بعد أن اطنب في مدح البشير حتى خلته أحد اقربائه او من منتسبي الجهاز او المنتفعين من النظام، قال وانا اهم بمغادرة المكان: "يا استاذ، ما القى عندك خمسين جنيه؟ لقد تأخر صرف معاشي على مدى الستة أشهر الماضية".

لم أكن متأكدا إن كان للرجل معاشا قد تأخر صرفه أم لا، لكن من المؤكد أنه رجل فقد ماء وجهه...

قلت علاما إذن تمدح البشير بهذه الحماسة وأنت في حوجة لهذا المبلغ الزهيد؟ او ليس هو من أهدر كرامتك واراق ماء وجهك وجعلك تسجدي الناس؟

أوليس من اوجب واجبات أمير المؤمنين الذي تمدحه أن يمنع الناس التكفف من أجل لقمة العيش؟ اوليس هذا بالضبط ما فعله عمر ابن الخطاب عندما سمع المرأة تغلي الحجارة لطمأنة اطفالها الجوعى؟ اولم يكن هو من درأ الحد في غلمان حاطب ابن ابي بلتعة الذين سرقوا ناقة رجل من مزينة لأن سيدهم لم يكن يطعمهم؟ بل أمر سيدهم بدفع ضعفي ثمن تلك الناقة؟..

الم يطوف الأمير الخامس عمر بن عبد العزيز احياء المدينة بحثا عن أحد يقدم له الصدقة فلم يجد؟

قال: مدحته لأنه راجل ضكران!!!

إذن ما بال رجولتك أنت؟ اوليس هو من أهرق ماء وجهك وجعلك تتكفف الناس في دولة رسالية؟ ثم ماذا يهمك في رجولة رجل لم يحافظ على رجولتك إن لم تكن من المخانيث؟

رغم ذلك وجدت لذلك الرجل عذرا، فهو وأمثاله كُثر لم يكونوا إلا ضحية قادة سياسيين آخرين تركوهم نهبا لدعاية حزب المؤتمر الوطني المصاب زعماءه بعقدة الرجولة والضكرنة، رغم أن ثاني اكبر اقتصاد في العالم تقوده أمرأة لا تجد في طرقات مدائنها احد يسأل الناس الحافا سوى مدمني المخدرات الذين يبددون الإعانة الإجتماعية في شراء ما يحتاجونه من حشيشة أو بدرة الكيف...

خمسون في المائة من الشعب السوداني يعيشون تحت سقف الفقر، أي ما يقل عن  دولارين في اليوم، رغم ذلك لا يساورني أدني شك في أن تسعين في المائة منهم قد صوتوا للمؤتمر الوطني وللبشير بسبب الدعاية التي ظل يبثها إعلام الحكومة دون أن يكون لها مقابل يدحضها من قِبَل الاحزاب او التنظيمات الأخرى التي عجزت عن إنشاء إذاعة FM لبث برامجها ناهيك عن إقامة قناة تلفزيونية لن يكلف استئجار استوديوهات لها في دبي اكثر من 50 الف دولار في السنة...

بعد سبعة عقود من رائعة يوسف مصطفى التني، عاد الشعب السوداني إلى عصبية القبيلة التي زمّها شاعرنا العظيم:

"نحن للقومية النبيلة

ما بندور عصبية القبيلة

تربي فينا ضغائن وبيلة

تزيد مصايب الوطن العزيز"...

الإنقاذ التي تدعي الإسلام في كل شيء قادت الحملة الانتخابية بعصبية القبيلة وردّت المجتمع السوداني إلى كيانه الإجتماعي البدائي الذي لا يمكن أن تدار وفقا له انتخابات بالمعايير الدولية...لقد كانت القبيلة حاضرة حتى في الخرطوم وكأننا نقود انتخابات في الكويت وليس السودان الذي عرف قبل سبعة عقود من الزمان احزاب نادت بالاممية والقومية وقيادات سياسية نأت بنفسها عن التأثير القبلي المفضي إلى الضغائن الوبيلة...إننا نعيش حقا عصر انحطاط...

لقد تدنى مستوى إدراك الشعب السوداني للعمل السياسي إلى حد جعله يصدق كل ما تقول به أجهزة الإعلام الرسمية، وأصبحت تؤثر على خياراته عوامل أخرى لا علاقة لها بالإدارة الرشيدة للحكم، بل اصبح شعبا مسرحيا يقضي جل وقته امام التلفاز تشده اليه المواقف الدرامية والمسلسلات المصرية السخيفة التي يحفظ وقائعها عن ظهر قلب...يخرج تلقائيا لاستقبال من يأتيه من اقطاب السياسة من واقع تفاعله مع الدراما لا من أجل معرفة برامجه الانتخابية إن وجدت...

فتراه مستقبلا الميرغني في كسلا كحدث درامي ثم يفعل نفس الشيء مع البشير او ياسر عرمان او حتى مع كامل ادريس، ثم ينتخب مرشح المؤتمر الوطني...

تعاطف الشعب السوداني مع البشير كان القوة الرافعة للمؤتمر الوطني وليس برامج ذلك الحزب التي لم تتخطى الهرج الديني والغوغائية السياسية..

نعم كان هناك تزوير في الانتخابات وصل إلى حد أن ينال المؤتمر الوطني 90% من اصوات الناخبين وهو أمر لا يحدث في أي انتخابات تنافسية حرة، غير أن التزوير الأكبر كان في عقول الشعب السوداني وهذا ما ينبغي أن يلتفت الناس لمعالجته بالبرامج والفكر والمنطق والتصدي الفاعل للتجهيل الذي يتعرض له المجتمع...

دوما كان لي رأي في الدور السلبي الذي يمكن أن تلعبه الطرق الصوفية في السياسة وعلاقاتها بالانظمة الشمولية...وبإغداق الأموال على زعمائها، استطاع المؤتمر الوطني أن يكسب أصوات كل المغيبين عقليا من اتباع هذه الطرق...

في الخرطوم وحدها اقيمت أكبر ثلاث مناسبات لنصرة البشير، كان الداعي لها زعماء الطرق الصوفية الذين يهمهم ما ينالونه من خيرات المؤتمر الوطني أكثر من اهتمامهم باتباعهم الذين لا يجدون التعليم لأبنائهم والصحة لأجسادهم المهترئة من عوامل التعرية...

بروفسير كان ذات يوم يدير أعرق جامعات افريقيا وشغل منصب حاكم أقليم وسفير في الولايات المتحدة، معه قاضي عمل ايضا نائب لرئيس الجمهورية، واستاذ جامعي من القافزين بالعمود على زمن المرحوم جعفر بخيت، وبمعيتهم فريق شرطة ودكتورة في التاريخ وصحفي مخضرم تخرج من جامعة الخرطوم في ستينات القرن المنصرم، يمثلون أعلى شرائح المجتمع السوداني، قادوا مفوضية الإنتخابات السودانية وشكلوا اكبر قدر من الفشل، أكاديميا ومهنيا وإداريا وأخلاقيا ودينيا...

أكاديميا لأن كل كسبهم العلمي وشهاداتهم العليا لم تسعفهم في ايجاد الحلول المفترضة لما واجههم من مشاكل تكفي استشارة بسيطة لحلها...

ومهنيا لأنهم لم يستفيدوا من تجاربهم المتعددة والمتنوعة في تسيير الإنتخابات إداريا، فشكلوا فشلا ذريعا في إدارة عملية كان يؤديها بصورة متقنة ضباط إداريون لم يكن يتخطى أعلاهم رتبة وظيفة الضابط التنفيذي، ولم تتعدى خبراتهم العملية الخمسة عشر عاما، بينما أقل هؤلاء الناس خبرة تفوق خبرته الاربعين عاما في مجال عمله...

وأخلاقيا لأنهم لم يكونوا أمناء مع الناس عندما صرحوا بكل بجاحة وإزدراء حتى اقتربنا من تصديقهم، بأن كل شيء يسير على ما يرام ولا يوجد هناك خلل فني يستدعي تأجيل الإنتخابات...

ودينيا لأنهم خانوا الأمانة عندما اصروا على ذلك وخانوا ضمائرهم لأنهم اعتقدوا أن تصريحهم بغير ذلك سيقود إلى حل المفوضية وبالتالي فقدان مستحقاتهم التي تفوق مليون مرة المبلغ الذي طلبه ذلك البائس المعجب برجولة البشير...

إنه فشل لقمة الصفوة السودانية وفقدانها مصداقيتها التي ظللنا نتغنى بها في كل المناسبات...فمن ذا الذي سيعطي بعد ذلك اعتبارا لأي مهني او اكاديمي سوداني إذا كانت هذه القمة التي تمثله ليس لديها أية أمانة مهنية او مصداقية أكاديمية؟...

هذا الأمر يقودنا إلى صفوة أخرى تتولى قيادة الأحزاب السياسية وينبغي بالتالي أن تكون ممثلة لكل شرائح المجتمع السوداني...لقد فشلت هذه الصفوة فشلا ذريعا في إدارة الأزمة السودانية التي وجد الشعب نفسه فيها منذ أن دخل السودان حيز الدول المستقلة...

لم تستطع إدارة البلاد بصورة تمنع المغامرين من عسكر وسياسيين منفلتين من العبث بمقدرات شعب السودان...وقد كان حالها في الإنتخابات الأخيرة مثيرا للسخرية والرثاء معا...

أحزاب اعمارها تفوق اكبر قادة الحركة الشعبية عمرا، ترهن أمرها لهذا الكيان الوليد الذي أتى للسياسة عن طريق البندقية لا عن طريق العمل السياسي المضني والدؤوب ولم تتجاوز خبرة منتسبيه في العمل السياسي الخمس سنوات، قضوها في عراك مع شريكهم في الحكم نزلا فيها معا إلى مستوى الصغائر, رغم ذلك وضعت تلك الاحزاب كل بيضها في سلة الحركة الشعبية وتنازلت لها عن كل شيء ووافقت على كل ما طلبته وهي تعلم أنهم مجموعة من المخاتلين ذوي الأجندة المزدوجة الذين هم على استعداد لبيع كل شيء ليكون أحدهم رئيسا او وزيرا لدولة لن تكن في احسن الأحوال افضل من تيمور الشرقية...

بشهادة قيادات المؤتمر الوطني كان ياسر عرمان يشكل تهديدا حقيقيا لإنتخاب البشير رئيسا للجمهورية... نوقشت هذه المسألة على أعلى مستويات الحزب وتوصل القوم إلى ضرورة سحبه من سباق الرئاسة بكل السبل المتاحة حتى لا يذهب المقترعون إلى دورة ثانية لا يمكن التكهن بنتائجها وتكلفتها الباهظة...

في المقابل كان ياسر سيضع الحركة الشعبية امام استحقاق لم تكن ترغب فيه، ألا وهو التصويت لصالح وحدة السودان في حال فوزه بالرئاسة، لذا لم تقف كثيرا امام طلب المؤتمر الوطني بسحبه من السباق ولم تجد تبريرا لذلك سوى التزوير المحتمل للإنتخابات...ليس كل الانتخابات بل انتخابات الرئاسة فقط!!

أحزاب جوبا انتظرت حتى الاسبوع الأخير قبل الانتخابات لتحدد موقفها من المشاركة او عدمها، ويا له من تبرير بئيس ذلك الذي ساقه المقاطعون والمشاركون...فإذا تركنا جانبا المبالغ التي دفعت ثمنا للإنسحاب وتلك التي دفعت للمشاركة، وكلها من الأمور التي من السهل اثباتها ودحض تبريراتها، فإن الأمر يبدو في مجمله لعب عيال لا علاقة له بالعمل السياسي الناضج...

المؤتمر الوطني استغل كامل جهاز الدولة ومواردها المالية في إدارة حملته الانتحابية على كافة المستويات، وذلك وحده يكفي لجعل تلك الإنتخابات غير نزيهة وفقا للمعايير الإنتخابية الدولية وحتى المحلية...

كان القوم يعلمون تماما أنها مباراة غير متكافئة، "برشلونة وهلال كادوقلي"، إذن ما الذي حدا بهم لقبول نزال محسومة نتائجه؟ هل هو لإكتساب الخبرة؟ بالطبع لن تكون هناك خبرة يكتسبونها لأن المباراة القادمة لن تكون قبل خمسة اعوام، كما لم تعودنا هذه الاحزاب على الاستفادة من تجاربها...

هناك خلل سياسي لا بد من اصلاحه، وتخطي الاطر التقليدية لاحزاب الطوائف أمر ممكن...حدث ذلك مع الزعيم الأزهري ومع الحزب الجمهوري السوداني والحزب الشيوعي وحركة الأخوان المسلمين بل حتى مع الصادق المهدي عندما فصل السياسة عن الإمامة لخدمة اجندته الشخصية، إذن ما الذي يمنع من العمل على تخطي هذه الكيانات المكبلة لحركة الشعب السوداني بقيود لم تعد تتماشى مع العصر؟

لقد انتهت الانتخابات بشرها وخيرها ولن يعكر المزاج الاحتفالي للمؤتمر الوطني سوى حصول عبد الله دينق نيال على 50 الف صوت في العاصمة القومية...

الترابي لم يصوت له إلا الملتزمون تنظيميا وهذا يعني أن مايقارب هذا العدد من مجندي الدفاع الشعبي السابقين والمندسين بين أجهزة الحكم يمكن أن يزعزعوا طمأنينة النظام المتخيلة بما نالوه من اصوات...عدا ذلك ستستقر لهم الاحوال لأنه لا يوجد هناك من ينظم الجماهير لتفعل شيئا مضادا...

كان اكثر ما يقلق المؤتمر الوطني بعد انسحاب عرمان أن يكون الاقبال على الانتخابات متدنيا يفقدها المصداقية امام الرقابة الدولية...لذا سعى قادته بكل ما في وسعهم لجر الناخبين لصناديق الإقتراع بما في ذلك نقلهم للمراكز وارجاعهم إلى منازلهم، وقد كان اعضاء المؤتمر الوطني اول المقترعين في اليومين الاولين لذا كانت تلك النسبة الكثيفة من الحضور الانتخابي، ثم تدنت تلك النسبة بصورة واضحة للعيان بحيث لم يكن هناك سبب لتمديد الاقتراع يومين آخرين إلا لغرض في نفس يعقوب...خصوصا وقد أفرغت العاصمة كل حملها من ابناء الاقاليم رغم رفع سعر تذاكر السفر البري بنسبة 30% في محاولة لمنع المواطنين من مغادرة العاصمة...

لقد تجولت في معظم مراكز الاقتراع بالعاصمة القومية التي بدت خالية من زحمتها المعتادة بما يجعل نسبة الستين في المائة التي تحدثت عنها المفوضية بعيدة عن الواقع، على الأقل في هذه المدينة التي هجرها ساكنوها لإسباب مختلفة...

المؤتمر الوطني وحكومته الجديدة لن يخلقا توترا في العلاقات مع الحركة الشعبية انتظارا لإستحقاق الاستفتاء على انفصال الجنوب...غير أن الأمر المحير هو اصرار قيادة المؤتمر الوطني على عدم وقوع الإنفصال اثناء وجودهم في السلطة باعتبار أن ذلك خط أحمر لا ينبغي تجاوزه...

سألت محدثي: علاما يستندون في تأكيدهم هذا وأنا أعلم أن بينهم كُثر يتمنون ذهاب الجنوب اليوم قبل غدٍ؟

قال: إن لكل حدث حديث وسترانا بإذن الله دولة موحدة بعد يناير 2011...

الثقة التي تحدث به الرجل أدارت رأسي، وأعرف تماما أن الماسكين بزمام الأمر في الخرطوم، وهو أحدهم، لديهم الجرأة لإجتراح كل شيء يقود إلى غاياتهم... لكن ما الذي يمكن أن يقدمه المؤتمر الوطني لجعل الوحدة جاذبة في الثمانية أشهر المتبقية؟...

الخشية في أن يكون النصر الزائف قد لعب برؤوس قادة المؤتمر الوطني فأعتقدوا إمكانية ممارسة نفس الحيل في استفتاء الجنوب...تلك خدعة لن تنطلي على أحد ولن يرضى المجتمع الدولي بمفوضية كالتي ادارت الانتخابات التشريعية والرئاسية، وفي الأغلب الأعم سيكون هناك أعضاء غير سودانيين في مفوضية الاستفتاء على تقرير مصير الجنوب، وبالتالي أي تلاعب بالنتائج سيقود إلى عواقب وخيمة لن تقف عند حد الحرب الأهلية بل قد تطال الكراسي الوثيرة التي يجلس القوم عليها...

الجنوبيون بدأوا يزايدون على بعضهم بالانفصال هذه الايام، وقد يكون هذا مدخل الحكومة لتفعل مفاعيلها إن كانت بحق تريد وحدة السودان، وذلك بدق اسفين الفرقة بينهم واقناع الرافضين لسيطرة الحركة الشعبية ومسلمي الجنوب وهم كُثر، بضرورة الوقوف ضد الانفصال...

المجتمع الدولي والإتحاد الأفريقي لا يحبذان بصورة عامة انفصال الجنوب، ولإمريكا علاقة مميزة مع نظام الخرطوم يتولى أمرها غازي صلاح الدين تحت مظلة ملف دارفور، وهي تعتقد بأنها قد خلقت ارضية تعامل مشتركة معه قد تفيدها في السيطرة على مقاليد الأمور في القرن الأفريقي المنفلت وفي حربها على الإرهاب، كما تعتقد أن بإمكانها تهدئة مخاوف الجنوبيين من الوحدة بفرض بعض الشروط على المؤتمر الوطني مقابل اعترافها بنتيجة الانتخابات...

أيا كان مآل الأمور فأن استفتاء الجنوب ينبغي أن يتم بأعلى درجة من الشفافية والرقابة بل والمشاركة الدولية حتى لا ينفلت الأمر إذا جاء التصويت لصالح وحدة السودان...فليتهم فقط يدعون الأمور تسير مسارها الطبيعي دون تلاعب بالنتيجة او تزوير لها...لقد منحوا الجنوبيين حق تقرير المصير وعليهم تحمل نتائج اعمالهم والالتزام بما سيفضي إليه الاستفتاء.

 

24 ابريل 2010

 

MOHAMED MUSA GUBARA [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]