بضع صفحات من ايامنا المعاصرة، تتحدث عن فترة غاب فيها الوعي، وأنبهم الأمر حتى على أكثر مثقفي السودان إدراكاً، فتركوا أمرهم للغير، وأصبحوا كمن فاته قدره، يتلهفون على أمرٍ لم يسبقهم ولم يكونوا من مدركيه...

أيامٌ تسوِّد حلكتها ما أبيض من قمم الألب وتشيب من أهوالها أصداغ ولدانٍ ولمم...

لم نكن جزءاً من صانعيها، ولا بعض من ضحاياها لبعدنا القسري عن السودان...تركناه بجنح ليل وفي جعبتنا بعض مما أودى لاحقا بمجدي محجوب، لم يفطن له عسس المطار...

غير أن التزامنا بشعبنا وقضاياه، لم يترك لنا سبيلاً للصمت، ولا كان بمقدورنا أن نقف مكتوفي الأيدي أمام ما كان يحدث في السودان، ولا عاجزين عن مد يد العون لإهلينا الرازحين تحت سطوة سلطان جائر... وذلك أمرٌ لم نكتسبه بجهدٍ من أنفسنا فقط، بل أورثنا أياه آباءٌ كان لهم نصيبٌ في منازلة الإستعمار، ورضعناه من أثداء أمهاتنا.

فكم من ليالٍ سهرنا وحوارات أجرينا وأميال قطعنا حتى تقطعت أنفاسنا بحثاً عن الحقيقة ودفاعاً عن الحق وأنتصاراً للمظلومين بالفكر والقرطاس والقلم...

ورغم بعدنا عن السودان إلا أننا لم نكن بعيدين عن العنت الذي لحق بالقاعدين من أهله، وكان لكل شيء ثمن...أُحيكت لنا المؤامرات والدسائس وانتاشتنا سهام الأعداء، واصابتنا نيران صديقة أفقدتنا ما كنا نعتاش منه...كانت خطى مشيناها في طريقٍ وعرة، لم تنل من عزمنا وعثاء الدروب، ولا مسنا في ذلك من لغوب...

كان لنا جهد المقل، مقالات كتبناها في لحظة ضيقٍ نفسي لعدم القدرة على التعبير الفاعل، ولفرجٍ من حرية اتاحها لنا قوم يرميهم الظلاميون بتهمة الكفر، وأن كانوا أعدل خلق الله في هذا الزمان الجائر...

لم نذق عذابات علي فضل وهو يتلوى تحت سياط جلاد خلا جوفه من كل كبدٍ يرتجف، ولا كان لنا مصير التاية أبو عاقلة ولا ابوبكر محي الدين راسخ أو مكي ابراهيم أو عبد المنعم رحمة أو كل الذين لقوا حتفهم تحت التعذيب أو في المنافي أو قذفاً بطائرات الأنتنوف في جنوب السودان والأنقسنا وجبال النوبة ودارفور، أو كل الذين استبيحت حرماتهم وحقوقهم وآدميتهم بأسم الدين، فكان لابد من مشاركتهم مالقوا من ألم ومعاناة وفقدان لإنسانيتهم...

كان القلم هو كل ما نملك من سلاحٍ ماضٍ في ذلك الزمن الردئ، نستطيع استعماله لهزيمة الفكر الظلامي وتجار الدين والموت، الذين استباحوا وطناً وأمة بشعارات فطيرة فاحالوه إلى قرية ظالم أهلها، لا تسمع عنها سوى المجاعة والفقر والتطهير العرقي وإنتهاك حقوق الإنسان والفساد الأخلاقي في أشكاله وتشكيلاته المختلفة...

لقد مرّ الوطن بتجربة قاسية...وأكثر قسوة منها أن لا نسعى إلى تدوينها في ذاكرة الأمُة حتى لا يتنصل منها البعض كما يفعل عرّابها اليوم، أو يُعيد انتاجها تحت مسمى آخر من لا حظ لهم في فهم التاريخ...وأكثر مرارة من ذلك، القول بأنه كان لا بد لشعب السودان أن يعايشها حتى يتبين له الخيط الأبيض من الأسود من الفجر....

فنحن شعب لا نتعلم من ماضينا أو ماضي الآخرين...تبهرنا الشعارات والأقوال المعسولة ونستلذ لسماع ترهات تاريخنا المغشوش ...فما زلنا نفتخر بحكم الخليفة عبد الله التعايشي الذي يشبه في كثير من جوانب قسوته حكم الإنقاذ الحالي...

فكلاهما استغل العاطفة الدينية في حكم الناس والتسلط على رقابهم...

وكلاهما حاول تصدير ايديولوجيته للخارج...

وكلاهما لم يستوعب الجغرافية السياسية للمنطقة والعالم، وظن أنه وحيد زمانه في هذا الكون ومبعوث العناية الإلهية...

كلاهما أعتقد واهماً بأن العرب العاربة ستقبل به مرجعية دينية تقوده إلى خلافة المسلمين...

وكلاهما فرّق النسيج المجتمعي الذي كان يؤلف بين الناس كأمة واحدة...

وكلاهما أعتمد سياسة فرق وأرشي تسُد، وأعتمد إثارة النعرة العنصرية اسلوباً لحكمه...

وكلاهما جلب بأفعاله تلك تدخُّل الدول الكبرى في شأن السوداني الداخلي...

وما زال البعض من مثقفينا على استعداد للقفز خلف كل عربة يقودها جنرال...وما أنفك الكثيرون منا يعهرون عقولهم واقلامهم وألسنتهم دفاعاً عن كل من يتسلم زمام السلطة في الخرطوم طالما لوّح لهم بشيك معتمد الدفع او وظيفة بائسة يبتسمون بها امام عدسات الكاميرات ارضاءاً لغرور زائف يتقمصهم...وهنا لا بد من التنويه عن ضرورة إيجاد وسيلة ناجعة لمنع بعض الناس من العمل العام بما في ذلك تعريتهم بصورة تامة حتى لا تكتوي بنيرهم أجيال قادمة...

فالعُهر مسألة نسبية...وما أقعد السودان عن إنطلاقه المأمول سوى بعض من هؤلاء...

لقد كان قمينا بشعب السودان أن يحكمه "الجبهجية" ويفعلوا به ما فعلوا حتى لا يتسوله أحد آخر بأسم الدين، صحوة إسلامية أو خلافة أو إمامة أو حاكمية لله، أو نسب يدّعونه للعترة النبوية الطاهرة...

وكان مفيداً أن يتعلم الكثيرون من السياسيين معنى الوصول إلى السلطة السياسية تحت مظلة الشعارات والأسماء دون برامج معلومة أو تجربة عملية تقي الناس العثرات وتجنب الشعب مغبة التجريب...

وكان من الضروري أن يحكم الإسلاميون السودان حتى نتعلم لمن نعطي اصواتنا في أي إنتخابات قادمة...

بل كان مهماً جداً أن يأتي على رأس السلطة السياسية من هم على رأسها الآن لكي يكتشف الشعب السوداني كم الوسخ والحقد والغِلّ الذي يستبطنه البعض ممن يتدثرون بلباس الإسلام السياسي يخفون به نفوساً مريضة...

نظام الإنقاذ كان أول نظام سوداني استعان بالأجنبي الغريب على المواطن القريب، وليتهم تخيروا خيار الناس ممن يستعان بهم في النماء والتطوير وتوطين التقنية...لكنهم من فرط نهمهم للسلطة وإفراطهم في الثراء الحرام وإشباع غرائزهم الدنيا، استعانوا بقومٍ كخشاش الأرض، فزادوهم رهقا...

وكان أول نظام منذ الخليفة عبد الله التعايشي يسعى لتصدير ايديلوجيته ونفسه خارج حدود القطر الجغرافية...بل كان أول نظام يصدّر العنف إلى دول الجوار بمحاولة قلب أنظمة الحكم فيها والإعتداء على حكامها...

لهذا السبب اعتبرناه نظاماً مختلفاً، وكان يتوجب بالتالي، محاربته بوسائل مختلفة عما عهدنا في أزمنتنا السابقة، لأنه أيضاً النظام الوحيد الذي لن تزول آثاره بزوال القائمين عليه، بل بإعمال الفكر لتعريته حتي نخاعه الشوكي...

لكنه، وللمفارقة، كان النظام الذي كشف سوءات البناء السياسي السوداني وهزال بنية أحزابنا السياسية ألتى لا يمكن تسميتها أحزاباً إلا مجازاً... فهي بعض من بناءٍ قبلي طائفي يصلح لقرن مضى من الزمان، لكنها بمنطق اليوم ينبغي أن توضع في متحف السودان القومي إن لم نقسو عليها ونضعها في حديقة الحيوان التي شيدها الأنجليز للنزهة وأزالها الإسلاميون بعد أن أحالوا القطر إلى أكبر حديقة حيوان في العالم...

لقد استمر نظام الإنقاذ في الحكم طيلة تسعة عشر عاماً لا لقوةٍ يمتلكها ولا لاساليب حكمٍ تتيح له تمكيناً سوياً، بل لضعف الذين سلب منهم السلطة واصبح يمتن بقسمتها عليهم كما توزع الزكوات على ابناء السبيل...

حقيقة لم تكن لدينا أحزاباً كبرى كما يحلو لنا تسميتها، كانت هناك مجموعات مصالح لا تدري كيف ومتى تحافظ على مصالحها...

تشكلّت قبل ستة عقود من الزمان وتوالت على سدة السلطة مع العسكر...

كانت نتاجاً طبيعياً لمعطيات ذلك المجتمع وللظرف السياسي السائد في اربعينات القرن المنصرم...لذا لم تخرج عن نطاق القوى المؤثرة في الحياة آنذاك، أي قوى الطائفة والقبيلة التي تولت الإدارة البريطانية رعايتها واجزلت لها العطاء...

لم تتطور تلك الأحزاب، بأي درجة عن ما كانت عليه قبل ستين عام من الزمان رغم تغير زعامتها وقياداتها ورغم تغير الظروف التي أدت إلى نشوئها...فما زالت حزب الرجل الواحد الممسك بكل الخيوط...وما زالت احزاب الهدف الواحد: "الوصول إلى السلطة والعبث بها" ومن ثمّ فليأتي الطوفان...وربما نظلم بعض من القادة الأوائل إذ بخسناهم اشياءهم، فقد كان بينهم رجال أخيار لا يقبلون الضيم أو تلقّي الأوامر من علٍ، ولا يساقون كالمعيز من قِبل قيادات الطوائف...وقد كان من السهل وقتذاك حشد المؤيدين للحزب عن طريق الولاء الطائفي او عن طريق الإلتفاف حول هدف وطني مجمع عليه، واضح المعالم، هو جلاء الإستعمار عن البلاد...لذا لم ترهق الأحزاب نفسها كثيراً لصنع البرامج، فقد كان شعارها كشعار الإسلاميين حالياً براقاً يخلو من المضمون والمحتوى...

الإستقلال!!

ثم ماذا بعد ذاك؟

هذا سؤال جفلت الأحزاب السياسية من طرحه حتى لا تدخل في حرج الإجابة عليه...فليالي السودان السياسية حبلى بالتطريب كحفلات كشّاف عطبرة، "البعيو"...لذا ظلت السياسة السودانية شعارات فقط، ويكاد المرء يجزم بعدم وجود قاسم مشترك بين قيادات معظم احزابنا السياسية... ودليلنا على ذلك التشرذم الحادث لها والذي لا يمكن وصفه بالظاهرة الصحية كما يحدث في احزاب الغرب... 

ويبقى من عدم الأمانة أن نرمي بكل اللوم على الجبهة الإسلامية...فهي لم تتجرأ بإتيان فعلتها تلك إلا لإحساسها بأمكانية ملء الفراغ السياسي...ولم تقفز إلى السلطة إلا على ظهر مرفعينين "ضبلان وهازل"...لم يستطيعا حماية نفسيهما من تنظيم صغير لم يحصل على أكثر من 5% من أصوات الناخبين في آخر إنتخابات جرت قبل استلامه السلطة...

هناك خلل حقيقي لا بد من إصلاحه... ولن تجدي في ذلك تجربة التجمع الوطني الديمقراطي، فهي لم تكن إلا ضغثاً على إبالة...

لقد عوّل الناس كثيراً على الحركة الشعبية لتحرير السودان وعلى زعيمها الراحل د. جون قرنق الذي كان لرحيله وقع الصاعقة على مجمل العمل السياسي... فقد كان الرجل مؤسسة قائمة بذاتها وبموته أصبح أهل الشمال من غير المنتمين للحركة الشعبية في حيرة من أمرهم، وهم الذين وضعوا كل آمالهم في الرجل بعد أن أصابهم اليأس في كل ما يأتي من الشمال...

وقد كانوا محقين في ذلك...فكل الأنفراج في الحرية الذي شهدنا، وكل التنازلات التي حدثت من جانب السلطة الدينية لم تكن إلا بفضل العقل الثاقب للفقيد الراحل، والفعل الناجز لسياساته...

ومع احترامنا لقدرات وامكانات قادة الحركة الشعبية الآخرين، فأن موته قد ترك فراغاً من الصعب ملأه، لا لسبب، إلا لكون السودان لم ينجب سياسياً مثله يتميز بالرؤية والخيال والتفكير الشامل والفعل الناجز في آنٍ معاً...

موت الدكتور جون قرنق وضع السودان كله على مفترق طرق، الإنفصال فيه أقرب من الوحدة... ليس لإنفصالية قادة الجنوب الذين تلوه في الحركة بل بسبب عدم اكتراث إسلاميي الشمال لوحدة السودان التي كان يضعها الفقيد في حدقات عينيه ولأيمانه بدورٍ رائدٍ للسودان في كل أفريقيا...

لقد ابتلينا بأناس يحكمون السودان بأصغريهم، قلوبهم وألسنتهم، "بالعواطف والشعارات"، لا بالعقل والفكر، لذا نراهم يعرّضون أمن السودان ووحدته للخطر بحنثهم بالوعود وتكالبهم على السلطة، بل على وزارة واحدة لا يدري المرء حتى هذه اللحظة ما أهميتها في جدلية الوحدة والإنفصال...

في سياق هذا الكتاب بعض الأجوبة على كثيرٍ من الأسئلة التي ظلت تترى على عقول المواطنين ولا يجدون الإجابة لها...تجدونها موزعة عبر صفحاته في مقالات تغطي مراحل من ليل السودان الدامس، غير أن العين الفاحصة لن تضل الطريق إلى بعضٍ منها...فلكل حالة فشل كان هناك تبيان لإسبابه وكيفية علاجه...فأرجو أن يتمكن البعض من استخراج ما يحتاجونه من بين اسطرها، في بحثهم عن الإجابة على السؤال الذي لا يزال أحادي:

كيف ندير البلاد بمنهجٍ يقود إلى بناء مجتمع الرفاه؟...

فذلك لعمري هو مناط العمل السياسي، تاكتيكاً واستراتيجيةً وايديلوجياً...

فلم يأت على السودان حينٌ من الدهر كالذي نحن فيه، توافرت له كل عوامل تخطي الأُطر التقليدية التي أنجبت الأحزاب السياسية المصابة بالزهايمر، وتشييد بناء جديد يضع البلاد والعباد في المكان الذي يليق بهما...

فهل من معين في الوصول إلى صيغة تقودنا إلى تلك الغاية؟

 

محمد موسى جبارة

 

18 مارس 2010

 

*مقدمة كتاب للمؤلف بهذا الاسم يُعرض حاليا في معرض الكتاب الدولي بالبحرين

 

MOHAMED MUSA GUBARA [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]