خرج مجلس الجامعة العربية على مستوى المندوبين لأول مرة في تاريخه ببيان أدان فيه استعمال العنف ضد المدنيين في ليبيا...ثم اتحفنا مجلس وزراء الجامعة بطلب فريد من الأمم المتحدة يحثها فيه على فرض حظر جوي على بلد عربي عضو في الجامعة هو ليبيا...
العنف المقصود هو ذلك الأمر الذي تمارسه السلطات الليبية على الجماهير التي استلهمت انتفاضتي تونس ومصر وحاولت أن تطبقهما على نظام العقيد القذافي...
تقول الأنباء أن الذين قتلوا في ليبيا حتى الآن لا يتجاوز عددهم الثلاثة ألف شخص أي 1% من الذين قتلوا في دارفور و015% من الذين قتلوا في الحرب المقدسة في الجنوب...
في كلا حالتي دافور وجنوب السودان كان مجلس الجامعة العربية موجودا وفي كلا الحالتين كان عمرو موسى أمينا عاما للجامعة العربية...إذن ما الذي تغيّر؟
العنف هو العنف والقتلى هم القتلى والتي تمارس العنف في كل الحالات هي الدولة العربية بأي مسمى سميتموها...
يبدو أن الفرق في حالة ليبيا وحالة السودان إن القتلى في الحالة السودانية لم تكن لهم جذور عربية، أي أنهم دينكا وشلوك ونوير وانواك وتبوسا ونوبة وفور وزغاوة ومساليت...أي أن الدماء العربية الزرقاء لا تجري في عروقهم...وهذا بالطبع ما اراد عمرو موسى قوله حين نفى أي تشابه بين الذي يحدث في ليبيا الآن والذي حدث ويحدث في دارفور على مدى ثمانية أعوام خلت...
هنا تظهر عنصرية وشوفينية الجامعة العربية التي تقاضت عن قتل المدنيين في السودان لأنهم من غير العرب، ووقفت مع الليبيين لأنهم عرب خُلّص يشترك في قتلهم من قالوا أنهم مرتزقة افارقة...هذا الأمر حدث أيضا في مأساة الاكراد في حلبجة إذ لم يفتح الله على الجامعة العربية بكلمة واحدة في شأن إبادة جماعية حقيقية حدثت للأكراد...
وبالمناسبة، الجامعة العربية هي المؤسسة الإقليمية الوحيدة التي تقوم على أساس عنصري...الاتحاد الأفريقي يضم عرقيات مختلفة والآسيان كذلك، ومنظمة الدول الامريكية، وحتى الاتحاد الأوروبي يضم عرقيات مختلفة من آنجلوساكسون إلى جيرمانك ونوردك وفلامنج وغيرهم، بينما تتعدد ألسنة منتسبيه...
عمرو موسى وجامعته العربية ليس لهما علاقة بحقوق الإنسان، بل لم يكن عمرو موسى على وجه التحديد في يوم من الأيام داعيا لحقوق الإنسان، لقد كان وزير خارجية اكبر دولة منتهكة لحقوق الإنسان عرفها العالم...لا تدخل مركزا للشرطة إلا وتنال حقك من الضرب حتى وإن جئت شاكياً، ضربت أناسا عُزّل في ميدان مصطفى محمود حتى الموت، ولم يلهم الله الجامعة العربية لسانا مستنكرا لما حدث... لقد ساهم في مأساة منصور الكيخيا وزير الخارجية الليبي السابق ونائب رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان عندما تأمرت أجهزة الأمن المصرية مع السفير إبراهيم البشاري في تسليم الرجل للعقيد القذافي ليفعل به ما فعل كما ذكر صديقنا الفاتح حسن الذي كان شاهدا على مأساته...
في ذلك الوقت كان عمرو موسى وزيرا للخارجية وبالتالي هو عضو في مجلس الأمن القومي المصري ولا يمكن أن يتم ذلك الاختطاف دون معرفته، على الأقل ليتمكن كوزير للخارجية من الإعداد الجيد للإسئلة التي ستواجهه...لم يصدر عمرو موسى بيان يدين فيه القذافي لأنه كان من ضيوف القذافي المميزين حيث الدفع بالتي هي أحسن...كل ما في الموضوع أن عمرو موسى يريد امتضاء الموجة المصرية الحالية في الترشح لرئاسة الجمهورية بشعارات شعبوية يدغدغ بها مشاعر الأخوان المسلمين الذين لم يكن بعيدا عن فكرهم المطبّق في السودان حاليا...
القذافي ليس بالشخص الذي يمكن أن تتعاطف معه حتى وهو في الرمق الأخير من حياته...فهو شخص دموي يجيد التخريب لعُقد في نفسه...فوضوي anarchist بطبعه حتى وهو في السلطة...يحاول أن يدير بلده على طريقة المشاعية الأولى بينما يكون هو في قلب الفوضى ليتحكم في مسارها...تسبب في الكثير من المآسي للشعب السوداني، بدءا بتدخله السافر في انقلاب هاشم العطا، إلى تزويده بالسلاح لكل من يريد أن ينتفض على أية سلطة في الخرطوم...
جاء إلى السلطة في ظروف مريبة واستمر فيها رغم وجود قاعدتين عسكريتيين في الأراضي الليبية، أحداهما قاعدة هويلسwheelus   الامريكية، والأخرى القاعدة البريطانية في طبرق على البحر الأبيض المتوسط  والتي أُنشئت بموجب اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين في عام 1953 لمدة عشرين عاما، وقد كانت سارية المفعول عند وقوع إنقلاب القذافي في 1969...
لم تتحرك أي من القواعد الغربية لدحر إنقلابه الفطير في وقت لم يخف فيه الإنقلاب موقفه العروبي المؤيد لجمال عبد الناصر...
صدّق وصْف جمال عبد الناصر له بأمين القومية العربية، وكلنا نعرف ماذا يعني أحد المصريين حين يمدحك...فمدحهم كمدح بنات آدم في المثل الشعبي السوداني: "اكان شكّرَنّك لا تضبح لهِنْ ناقتك"
عندما حاول القذافي التطاول على حكام الخليج واصفا اياهم بالعمالة للغرب في اجتماع القمة العربية الشهير رد عليه الملك عبد الله سائلا: من الذي اتى بك إلى السلطة؟ نحن نعرف من اين جئت... واكتفى بذلك...
في صحيفة الإشتراكي الناطقة بلسان الاشتراكيين الديمقراطيين بجامعة الخرطوم، كتبتُ صبيحة إنقلاب الفاتح من سبتمبر 1969 مقالا ينوه بذلك الإنقلاب الذي وصفتُه بالثورة التقدمية ضد الملكية المتخلفة في ليبيا التي اشتهرت لدينا وقتها بواحة جقبوب التي لا يرى الشارعُ نساءها إلا مرتين، الأولى عندما تذهب أحداهن لبيت الزوجية والثانية وهي على آلة حدباء محمولة...
زميلنا غازي سليمان علّق على مقالي قائلا: "هل سمعت من قبل بحركة طلبة في ليبيا؟ فاجبته بالنفي".
قال: "بلد ليس فيه حركة طلبة، من أين يأتي بثوريين؟...هذا إنقلاب مخابرات أمريكية"...لم اقتنع بكلامه عن الثوريين فقد كان عمر المختار ليبيا... لكن تأكدت عمالة القذافي بعد التآمر التنسيقي الذي تم بينه وشركة لورنو البريطانية وانور السادات في إنزال طائرة الخطوط الجوية البريطانية التي كانت تحمل في جوفها المقدم بابكر النور سوار الدهب والرائد فاروق عثمان حمد الله قائدي إنقلاب يوليو 1971...
المخابرات الأمريكية احتفظت بالقذافي طيلة هذه الفترة كمشتت لـ اللعب spoiler وخلق التأزيم الدائم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وقد أدى ذلك الدور بهمة يحسد عليها...
ومعروف مصير الذين يعملون للمخابرات الإمريكية عندما يخرجون عن الخط المرسوم لهم أو يتجاوزون حدودهم أو تنتهي صلاحيتهم...بدءا بهيلاسيلاسي وشاه ايران والسادات وموبتو ونورييغا وبينوشي وبن على وحسني مبارك، وحتى الجماعات الإسلامية التي قامت بدور مشهود في محاربة السوفيت في افغانستان وكان مصيرها سلة المهملات...لقد قلبت لهم أمريكا ظهر المجن واصبح كثيرون منهم مشردين تتخطفهم إيدي المخابرات الغربية ومخابرات بلدانهم التي جندتهم للعمل في خدمة المخابرات الأمريكية...
لقد ادخل القذافي الجامعة العربية في مؤخرة الوزة ( بلغة المثقفاتية) بصموده غير المتوقع حتى هذه اللحظة، وإذا استمر في تخندقه وتمسكه بالسلطة فإن ما تبقى من ماء وجه الجامعة العربية سينضب بعد قراراتها الأخيرة غير المدروسة والتي تمت على ما يبدو وفق إملاءات خارجية في غالب الأمر، خصوصا وقد اختلفت الدول الغربية حول مبدأ فرض الحظر الجوي على ليبيا...
القذافي ذاهب إلى مذبلة التاريخ عاجلا أم آجلاً وكذا ايضا الجامعة العربية وعمرو موسى لأنهم قادمون من خارج التاريخ البشري الحديث...إلا أن الورطة التي وقعت فيها الجامعة العربية لن تسطيع الخروج منها، خصوصا والعالم العربي يمور بموجات من الثورة والهيجان غير المسبوق، مما قد يقتضي إتخاذ قرارات مشابهة، فهل تستطيع الجامعة فعل ذات الشيء مع الحالات القادمة؟...

17 مارس 2011
MOHAMED MUSA GUBARA [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]