MOHAMED MUSA GUBARA [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 

ما أشبه الليلة بالبارحة...

في يوم تنصيب البشير في القصر الجمهوري يقبع عراب الإنقاذ خلف قضبان سجن كوبر، تماما كما حدث في الثلاثين من يونيو 1989، لكن بصورة حقيقية هذه المرة، وليس بغرض التمويه.What a paradox?  بل أين المرجعية السماوية المقدسة التي يدعيها الطرفان؟

عندما يجري المرء مقارنة بين إبليس وهؤلاء القوم فأن كفتهم ترجح على كفة إبليس سوءا...

إبليس كان واضحا ومواجها لخالقه حين* قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ*

جماعة الإسلام السياسي تفوق ابلستها أعمال إبليس بحيث يقف متمحنا كما فعل فيما يُحكي عن الرجل والناقة والشجرة...دراما سوق المواسير لا تبتعد كثيرا عن تلك القصة إذ أن إبليس نفسه لم يكن ليفكر فيها كما فعل قادة المؤتمر الوطني في الفاشر...

الذين يتعوذون من إبليس عليهم أن يتعوذوا قبل كل شيء من جماعة المؤتمر الوطني الذين ما انفكوا يغرونهم بالوهم فيصدقونهم...لقد ضحوا بفلذات أكبادهم في حرب آل فيئها إليهم قصورا وقناطير مقنطرة من ذهب وفضة وكواعب أترابا...بينما يلهث هؤلاء المكلومون خلف لقمة العيش فلا يجدونها إلا بمذلة، ويفقدون أرواحهم بسبب مطالبتهم بأموال تعرف الخرطوم أنها دخلت جيب الوالي الذي ذكر في إبراء ذمته أنه يملك 50 مليون من الجنيهات، أي ما يعادل 20 مليون دولار أمريكي!!!

الملايين التي اقترعت للبشير أيا كان عددها أشك في أنها قد سألت نفسها أين تذهب عائدات النفط الذي ينتج السودان منه ستمائة ألف برميل في اليوم بمتوسط سعر 70 دولار للبرميل، أي  ما يعادل 15 مليار دولار في السنة...

لم يسألوا أين عائدات الذهب الذي يُستخرج منه ما يقارب العشرة أطنان سنويا أي ما يعادل 330 مليون دولار بسعر اليوم؛

لم يسألوا أين ذهبت عوائد المشاريع الحكومية المباعة لمستثمرين دفعوا قيمتها من ريع تشغيل تلك المشاريع؛

لم يسألوا أنفسهم لما هم فقراء بينما يملك الرئيس المنتخب وأهله وصحبه وجماعة المؤتمر الوطني الفلل الفاخرة والملايين التي يصرفونها ببذخ على أتباعهم بل على حماس والجهاد الإسلامي والمنظمات الإسلامية المتطرفة وعلى شراء ذمم مراقبي الانتخابات من عرب ومسلمين ومزوري حقائق من ممثلي الاتحاد الأفريقي بينما لا يجدون هم الماء النقي الذي يشربونه...

هل نعدو الحقيقة إذا قلنا إن التزوير الحقيقي كان في عقول المواطنين وليس في صناديق الاقتراع؟

كم طيب هو هذا الشعب، يخدعه الأنبياء الكَذَبة والدجالون فيصدقون كل ما يقولونه له من لغو الحديث..."الطيبة أسهل شيء في نظر الكسالى لأنها لا تتطلب تفكيرا" أو هكذا قال مكسيم جوركي على لسان "اوسيب" النجار في رائعته "بين الناس"...

السبعة عشر ألفا الذين أدلوا بأصواتهم للبشير في السعودية هل يعلمون أن الأصل في الأشياء أن يكون الإنسان في وطنه بين أهله وعشيرته وليس لاجئا لدى الآخرين يقدم خدماته دون أن ينال ثناء أو استحسان لما يقوم به من عمل جل قدره أو ذلّ؟...الم يسمع الذين منهم على مقربة من الحرمين الشريفين قول الرسول الكريم: "من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا"...هل اختصرتم مشكلتكم في ضرائب المغتربين والتسهيلات التي ينبغي أن تُعطى لكم ونسيتم الأمر الجلل وهو أنكم تتواجدون في أمكنة ما كان ينبغي أن تكونوا فيها ابتداءً لولا السياسات الخرقاء لأقوام أتوا إلى الحكم بظهر ليل وجعلوكم تواجهون استعباد الكفيل وسلطان "الخروج والعودة" حتى في أحرج لحظات حياتكم؟

هل تعلمون أن من اوجب واجبات الحكومة الراشدة أن تخلق فرص عمل لمواطنيها؟ وأن هذه من الأمور التي تقيم الحكومات وتسقطها عند الشعوب الواعية بحقوقها؟ وأن كون الرئيس ضكران أو امرأة لا يهم كثيرا إذا كان سيحفز الاقتصاد ويرفع نسبة النمو ويعمل على القضاء على البطالة والتسول؟

هلا سمعتم مؤخرا ذلك الإفريقي الذي يحكم أقوى دولة في العالم يقول: "إن النجاح الحقيقي للاقتصاد هو خلق وظائف للمواطنين"؟ وتأكيده بأنه سوف يقاتل من أجل ذلك الغرض؟

هل أقنعوكم ببرامج للتحديث جعلتكم تلتفون حولهم؟ هل طرحوا برامج للتنمية والتطوير كما فعلت الصين كعبتهم التي لا يكفون عن الحج إليها كل أسبوع، والتي بدأت مشروعها التحديثي في نفس عام وصول الإنقاذ للسلطة، مستفيدة من الانفتاح العالمي الذي صحب سقوط الاتحاد السوفيتي؟...وبذا لم تضيع وقتا في الملاسنة والعنتريات بل اهتمت بحيازة التقنية الغربية التي بسبب فقدانها انهار الاتحاد السوفيتي؟...فما الذي يجعلكم تمنحون السراق شيكا على بياض ليفعلوا بكم ما يشاءون؟...

نقدكم لهم سيمنعهم من التمادي في الخطأ وتوجيهكم لهم سيجعلهم يسيرون نحو الصواب...فلا ينبغي أن تجعلكم العصبية المذهبية أو القبلية الجاهلة أو الحزبية المقيتة تقفون مع الباطل لأنه باطلكم وتجافون الحق لأنه حق الآخرين...ما هكذا تطورت الدول التي ترونها وبقيت في مجرى التاريخ...وإن فعلت شعوبها كما فعلتم لجرفها الطوفان غير مأسوف عليها و على من ساندها على الباطل...

أين الذين منحتموهم أصواتكم من هذا المفهوم للعمل السياسي؟

قال سياسيو الغرب ذات يومٍ بعد أن اكتشفوا دجل الكنيسة منذ القرون الوسطى، نريد أن نبني مجتمع رفاه للجميع في هذه الحياة الدنيا، يقوم على العلم والمعرفة والإرادة الحرة للبشر في اختيار طريقة حكمهم ومن يحكمهم...وقد كان لهم ما أرادوا...

تعلموا من تجاربهم فأقاموا حكومات راشدة وبنوا مجتمعات الرفاه التي تتبنى الإنسان من المهد إلى اللحد، بما فيهم نحن الذين وفدنا عليهم مؤخرا ولم يكن لنا مثقال ذرة من الإسهام في بناء تلك المجتمعات...بل على عكس ذلك يريد البعض منا من أمثال أبو حمزة المصري تدمير حضارة لم يسهم في بنائها ولا يمكن لعقله المتخلف بمقدار 1500 سنة أن ينجز 1 في المليون من انجازاتها...! 

مقابل ما فعله الغربيون، ماذا قال أصحاب البديل الإسلامي للمسلمين؟

دون شك لم يعدوهم ببناء جنة في هذه الأرض، لأن ذلك أمر ينبني على العلم لا على الغيب، وهم لا يملكون من العلم الحديث شيئا، كل الذي يمكنه فعله هو إقامة ولاية طالبانية في مثلث حمدي...تتناقل وسائط الإعلام خبر خلق علماء الغرب خلية حية، ونتجادل نحن حول إرضاع الكبير في مجتمع تمتلئ أحشاءه بزنا المحارم!!! ويا أهل بيزنطه سلاما...

كما لا يستطيعون القول بأنهم يودون إدخالهم الجنة لأن ذلك من شأن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله الذي ألزم كل إنسان طائره بعنقه حيث يأتي كل واحد منا يوم القيامة فردا، إذن ما هو البرنامج الذي يجعلنا ننتمي لمثل هذه التنظيمات التي لا تقوم على شيء؟

غياب هذه الأشياء عن وعي المواطنين ليس من خطأ الشعب الطيب، الساذج حسب المفهوم المصري لهذه الكلمة، بل هو من أعظم أخطاء النخب السياسية أو بالأحرى مثقفي البلد الذين عليهم تنوير الشعب بحقه في العيش الكريم...وأخص بالقول المثقفين، لأن السياسة في السودان أصبحت مهنة كل عاطل عن الإبداع الذهني حتى امتهنها المرفعين والبعشوم والبعنيب...

لقد مضى على إعلان نتائج الانتخابات شهر أو ما يزيد قليلا، فهل سمعتم بحزب سياسي واحد اصدر تقييما لنتائج تلك الانتخابات؟ أو اجتمع مكتب سياسي أو قيادة عليا لإصدار بيان تنويري للجماهير الحائرة حول ما حدث، ولماذا حدث؟ بالطبع لا...كل الذي سمعناه أن البعض منهم بعد أن قبض الثمن غادر القطر في إجازة ترويحية وذهب "مع" أهله يتمطى...

علينا إذن أن نقرأ نتائج الانتخابات بصورة صحيحة، فقد كان فوز المؤتمر الوطني تجنيبا للبلاد من الفوضى التي كان في مقدوره إحداثها في حال عدم فوزه...إذ أنه لم يكن هناك حزب أو جهة سياسية مؤهلة للقيام باستلام السلطة وإدارة دفة الدولة المُسيطَر عليها من قبل كوادر المؤتمر الوطني....

هذه الواقعية هي التي جعلت المجتمع الدولي يقبل نتيجة الانتخابات رغم علمه بأنها مضروبة...أداء الزعامات السياسية وتذبذب مواقفها قبل الانتخابات حدد موقف المجتمع الدولي من كل شيء...وهناك حسابات لذلك المجتمع تقول بأن نصيب المؤتمر الوطني في الانتخابات ما كان ليقل بأي حال عن 40% من أصوات المقترعين حتى لو لم يتم تزوير الانتخابات، لكونه يملك ميزة تفضيلية هي استغلال موارد الدولة في حملته الانتخابية...هذه النسبة ستجعله أكبر كتلة برلمانية وإن لم يفز برئاسة الجمهورية، مما يجعل إدارة الدولة من الصعوبة بمكان بحيث يستحيل معها إنفاذ ما تبقى من اتفاقية السلام الشامل...

كما أن فوز عرمان كان سيكشف عري اتفاقية نيفاشا وجهل من أنجزوها...لذا فضل المجتمع الدولي التعامل مع الوضع الراهن  status quo

ثانيا لم يكن المؤتمر الوطني على استعداد لخسارة هذه الانتخابات تحت أي ظرف من الظروف، وكان سيعيد سيناريو يونيو 1989 لكن دون أن يذهب هذه المرة أحد للسجن وآخر للقصر الجمهوري، وسيتعيّن علينا حينذاك أن نبدأ مرحلة نضال جديدة أثبت الماضي القريب أن بعض من رجالها ونسائها قد أصبحوا من قابضي ثمن النضال...

الكل يعلم أن البشير كان محور العملية الانتخابية التي جرت وليس التداول السلمي للسلطة وإحقاق الديمقراطية أو تسريع نمو الاقتصاد السوداني أو خلق مجتمع الرفاه...فهذه ليست من أولويات جماعات الإسلام السياسي أيا كان موقعهم، وأكاد أجزم أنهم لا يستوعبون ماذا تعني هذه الأمور في عالم السياسة الذي يعتبرونه مسألة تأمين لحياتهم ومعاشهم فقط في داخل السودان أو خارجه إذا قذفت بهم الظروف إلى ما وراء حدود الوطن...

المؤتمرون يعلمون تماما أن الانتخابات أو الإجماع الوطني أو حتى ما يسميه البعض ثوابت الأمة ومساندة سوار الدهب لن تُسقط تهم المحكمة الجنائية، فهي إن كانت لا تسقط بتقادم الزمن فمن باب أولى لن تسقط إلا عند القبر وستظل "سيف ديموغليس" مسلط على رقبة من ارتكبها تماما كروح القتيل التي لا تتخلى عن قاتله إلا في جبل الرحمة حيث تتعلق به مرة أخرى متى نزل من ذلك الجبل المقدس، وكم من أرواح بريئة معلقة برقاب القوم الذين يتحكمون في الخرطوم..

البشير كان مجرد غطاء لآخرين أكثروا من التهليل والتكبير يوم إعلان النتيجة رغم معرفتهم المسبقة بها...وكان الشاهد على ذلك ما صرح به هو ومن تبعه بأن انتخابه كان بمثابة رد الشعب السوداني على المحكمة الدولية...إذن الرد على المحكمة الدولية وليس بناء السودان الحديث هو المهم في هذه الانتخابات، تماما كما علمنا يوما بأن الاستعجال في تدشين سد مروى قبل اكتمال بنيانه، كان من أجل الرد على اوكامبو وليس لتوليد الكهرباء...بالطبع لم يتجرأ أحد ويقول أن الجرائم المعترف بها من قبل النظام يستحق ضحاياها أن يروا العدالة تأخذ مجراها في السودان أو في خارجه طالما لم يسمح المتنفذون بالاحتكام لعدالة كفوءة...

وأخيرا ربما بدأنا نكتشف أنفسنا ونطرح أسئلة جريئة، في الإجابة عليها يكمن تشخيص المرض فيسهل من ثم وصف العلاج...

لقد اعتدنا التحدث عن أحزاب كبرى وقيادات تاريخية وأخرى مقدسة، لكنا لم نسأل أنفسنا ماذا كان مردود هذه القيادات أو تلك الأحزاب أو ما سميّ بالثوابت على الحياة الشخصية لكل فرد منا، إلا بعد أن رأينا تلجلج تلك القيادات وتلك الأحزاب الكبرى أمام مستحقات انتخابات أتى بها هواة من منتجع نيفاشا ليعيدوا بها رسم خارطة وطن ظلت محفورة في وعينا الجمعي بعمق آلاف السنين...وهو أمر كان عليهم فهمه بالتجربة إن لم يسعفهم العلم على ذلك...

الصديق وزميل الدراسة الأخ الدبلوماسي الرائع عبد القادر أحمد الشيخ قال في حديث هاتفي من الطرف الآخر للأطلنطي أن الأمر يقتضي التفكير بصورة مختلفة عن النمط الذي نفكر به الآن...وكان له تصور يعتقد فيه بأن قطاع الشمال في الحركة الشعبية يمكن أن يلعب دورا حيويا في جمع الناس حوله حتى في حال انفصال الجنوب، لأننا نحتاج تحت كل الظروف إلى حزب شمالي جديد يقود السياسة بمفاهيم جديدة وتنظيم جديد بل بدماء جديد...

كان هذا الأمر ممكنا لو كان قطاع الشمال يملك زمام أمره بيده بعيدا عن قيادة قاصرة النظر محدودة التفكير ولا تؤمن بسودان موحد كان عليها أن تناضل من أجل حقوقها فيه، لا أن تهرب منه إلى الأمام...وكان ممكنا لو أصر قطاع الشمال على موقفه في الاستمرار في الانتخابات، لأنه دون سائر الأحزاب كان يحتاج إلى معرفة رصيده ومعرفة حجم الرفض للأطر التقليدية التي ظلت تتحكم في السياسة السودانية منذ سبعة عقود...

لقد فشلنا نحن الاشتراكيون الديمقراطيون، وقدوره واحد منا، في خلق تنظيم جماهيري يستطيع استقطاب كل الواقفين على رصيف الحياة السياسية مع كل ما نتمتع به من قدرات فكرية وتنظيمية تفوق قدرات كثير من الطحالب التي طفت على سطح الحياة السياسية في الآونة الأخيرة...

في ذات أعوام خلت كان للاشتراكيين الديمقراطيين تنظيم يُعد من اكبر تجمعات الحركة الطلابية في ستينات القرن المنصرم، حيث كان يسيطر على اتحادات الطلاب في جامعة الخرطوم والمعهد الفني ومعهد المعلمين العالي وكلية الفنون الجميلة...وبذا نحن نتحدث عن آلاف من خريجي تلك الجامعات والمعاهد العليا المنخرطين حاليا في الحياة العامة...

في العام 1965 كانت له اكبر كتلة طلابية في جامعة الخرطوم استطاعت أن تشكل الاتحاد الذي تولى رئاسته د. إسماعيل الحاج موسى من الجبهة الاشتراكية بينما تولى رئاسة المجلس الأربعيني د. محمد نوري الأمين من المؤتمر الاشتراكي الديمقراطي...ورغم أن تلك كانت القمة the climax التي جلس عليها الاشتراكيون الديمقراطيون إلا أنها شكلت أيضا نقطة الانحدار لذلك التنظيم بسبب الرجل الذي أصبح فيما بعد سادن كل حكومة عسكرية عرفها تاريخ السودان الحديث...

صادف انتخاب إسماعيل رئيسا للاتحاد أزمة حل الحزب الشيوعي السوداني، وكان اتحاد طلاب جامعة الخرطوم نقطة الارتكاز في تجمع الدفاع عن الديمقراطية...

في تلك الندوة الشهيرة التي أقيمت بدار إتحاد طلاب جامعة الخرطوم وحضرها وتحدث فيها معظم سياسي ومثقفي ذلك الزمن، كان من المفترض أن يخاطب إسماعيل ذلك الحشد الكبير الذي تربص به الأخوان المسلمون وحزب الأمة.

في غياب إسماعيل غير المُبَرَر أضطر محمد نوري الأمين الذي كان خطيبا مفوها وشجاعا في آنٍ معاً، مخاطبة الحشد بديلا عنه بوصفه رئيسا للمجلس الأربعيني...نال محمد نوري نصيبه من اعتداء الأخوان على الندوة، وهُرع به إلى المستشفى حيث عاد إلى دار الاتحاد وجسده يحمل آثار العدوان...

عائدا من السينما، جاء إسماعيل يتهادى وكأنه لا يدري بأن عليه مخاطبة الندوة ممثلا للإتحاد...

مكفِّرا لنوري عما رآه عليه من ضمادات، ردّ عليه الأخير سائلا عن سبب غيابه...فقال أنه نسي أن هناك ندوة...فكانت عبارة نوري التي سارت بها الركبان: "يا إسماعيل في بِتْ بتنسى يوم دُخلتها؟"...

لقد كان ذلك يوم عرس إسماعيل، لأنها المرة الأولى التي كان سيشارك فيها فطاحلة العمل السياسي  في ندوة واحدة، وكانت بالطبع الأخيرة...فقد كان هناك عبد الخالق والشفيع وعابدين إسماعيل وأمين الشبلي وصالح محمود إسماعيل وحسن بابكر...من وقتها تدهور حال الاشتراكيين الديمقراطيين لأنهم ولوا أمرهم رجلا لم يكن على قدر مسئولية اتحاد طلاب جامعة الخرطوم الذي فجّر أول ثورة يقودها الطلاب في العالم...

نفس هذا الإتحاد وتحت القيادة التي ذكرت، فقد مصداقيته أمام الرأي العام السوداني بوقوفه ضد إدخال نظام الخدمة الذاتية self service في قاعات الطعام بالجامعة...

رغم ذلك أقول أن هناك قدر كبير من الأمل في أن تقود تلك الصفوة من أبناء السودان البناء السياسي في شمال القطر، وأن تطرح نفسها بديلا حقيقيا للتنظيمات الشائهة التي أصبحت في ذمة التاريخ...عليهم فقط أن لا يركنوا لليأس والاعتقاد بأن ليس في الإمكان أحسن مما كان...من يحكمون السودان الآن لم يكونوا أكثر منهم عددا وما كانوا أكثر منهم نضجا سياسيا...هم فقط مجموعة متآمرين سطوا كحرامية المنازل على السلطة بليل وجيّروها لمصلحة أنفسهم...علينا التنادي لهزيمتهم ببديل سياسي يعرف ماذا يعني الفعل السياسي بالنسبة لبلد كالسودان، ما كان ينبغي له أن يكون في مثل هذه الحال التي هو عليها لو كان هناك سياسيون حقيقيون...وأرجو أن لا تخدعكم الإنقاذ بإنجازات ما هي إلا غثاء السيل، فإمكانيات السودان أكبر من ذلك بكثير، وشكل نهضته ليس كما نراه حاليا...فذلك بلد يمتلك من الموارد الطبيعية والكوادر البشرية الداجنة والمهاجرة ما يجعله بلدا حديثا حقيقة لا مجازا...إنه أمريكا مصغرة...فهل هناك من يعي هذه الحقيقة؟

 

 

 

27 مايو 2010