يرحل عن هذه الدنيا كل يوم أناس كثيرون، بعضهم نعرفه بالميلاد وآخرون بالمعايشة أو برابط الأرحام والقربى...يترك البعض منهم أثرا في نفسك لا يمحوه الزمن وبعض آخر كأنك لم تراه في حياتك...

هذا هو الإنسان، إما أن يعيش في أعماقك ويستقر في داخلك أو يطوف حول هامش ذاكرتك...وكلما تقدم بنا العمر كان رحيل الذين في أعماقنا أوجع وأشد وطأة، يطول حزنك بطول معرفتك بهم...

دكتور عوض الكريم عبد العزيز عبد المنعم محمد كان آخر الراحلين...رحل وترك أثر لا يُمحى من حياتي...حزني عليه مضاعف لأنه كان صديقا حقيقيا ووفيا...كان يهدي لي عيوبي دون أن أغضب منه...صراحته المعهودة كانت دوما دليلا لأخطائي، لذلك أحببته دون كل الذين عرفتهم في النصف الثاني من حياتي...قبل أيام معدودة من وفاته كنت أتحدث إلى أحد الأصدقاء قائلا عنه إنه الشخص الوحيد الذي كان يهدي لي عيوبي، ولقد سمع كثيرون هذه العبارة مني...

كان يذكرني بعيوبي كلما ما غابت عني أو أعماني عنها الغرور...كان صادقا لذا كنت أصدقه...

في زمهرير شتاء عام 1983 وقد نضت أشجار جنيف أوراقها المخضرة عن سوقها واستعاضت عنها بأوراق مصفرة ومحمرة وبألوان أخرى استعدادا للشتاء، كان عوض في سيارته الكورفيت في انتظاري برفقة الصديق وزميل الطفولة الأخ سليمان مدني حمد في محطة جنيف التي وصلتها قادما من باريس...

كان السودانيون قِلة في سويسرا ولم يكن بمنطقة زيوريخ سوى ناجي وسيف وعوض شمت إضافة لعثمان البرير بأسرته في سانت غالان، لذا كان د.عوض كثير التردد على جنيف...

عوض جاء إلى أوروبا الغربية مبكرا في عمره في وقت لم يكن كثيرون يأتون إليها...درس الطب في جامعة هامبيرج بالمانيا الإتحادية في النصف الثاني من خمسينات القرن المنصرم مزاملا الراحل د. عمر نور الدائم في ذات الزمان...برجوازي النشأة منذ كانت تلك الصفة تُكتسب بالميلاد لا بالانقلابات العسكرية وأسواق المواسير...لكنه رغم ذلك كان صديق الجميع بمن فيهم الذين تخلوا عنه في محنته...

عرف حياة الغرب في وقت مبكر وكحفيد لعبد المنعم وأبو العلا لم تكن تنقصه الجرأة في اقتحامها عنوة وعبُّ ما طاب له منها...كانت تعجبني جرأته في اقتحام الأمكنة وعدم تهيبه من الذين فيها وكانت تتفوق على كل ذلك طريقته في التعبير عن رأيه، لا يمضغ كلماته لكنها تخرج من فمه كطلق ناري عندما يقتضي الأمر...

في غداء لنادي الروتاري بجنيف حيث يدور الحديث همسا في مثل هذه اللقاءات، كان ضيف الشرف أحد أعضاء النادي من جنوب إفريقيا...انتفض عوض فجأة واسمع الرجل كلاما ما أظنه قد سمعه من قبل...كان ذلك أوان الفصل العنصري...قلت له نحن في هذا الغداء من أجلك، وبذا ترسل إشارة سالبة لمن تريد التعامل معهم في مشروعك...

قال لم تعجبني عجرفة الرجل ولن أحتاج لشيء من أمثاله...

رغم ذلك كانت كل حياته بهجة ولم تُفقده صراحته المعهودة الأصدقاء الحقيقيين، يتعامل مع الناس كل حسب قدره وإمكاناته الذهنية، لكنه كان دوما يرفض السوقية vulgarity

عزف الجيتار في شبابه وغنى ضمن فرقة من طلبة ذلك الزمان في ألمانيا وأجاد عزف العود، وكم ليال قضيناها معا نعزف على عودٍ أهدتني إياه سيسيليا ابنة وزير النفط السابق في فنزويلا، قالت إنه يعود لأحد وزراء دولة الأمارات، ربما رآه كثيرون معلقا على جدار مجلس بيته في زيوريخ...

لقد أتاحت لي علاقتي به معرفة سويسرا عن كثب حيث كنت أزوره أين كان، وقد كان كثير التنقل في عمله، لذا أتقن لغات سويسرا الثلاث الرئيسية إضافة إلى اللغتين الإنجليزية والعربية...

ككل الذين وفدوا إلى أوروبا في بواكير أعمارهم في ذلك الوقت كان يعتوره الشك في أشياء كثيرة...انتقل من الشك إلى اليقين في ذات شتاء في "ساسفي" Saas-Fee حيث كان يعمل طبيب طوارئ لحوادث التزحلق على الجليد...كعادته صحا مبكرا فرأى الأرض حوله كأنها بساط أبيض تعلوه شمس ساطعة تكاد تلامسه عند الأفق البعيد...لم تكن تلك المرة الأولى التي يري فيها هذا المنظر، لكنه رآه هذه المرة ببصيرته وليس ببصره...كان الأسبوع في نهايته...رنّ هاتفي صبيحة ذلك اليوم وكان هو على الطرف الآخر من الهاتف...

"مولانا"، وذلك كان اللقب الذي يحب أن يناديني به، "لا يمكن أن يكون هذا الجمال إلا من صنع الله"...وصف لي وصفا بديعا ما ترآى له من سحر الطبيعة ووقار الجبال، وألحّ عليّ أن أزوره هناك...من وقتها كان سالكا في طريق القوم...

 بعض الذين تجرى الحياة على هواهم يظنون أنهم يملكون كل شيء حتى تصاريف القدر...دكتور عوض جارت عليه الدنيا في أواخر عمره فخسرها وكسب الله...

مات وحيدا رغم أنه لم يقض يوما واحدا في حياته الممتدة دون رفقة...وكان ذلك مصدر حزني الكبير عليه...وكم قاسيا هو الإنسان عندما يصادقك لمنفعة...

لم يسعفني الوقت لزيارته في المرة الأخيرة التي كنت فيها في زيوريخ، فقد كان في مشفى بعيدا عن المدينة...تهاتفنا ووعدته بالزيارة مع دكتور على كوبا....

رحم الله صديقي دكتور عوض بقدر ما أهدي لي عيوبي، واسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء...

اللهم أن عوض عبدك وابن أمتك، جاءك في ضعفه راجيا عفوك ورحمتك فاشمله اللهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين

اللهم إن كان محسنا فزد في حسناته وإن كان غير ذلك فتجاوز عن سيئاته

اللهم اغسل خطاياه بالماء والثلج والبرد كما يغسل الثوب الأبيض من الدنس

اللهم أبدله منزلا خيرا من منزله وديارا خيرا من دياره وأهل خيرا من أهله

اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده...

ولأهله وأحبابه السلوى وحسن العزاء

 

وإنّا لله وإنّا إليه راجعون

 

محمد موسى جبارة

 

5 يونيو 2010

MOHAMED MUSA GUBARA [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]