل هذه الثورات، فقد كانت سيماء قادتها في وجوهم...لحى مسبلة وشوارب محفوفة وسراويل قصيرة وتهليل وتكبير على الطريقة الإنقاذية، وقتل وسحل وتنكيل بالموتى على طريقة أبي مصعب الزرقاوي...
إذن هذه مقدمة لعمل استراتيجي طويل المدى يعرف الغرب نهايته تماما...إنها مقدمة المرحلة القادمة، مرحلة الفشل الذي يرتجيه الغرب من هذه الجماعات في إدارة شئون الدولة...الفشل الذي تجلى في إدارة الدولة في إيران وأفغانستان والسودان والصومال....
غير أن هذا الأمر يحتاج لمحفّز محلي catalyst لإنضاجه...التمهيد لهذه المسألة يتم عن طريق دولة عربية صغيرة لكنها غنية بما تنتجه من نفط وغاز لا تدري ماذا تفعل بعائداتها منهما...ظل كثيرون يشكون في أمرها والدور المرسوم لها...فهي تحتضن أكبر قاعدة أمريكية برية في الخليج، ولديها تمثيل تجاري مع إسرائيل، لكنها في ذات الوقت ترعى وتمول رئيس المجلس العالمي لعلماء المسلمين، مرجعية الإسلام السياسي السني والشخصية المرادفة لبابا الفاتيكان...
تناقض لا يمكن فك طلاسمه دون معرفة الدور المفترض الذي تلعبه هذه الدولة التي بالكاد يبلغ تعداد مواطنيها عدد سكان جزيرة توتي...
المال والإعلام مكنا اليهود من السيطرة الفعلية على العالم...نفس الشيء تحاوله هذه الدولة مع فارق الشبه بين العقليتين...العقلية العربية البدوية، وعقلية الاشكيناز التي مكّنت لإسرائيل وجعلت منها دولة حديثة...
على ذات المستوى، الفاتيكان دولة صغيرة لكنها تتحكم في مشاعر ما يزيد على المليار مسيحي...إذن تحالف المال والمرجعية الدينية والإعلام الشعبوي يمكن أن يفعل فعل السحر في عقول تعيش غيبوبة حضارية...
القرضاوي مع قناة الجزيرة نسقا إعلاميا دور الإسلاميين في الربيع العربي...تونس، ليبيا، وسوريا واليمن ومصر التي صلى بثوارها في ميدان التحرير فخامة الحبر الأكبر الشيخ يوسف القرضاوي...هذا الدور الإعلامي عادله صمت مطبق عن كل ما جرى في السودان من إبادة جماعية لمسلمي دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، لأن عين الرضى عن كل عيب كليلة...وهذا ما سيكون عليه دورهم عندما تبدأ الإبادة الجماعية في بلدان الربيع العربي الذي سيتحكم في أمرها الإسلام السياسي...       
الانتهاك الذي سيستمر لحقوق الإنسان ومحاولة إعادة صياغة المجتمع في بلدان الثورات العربية، بسبب عدم إيمان هذه الجماعات بحق الآخر في أن يكون مختلف عنها، سيقود إلى حالة تستوجب التدخل الدولي بعد أن تضعف حركة الدفع الذاتي لهذه الجماعات...
لن يحتاج ذلك الأمر لوقت طويل فليس هناك ما يجمع بين هذه الجماعات سوى النهم للسلطة والثروة وهما مدعاة للاختلافات التي حدثت في أفغانستان وإيران والسودان والصومال...
التدخل الذي سيتم تحت شعار حقوق الإنسان لن يكون هدفه الإنسان أو حقوقه، فتلك أشياء لا يأبه بها الغرب إذا تضاربت مع مصالحه...الهدف هو استعادة استعمار هذه البلدان بوسائل وتقنيات جديدة تختلف عن تلك التي استعملتها الدول الغربية في القرن التاسع عشر...
الطاقة كانت دائما هي المحرك للحروب الأوروبية منذ محاولة الاستيلاء على مناجم الفحم الحجري في الالزاس واللورين، والآن هي المحرك الرئيسي للاستيلاء على النفط الذي بدأت عائداته ترجع للدول المنتجة بدلا عن الأخوات السبع seven sisters اللائي كن يستولين على معظم عوائد النفط قبل أن تلجأ الدول المنتجة لتوطين الصناعة النفطية...
تصدير رأس المال المالي وإنتاج السلع الرأسمالية والأسلحة لخلق وظائف جديدة، يكتسب أهمية قصوى للاستقرار الاجتماعي في دول حلف الناتو...أي لا بد من رشوة الارستقراطية العمالية بالضمان الاجتماعي وإيجاد فرص عمل وغيرها من وسائل الدول الرأسمالية في السيطرة على غضب شعوبها...
غير أن التذمر ضد الرأسمال الذي أخذ شكل الاحتجاج العلني مؤخرا في كل بلدان الغرب مع الأزمة المالية التي تعيشها أوروبا حاليا لن تجدي معها رشوة العمال الأوروبيين ذوي الياقات البيضاء...فمع الاستعمال المفرط للتكنولوجيا وتصدير رأس المال ستزداد نسبة الباحثين عن العمل في دول الناتو..."المعدل الحالي للبطالة يتراوح بين 9 و12 في المائة"...لذا لا بديل سوى ترحيلهم إلى البلدان المتخلفة بإيجاد فرص عمل لهم هناك...غير أن تلك البلدان تكتظ بالسكان ولا تسمح بنيتها التحتية ولا تقاليد بعض شعوبها بوجود عدد كبير من الغربيين بينهم...إذن لا بد من إفراغها من بعض من سكانها...
قبل أيام نوه الغرب بالميلاد الرمزي للطفل رقم سبعة مليار...خُمس هؤلاء من المسلمين الذين يعيشون على فتات الحضارة والتقنية الغربية...توقفت عقولهم عندما بدأ العقل الغربي ينتج الثورة الصناعية...هم عالة على البشرية، لكن بعض دولهم تتحكم في إنتاج الطاقة والمواد الأولية، العامل المشترك الأعظم في الحروب التي أودت بحياة ما لا يقل عن مائة مليون مواطن أوروبي في فترة زمنية تجاوزت الثلاثين عاما بعام واحد (1914-1945)...
ازدياد الأنفس بهذه المتلازمة السريعة عند المسلمين على وجه الخصوص سيشكل ضغطا على البيئة والموارد الطبيعية التي يحتاجها الغرب...معظم حالات الفقر والجوع تحدث في العالم الإسلامي...إذن لا بد من التخلص من أكبر عدد ممكن منهم...هذا لن يحدث بالطرق التقليدية المباشرة، "التدخل العسكري"، بل عن طريق تمكين الجزء المتشدد من مقاليد الحكم والسلطة، وبدوره هذا، وبامتلاكه الحقيقة المطلقة والقوة الغاشمة سيعمل على إبادة كل من يخالفه الرأي من المسلمين الآخرين...ولا نحتاج مرة أخرى إلى إيراد أمثلة السودان والصومال وأفغانستان وإيران، فهي شاخصة للعيان...ودليل واضح على حال المسلمين عندما تتولى جماعات الإسلام السياسي أمرهم...
إذن سيتم الأمر بيد عَمْر لا بيدي وسيغسل الغرب يديه من هذه الجريمة بينما سيستفيد من الفوضى في هذه الأمكنة ويتخلص من العدد الأكبر من مسلمي العالم عن طريق إبادة بعضهم لبعض وسوء إدارة شئون البلاد...
من ناتج أعمالها السابقة لا يمكن وصف العقلية السياسية الغربية بغير المجرمة والانتهازية، وهي ذات العقلية التي صمتت على جرائم هتلر ولم تتحرك إلا بعد أن حاول المساس بأمنها...بما في ذلك الفاتيكان الذي باسم مسيحيته استباح هتلر أرواح ملايين البشر...ولتأكيد تواطؤ الفاتيكان حاول البابا بولس السادس الاعتذار عن ذلك الصمت، لكنه اعتذار لن يفيد من أرسلهم هتلر إلى غرف الغاز...
في العراق وحدها قُتل أكثر من مليون ونصف المليون شخص بينهم 500 ألف طفل لا يمكن أن يقال أنهم اشتركوا في الحرب...
حروب الرئيس جورج بوش الابن التي أدارها خلال ثمان سنوات في العراق وأفغانستان كلفت تريليون دولار لكنها في المقابل أوجدت فرص عمل في مصانع الأسلحة الغربية ووظفت الكثيرين في الخدمة العسكرية...
لاحظ الأثر الايجابي الذي يمكن أن يحدثه هذا المبلغ في البنية التحتية لهذه البلدان وفي العقلية التي يمكن تغييرها بتحديث بنيتها المادية...إنه السفه الغربي في أكثر حالاته تجلياً...
السؤال: هل تدرك تلك الجماعات الإسلامية التي يسعى حلف الناتو إلى تمكينها في الحكم، خطورة الدور الذي رُسم لها؟
أشك في ذلك كثيرا...هم فقط فرحون بأن تكون سيرتهم في وسائل الإعلام، يلتقطون الصور مع قادة غربيين يحتقرونهم ولا يكنون لهم أي قدر من الاحترام أو التقدير، وسيبيعونهم في أقرب بورصة للمزايدة الدولية كما هو حالهم مع كل مغفل نافع...وتلك لعمري أم الكوارث...

عيدكم مبارك وعساكم من عواده



11/11/2011

MOHAMED MUSA GUBARA [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]