قضايا ليست كذلك

فى بداية هذا المقال أحب ان اهنئ المؤتمر الشعبى على أنعقاد مؤتمره العام والذى جاء فى مرحلتين دقيقتين ، أولهما المرحلة التى يمر بها الوطن والشعب السودانى والتى وصلت مداها فى كل شئ خلال الثمانية وعشرين عاماً التى أستمر فيها حكم الأنقاذ كنظام شمولى ايدولوجى أستغل العاطفة الجياشة للشعب السودانى فى دينه مع جهل الغالبية العظمى للدين وفقهه ومقاصد الأسلام فى أدارة نمط حياة الناس. والمرحلة الدقيقة الثانية هى المرحلة التى يمر بها المؤتمر الشعبى بعد أن غيب الموت حاديه وقائده ومفكره وفاعله الحقيقى فى الحياة العامة للوطن. وأكيد ومؤكد أن مسار المؤتمر الشعبى او الحركة الأسلامية عامة لن يكون كما كان فى حياة الترابى أذ البون جد شاسع بينه وبين من هم من خلفه ومن بعده ولا أظنه قد غذي أحداً من بعده فكرياً وسياسياً ليخلفه ويكون قائد المسار من بعده. فقد كان يؤمل فى الأخ على عثمان محمد طه ليكون هو حامل المشعل والمسار من بعده وقام بترقيته فى سلالم حركة الأسلام متجاوزاً به اهل بدر وأهل العطاء والتفكير الحر مما خلق له عداوات مع جيله الذين عمل ما بوسعه على أبعادهم وتهميشهم ولكنه فى النهاية وجد من الذى كان يعده خلفاً له جزاء سنمار ولنا عودة فى مقال آخر لنتحدث عما بين الشيخ الدكتور حسن الترابى وربيبه على عثمان محمد طه عسي أن يكون فيما نكتب اضاءات للمسارات القادمة سواءاً فى الحياة الوطنية والسياسية عامة أو فى مسارات حركة الأسلام فى هذا الوطن الحبيب تحليلاً واستقاءاً للتجارب التى مرت بها لئلا نستمر فى تكرار المفاهيم المتعنته والتى عفى عليها الدهر ونلقى بها على حاضرنا ومستقبلنا لتؤثر على تطورنا واللحاق بالأمم المتقدمة وما تقدم غيرنا الا بعد خروجه من البابوية وأدعائها بتمثيل الله على أرضه.

وايضاً أنتهز هذه الفرصة لتهنئة الأخ الدكتور على الحاج على أنتخابه أميناً عاماً للمؤتمر الشعبي فى هذه المرحلة الدقيقة وأتمنى له النجاح وأن يكون خير خلف لخير سلف. فقد عرفناه متجرداً ومن البدريين السابقين فى حركة الأسلام ومن المتجردين الذين لا يبتغون الا وجه الله هذا اضافة الى سماحته وصبره وأناته وأحترامه للرأى الآخر. هذا اضافة لعلمه وتمسكه بما يؤمن به دونما تشنج أو أقصاء ولم يدع يوماً أنه يملك الحقيقية التى لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. وهو من الشجاعة والشجاعة الأدبية بمكان أذا أخطأ يقول أنى قد أخطأت وهو يؤمن بأن نصف رايك عند أخيك. وبلقاءاتى المختلفة معه أستشفيت أنه قد استفاد كثيراً من تجربة الأنقاذ هذه سواءاً على المستوى الفكرى أو على مستوى رؤيته للأخرين وللذين كان يسير معهم مساراً قاصداً الى الله وفى هذا قد تبين الغث من السمين ولا أظن أنه ستخدعه كل كلمات المخادعة والمدهانة وهو أكثر الناس علماً بأن رفقاء دربه بالنسبة له كتاب مفتوح قد تبين الصادقين والمتجردين وأصحاب الرأى الثاقب واصحاب الصبر والفكر والأناة الذين يألفون ويؤلفون من الذين ينفرون ويسخرون من الآخرين اصحاب الكلمات الشاتمة والبذيئة فلم يكن الترابى طعاناً ولا شاتماً ولا بذيئاً نبراسه القرانى "وجادلهم بالتى هى أحسن فأذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم * وما يلقاها الاالذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم" فكذلك كان الترابى ذو حظ عظيم وكذلك أظن أن الأخ الدكتور على الحاج سيكون ذو حظ عظيم فى صبره على الآخرين ومجادلتهم بالتى هى أحسن. وأتمنى للأخ الدكتور على الحاج التوفيق فى تأدية هذه الأمانة على وجه حقها وأن يجد من أخوانه من ينصره ويناصره ولا يجد منهم من يعاديه ويخذله أنه نعم السميع ونعم المجيب.
ولندخل فى لب الموضوع وقلبه نقول أن المؤتمر قد خرج بقرارين أولهما المشاركة فى الحكومة القادمة والتى كما أعلم أنها أنتقالية لحين أجراء أنتخابات حرة ونزيهة متكافئة ومتعادلة مع القوى السياسية الأخرى لا يهيمن عليها حزب الحكومة بماله وصولاته وصولجانه وهذا يقتضى تفكيك أشياء كثيرة فى هذا النظام خلال الثلاث سنوات القادمة فهل المؤتمر الشعبى ومن اقروا المشاركة على قناعة أنه يمكن تفكيك دولة الأنقاذ العميقة لدولة الوطن وذلك بارجاع الخدمة المدنية لسابق وصالح عهدها وتجريد مؤسسات حزب المؤتمر الوطنى وأجهزة الأمن والقوات المسلحة والشرطة من كل الشركات والمؤسسات التجارية التى بحوذتها والتى تدير معظم الأقتصاد السودانى وذلك بمصادرتها وتحريم العمل التجارى والأقتصادى الحر والمباشر على القوات النظامية كلها؟. وهل هم قادرين على اجراء المحاسبة للفساد الذى استشرى فى كل أروقة الدولة عامها على خاصها وذلك بتفعيل قانون 1971م " من أين لك هذا" والذى لا يطلب من المبلغ مستندات وشهود ولكن يطلب من المتهم بفساد أن يبرئ ساحته من حقيقة او شبهة الفساد التى الصقت به ، خاصة وأن المجتمع والشعب السودانى يعرف عن كل فرد كل شئ من مولده الى قبره كيف مساره ويتساءل بهذه المعرفة من اين أغتنى واثرى فلان ابن فلان فى فترة وجيزة وهم لا يعرفون أنه من الوارثين او أن اسرته كانت ذات أو يشار لها بالبنان من ناحية الثراء؟. هل أهل المؤتمر الشعبى قادرين على فعل ذلك عندما قرروا المشاركة فى سلطة ليسوا هم من مفاصلها حتى ولو أعطوا كل وزارات الجهاز التنفيذى لأن معينات هذا الجهاز التنفيذى عند أفراد واجهرة حكومة المؤتمر الوطنى العميقة؟. هل هم قادرين على ذلك عندما أتخذوا قرار المشاركة؟ أم أنهم قد أعتبروا أنفسهم أنهم سيصيرون جزءاً من نظام الحركة الأسلامية أو نظام جهاز الأنقاذ الأسلامى كما يدعون ولذلك هذا الأصلاح الذى قلناه لا يهمهم كثيراً؟ وأذا كان الأمر كذلك ما هو اللزوم لمعارضة نظام المؤتمر الوطنى طوال هذه السنوات بعد المفاصلة؟ أم صدق عليهم قول أحد قيااتهم أن الجماعة ديل فلسوا عشان كدا ماشين على المشاركة؟ وهل نسي او تناسي قيادات المؤتمر الشعبي ما كانوا يقولونه عن حكومة المؤتمر الوطنى فقد قالوا فيها ما لم يقله مالك فى الخمر وما لم تقله قوى المعارضة السياسية الأخرى فكيف يستقيم عقلاً ذلك؟. وكيف تأتى للمؤتمر الشعبى أن يجيز المشاركة وكل المبادئ والشعارات والبرامج التى طرحوها فى باب الحريات والديمقراطية وتحديد صلاحيات جهاز الأمن كلها لم تجاز ولم تعتمد ؟ وبعد ذلك تقولوا أنكم ستشاركون وهذه تجاز فيما بعد وأنتم تعلمون أن الأجازة فى البرلمان وسيمرر ما هو ضدها بالأغلبية الميكانيكية. وحديث أنكم تثقون فى البشير ليفرض مخرجات الحوار هو تأمين على الديكتاتورية وأنتم تنادون بالحريات والديمقراطية وهذا أهلنا يقولوا عليه الجز بعد الذبح. ولذلك يجب أن يتأخر تشكيل الحكومة الى حين أنعقاد المجلس الوطنى ونرى أجازة مخرجات الحوار كلها فى المجلس الوطنى دونما تعديل نقطة واحدة لأن هذا ما أتفق عليه المتحاورون من كل القوى السياسية واذا كانت الأجازة غير ذلك يكون هذا نقضاً للمواثيق التى جبلت الأنقاذ منذ استئلائها على السلطة ان تحنث بها وألا لما استمرت الحروب فى وطننا دائرة حتى الآن مهلكة للحرث والنسل.
أجاز ايضاً المؤتمر الشعبي المنظومة الخالفة التى أسس لها وأقترحها المرحوم الشيخ الدكتور حسن الترابي. وهى فى يقينى لم تأت بجديد مما سار عليه الدكتور حسن الترابى منذ أن ولج العمل السياسي بعد ثورة أكتوبر 1964م. فقد كانت حركة الأخوان المسلمين والتحرير الأسلامى فجاء الدكتور الترابى بمنظومة خالفة سماها جبهة الميثاق الأسلامى محاولاً فيها جمع المذكورين من قبل ومعهم انصار السنة والصوفية كجبهة للضغط من أجل الدستور الأسلامى فى الوقت الذى لم يخلق تنظير تأطيرى لكيفية قيام الدولة الأسلامية أو تفاصيل الحكم بالأسلام وأنما أتخذوه شعار فارغ المحتوى لجمع مسلمى السودان بمخاطبة عاطفتهم الدينية وألغاء عقولهم وللأسف سارت فى ركبهم قوى سياسية تدعى الديمقراطية والليبرالية. وهو تجمع شبيه بما كان يدعو له الأمام الصادق المهدى بتجميع أهل القبلة فى أستعداء واضح لبقية السودانيين الذين لا يؤمنون بقبلته نازعاً منهم حق المواطنة المتساوية فى كل شئ. ثم ايضاً كانت الجبهة القومية الأسلامية منظومة خالفة لجبهة الميثاق تحتوى ايضاً معظم مكونات جبهة الميثاق الأسلامى وكان يطمع أن يكون الجزبين الكبيرين الأمة والأتحادى جزءاً منها ولكن لم يتم له ذلك مما جعله يتخذ الأنقلاب سبيلاً للسلطة والحكم بتصوره الأسلامى الذى فشل على مدى الأعوام منذ 30 يونيو 1989م وحتى الآن ومهما تبرأ من مسار الأنقاذ فالذين يقودونها حتى الآن هم بناءه هو وليس بناء شخص آخر ولنا مقال قادم نكتبه فى ذكرى مرور عام على وفاة هذا الشيخ الجليل المفكر الذى سبق من هم قبله ومن هم بعده فكراً وتنظيراً ولكن فشلاً كاملاً فى التطبيق على ارض الواقع وما لم يتغير التفكير المنهجى الأسلامى عند الأسلاميين فلن يحلوا شيئاً من قضايا الحداثة المعاصرة من مفهوم اسلامى على الأطلاق وسيظلون يكررون التجارب الفاشلة. وهنا مهما يكن من اضفاء الأضواء والبوارق على المنظومة الخالفة فلن تكون غير تكرار لتجربة واسم جبهة الميثاق الأسلامى والجبهة القومية الأسلامية فقد كان الشيخ الدكتور حسن الترابى مولعاً بالتغيير ولم يكن فى يوم من الأيام اسير لالسماء ولا يعتبرها شيئاً مقدساً لا يمكن الحياد عنه. بالعكس المطلوب طرح فكر تجديدى معاصر استناداً على كثير من تلميحات الترابى لما يراه لمستقبل الأسلام فى السودان مع أحاطة كاملة بمقتضيات العصر والشجاعة فى الخروج من مسلمات أسلامية قد عفى عليها الدهر وقد كتبت وتم الألتزام بها فى عصر غير عصرنا وتناولت قضايا غير موجودة فى عصرنا وهذا ما سيكون فى مقالنا القادم عندما نتحدث عن خطى الدكتور الترابى التجديدية. وحقيقة أن فترة حكم الانقاذ قد غيرت كثيراًّ من مفاهيم الترابى لماهية الحكم السلامى . ألا رحمه الله رحمة واسعة فقد أجتهد بصدق وبنية خالصة فأن أصاب فله اجران وأن اخطأ فله أجر وبعد ذلك عمله كله عند عزيز مقتدر وعلى الأخرين الذين من بعده أن يقتدوا به على بصيرة وليس تقليداً فقد كان البون جد شاسع بينه وبين من خلفه وهذه ازمة قيادات كثيرة فى العمل العام لم يعملوا بجد على تواصل الأجيال وتحضرنى هنا قصة العم المرحوم الحاج مضوى محمد احمد مع الشريف حسين الهندى عندما حاول أن يرسل خطاباً للشريف حسين الهندى بلندن وطلب منه أن يسلمه للشريف يد بيد وأن يأتيه بالرد وعندما رجع المرسال من لندن ذهب للعم الحاج مضوى وارجع له الخطاب الذى كلفه به لتسليمه للشريف حسين. فسأله الحاج مضوى لماذا لم تسلم الخطاب للشريف حسين فقال له مكثت شهراً ولم اجد الشريف حسين ولم يحضر طوال هذا الشهر ولذلك رجعت لك بالخطاب. فقال له لماذا لم تسلمه للرجل الثانى الذى بعده وكان يظن أن نوابه أحمد زين العابدين او عبد الماجد ابو حسبو أو محمد عبد الجواد، فقال له المرسال لم اجد رجلاً ثانياً بعد الشريف وكل الذين ذكرت فهم تحت رحمة الشريف لا بيودوا لا بجيبوا وحتى حياتهم فى أنفسهم ومعاشهم مربوط بوجود الشريف حسين. وهذه هى أزمة عدم تواصل الأجيال بين القيادات والكوادر فى كل الحياة السياسية والوطنية والرئيس هو الرئيس حتى الممات وعندما يموت يترك فراغاً كبيراً فى المنظومة لا يمكن ان يسد وكأنه كان يظن أنه سيعيش مدى الحياة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.