روى دكتور على كوبا والعُهدة عليه، إن بعض الشباب السوداني المتواجد بمدينة زيوريخ ممن اسماهم خريجي جامعات الإنقاذ، لا يفهمون ما أكتب ولديهم قناعة بأنني صفوي النزعة والتوجه وأكتب لفئة من الناس بعينها، ويعتقدون أن عدم مخاطبتي لهم باللغة التي يفهمونها يجعلني، حسب زعمهم، أخدم أجندة الإنقاذ في سعيها لتجهيل الناس...

قال الرجل إنه جادل كثيرا واستمات في الدفاع عني دون جدوى، فقد ظلت عقول أولئك الشباب موصدة في وجه ما أكتب...لذا كانت نصيحته أن أكتب بما يفهمه أولئك الشباب...

بعدها بيوم واحد من حديثي الهاتفي المطول مع على كوبا كتب الأخ والصديق على عثمان المبارك في "السابع من يونيو"، مقالا في سودانايل يثني فيه على كتاباتي ضمن كتاب آخرين ذكرهم بالاسم...أقرأ لهم دوما، بل أن أثنين منهما هما مصطفي البطل وطلحة جبريل يمداني بما يكتبان على بريدي الإليكتروني...

على عثمان تساءل: "لمن نكتب نحن جيل السبعينات؟ وهل فعلا ما نكتبه سيكون له دور في المساهمة في مرحلة التغيير؟ وهل ستكون هناك آذان صاغية لهذه الآراء والأفكار؟" ومضى مشككا في فائدة ما نكتب طالما أن هنالك جيل، هو المستقبل، مغيب بكامله عن كاتباتنا وهو ما يجعل حصيلتنا صفر كبير في وعيهم...وضرب مثلا على ذلك بابنه مرثد وأبن صديقنا منير حسن منير الذين أدارا ظهريهما لوالديهما وأهتما باللعب في الـ play station عندما طفق والديهما يتحدثان في السياسة مع مجموعة أخرى من الأصدقاء...ومضى في قوله "لا اعتقد أن أبنائي يستمتعون بتلك الكلمات الرائعة والتحليلات المعمقة التي يكتبها فتحي الضو وسالم أحمد سالم ومحمد موسى وغيرهم، فهي بعيدة عن واقعهم".

علي وعلي من جيلين مختلفين تفرق بينهما على الأقل خمسة عشر عاما، لكنهما صديقاي...

على عثمان المبارك من ذلك الجيل الرائع الذي تواجد بجامعة الخرطوم في اواخر ستينات القرن المنصرم وأوائل سبعيناته...أنه الجيل الذي كان يلتهم المعرفة التهاما يوم كانت الخرطوم تقرأ ليس فقط الكتب بل صحف ذلك الزمان التي كانت وسيلة تثقيف حقيقية وليست ناقلة للإخبار من شبكات الانترنت...

عندما دخلنا الجامعة كان معظم ذلك الجيل قد قرأ مختارات لينين ومأثورات ماو تسي تونغ ومؤلفات جان بول سارتر والبير كامو والبيرت مورافيا وكولن ويلسون وهربيرت ماركوس وروجيه غارودي وغيرهم من الكتاب...وقرأ الذين ينتمون للتيار الإسلامي وقتها مأثورات حسن البنا وفي ظلال القرآن لسيد قطب والجهاد في سبيل الله لأبي الأعلى المودودي وغيرها من كتب الفكر الإسلامي...بل لقد بدأت في قرآة الوجود والعدم، وهو كتاب فلسفي ضخم لسارتر، في الإجازة التي سبقت إعلان نتيجة الشهادة السودانية...لم يكن يشغلنا في ذلك الوقت ما يشغل الجيل الحالي من أدوات لهو لا تضيف شيئا للعقل ولا توسع مواعين المعرفة...إلا أن ذلك لا ينفي أيضا أننا الجيل الذي فشل لاحقا في إدارة الدولة...جيل على عثمان طه ونافع وعوض الجاز، غير أن ذلك منحى آخر للمسألة...

د. على كوبا من جيل مايو، التقيته في قطار اسمه الغُربة امتطاه في زيوريخ قادما من كوبا حيث زامل فاقان اموم الذي تلقى تعليمه هناك، لا ليمضي في طريق الأممية الثالثة الذي اختطه فلادمير اليتش لينين عندما استغل قطار الثورة من زيوريخ إلى سانت بطرسبرج، بل ليعمل على خلق محمية بشرية في أدغال إفريقيا تقوم على العرق لا على المادية التاريخية التي تم تلقينها له في كوبا، وأشك في أنه قد استوعبها، ليلتقي من ثم مع الطيب مصطفى ومنبر السلام العادل على قارعة طريق الشوفينية...

فاقان لم يستوعب أممية فيدل كاسترو الذي أرسل جنوده لمساندة الثوار في كل مكان بما في ذلك الحركة الشعبية لتحرير السودان، بل لم يستوعب تضحيات تشي جيفارا الذي ترك الوزارة ليقاتل من أجل معذبي الأرض في أدغال الكنغو وغابات بوليفيا...كما أن هناك هوة سحيقة تفصل بينه وبين حكيم إفريقيا المناضل نيلسون مانديلا...

إذن المسألة ليست في خريجي جامعات الإنقاذ أو أبناء المغتربين في الخليج، إنها مأساة الكبار الذين يحتاجون لإرضاع من ثدي المعرفة والموضوعية حتى يُحرم عليهم الحديث عن تفتيت الوطن...ولا أعتقد أن جهل الذين ذكرهم على عثمان أو على كوبا يفوق جهل السياسيين السودانيين الذين هم بصدد تحطيم وطن بكامله...

من أجل هؤلاء نقرع الأجراس، ومن أجل هؤلاء نكتب لتلافي الخطر الماثل أمامنا...أما جيل الإنقاذ فلربما لو صلح الرأس يصلح الجسد...وعموما ليس كل فرد من أبناء الشعب ينبغي عليه أن ينخرط في السياسة أو أن يتمتع بالوعي السياسي أو يدرك مراميه، إلا أن هناك دوما صفوة عليها أن تدرك ماذا يعني الفعل السياسي، وهؤلاء هم الذين يقودون الدول لا العامة...

لينين نفسه لم يلق بالا للبروليتاريا الرثة التي قال عنها إنها لا تعي مصالحها، بل تكاد تكون معظم كتاباته قطعا من النصوص الأدبية فائقة الجمال، لا أعتقد أن فلاحي روسيا كان في مقدورهم فهمها في ذلك الزمان، ولا فهم ما بشّر به تولستوي وديستوفسكي وجوركي وغوغول وبوشكين...وكذا كانت رائعة وجميلة كتابات كارل ماركس باستثناء رأس المال وفائض القيمة...فالكتابة هي حصيلة معلومات متنوعة يختزنها الكاتب في وعيه ولا يمكن أن يعبر عنها بغير ذلك الوعي...والكاتب لا يستطيع أن يكتب برجليه...

كلام على عثمان المبارك لم يفاجئني كثيرا بل هو تعبير عن مشكلة قديمة يجب على مغتربي الخليج والسعودية على وجه التحديد ايلاءها الاهتمام اللازم...

أبناء مغتربي تلك البقاع منبتي الصلة بوطنهم ويجهلون تاريخ وجغرافية بلادهم التي لا يتم تدريسها في المدارس هناك، بالإضافة إلى تعاملهم مع بيئة مختلفة عن بيئة آبائهم...والمجتمع السعودي بوجه خاص مجتمع تغيبي يعتمد ثقافة أخروية تعظم ما بعد الموت وتهتم به وبذا يتم تحنيط العقل الإبداعي المهتم بالبناء الدنيوي...لذا ينبغي أن تكون الرسالة التربوية الموجهة إلى أبناء مغتربي الخليج العربي مختلفة عن تلك الموجهة إلى أبناء شتيت أوروبا وأمريكا الشمالية...

لقد شاهدت في السودان شباب على قدر كبير من الوعي بمشاكله ولديه مقدرة عالية على نقد ما يراه من سياسات خاطئة، قد لا يكونون بالكثرة الغالبة لكنهم بلا شك أقلية كبيرة لا يمكن الاستهانة بها...كثيرون منهم يقودون النضال في ظروف صعبة في الجامعات والمعاهد العليا...قسوة الحياة علمتهم كيفية التعامل معها، إلا أنهم لا يجدون الرعاية اللازمة من التنظيمات السياسية التي كانت ترعى مثل هذه الأنشطة...فيقع بعضهم فريسة لإغراء المال والسلطة والجاه من منظمات الإنقاذ أو المنظمات السلفية الوافدة من السعودية والتي تقودهم إلى اتجاهات لا علاقة لها بالحداثة وبناء المستقبل...

في شتاء العام 1984 التقيت في منزل المرحوم خالد مهدي بجنيف، بالدكتور عمر عبود الذي ضمتنا معه سنوات الجامعة رغم أنه كان على مسافة من العمل السياسي الطلابي...

في وجود العم محجوب الماحي المناضل الاتحادي وصهر خالد مهدي، دار الحديث عن مآلات السودان الذي كان يمر بمرحلة شبيه بالتي نحن فيها الآن...عمر كان يتحدث بصورة مفتوحة في وقت صمتت فيه أفواه كثيرة إبان تطبيق سيئة الذكر قوانين سبتمبر...

سألته وأنا أدس في يده منشورا أصدرناه باسم "مثقفي الشتات والمنفى" أصر على أخذه معه إلى السودان، عن ما الذي جعله يدخل الحقل السياسي الوعر في هذا الزمن الخطير؟

ردّ في بساطته المعهودة: "السياسة تعني أن أقف ساعات طوال في صف البنزين لأستلم جالون واحد يحملني إلى مكان عملي في مستشفى سوبا بينما هناك مريض ينتظر في غرفة العمليات؛ والسياسة تعني عدم وجود متطلبات مهنتي من أجهزة طبية وأدوية وغيرها من المعينات العلاجية...إذن الاهتمام بالسياسة ليس أمرا عرضيا بل تحتمه احتياجات الفرد في المجتمع وتحتمه المقارنة بين الذي يحصل في السودان والذي يحدث في بلدان أخرى اتخذت العلم والمنطق وسيلة لإدارة الدولة وإدارة مواردها بكفاءة عالية"...

وهذا بالضبط ما يجعل شباب السودان في الداخل يهتمون بالعمل السياسي نضالا أم انتهازية...

هل كنا أكثر وعي منهم عندما كنا في أعمارهم؟ هذا سؤال لا يمكن الإجابة عليه ببساطة في ظل المعلومات المتاحة لهم في شبكة الانترنت، بل يظل السؤال جزء من سجال يذكرني بحوار دار بيني ود. إبراهيم حسن عبد الجليل بحضور صديقنا د. عبد الرحمن إبراهيم محمد في ذات مساء بدار أساتذة جامعة الخرطوم في العام 1974.

كان رأيي أن جيلنا أكثر وعيا من جيل د. إبراهيم عندما كان في عمرنا بسبب المعلومات الإضافية المتاحة لنا والتي لم تكن متوفرة لديهم...لم يكن الانترنت قد ظهر إلى حيز الوجود في ذلك الوقت، وكل ما كنت أتحدث عنه هو التلفزيون والثقافة الأخرى المتاحة كتابةً...

أختلف معي د. ابراهيم ودافع عن موقفه بقوله أنهم كانوا أكثر جدية منا في تحصيل المعارف وتحليلها والوصول إلى الاستنتاج الصحيح، ولم يكن يلهيهم شيء عن ذلك...

بكتاباتنا أيا كان شكلها نسعى نحن لتوعية عامة المواطنين ليكونوا وسيلة ضغط في اتجاه الإصلاح السياسي، وعلى العموم "اليتيم ما بعلموه البكا" علينا فقط تذكيره بأنه يتيم...كما أن السياسة لا يصنعها العامة ولا ينبغي لهم، ولا يجب أن تقوم على الشعارات الشعبوية التي قادت الإنقاذ إلى السلطة وأبقتها على رأسها رغم العبارات المنفرة للذوق العام من أمثال "لحس الكوع" و"تحت جزمتي دي"...ما نريده هو أن نرفع السودان من هذا الدرك السحيق وهذا لا يمكن أن يتم إلا بخطاب مستنير مميز يفضح خُطب عصر الانحطاط...وعلينا أن نرفع الناس إلى تلك الذُرى لا أن نهبط معهم إلى حضيض الفهم المتدني وخطاب الإنقاذ الشعبوي...

 

محمد موسى جبارة

 

12 يونيو 2010

MOHAMED MUSA GUBARA [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]