لقد ودعت الأمة السودانية عامة والأتحاديون خاصة يوم السبت الموافق 19 مارس 2017م أبناً من أبنائها الأوفياء والذى وهب جل وكل حياته من أجل هذا الوطن ومن أجل السعى لرفاهية شعبه وتقدمه ورقيه. فقد كان المغفور له بأذن الله سيد أحمد الحسين والذى كان يحلو لنا أن نناديه بأبى السيد سمحاً فى كل الخصال. ولقد تمثلت فى شخصه كل قسمات الشعب السودانى وكل الصفات التى يتمثلها كرام هذا الشعب. ولذلك فقد تمثل فيه تراب وطين هذه الأرض بكل خيرها ودعاشها وروائحها العبقة. ولقد جمع سيد أحمد الحسين كل صفات السودانى الأصيل المتمثلة فى الشجاعة والكرم والتواضع والتسامح وروح التعاضد والتكاتف فى السراء والضراء. ولقد كان سيداحمد راهباً يتعبد فى محراب الوطن وفى محراب حزبه الذى أمن به فكراً ومبادئاً ومواقفاً فعض عليها بالنواجز ولم يفرط فى أى منها. ولقد كان الضمين والقمين والعاض بالنواجز على كل الأرث الأتحادى الذى تركه الرعيل الأول بدءاً بالزعيم اسماعيل الأزهرى وأنتهاءاً بالشريف حسين الهندى فصار الوريث الوحيد لها متمسكاً بالشعار " مبادئ الأزهرى لن تنهار طريق الهندى طريق أحرار" فعض على المبادئ وأقتفى الطريق لم يفرط فى أى من المحتويين الى أن لاقى ربه راضياً مضياً.

لقد كان الفقيد رمز الصمود والتحدى لكل المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية لشعبنا فوقف المواقف الصلبة الصامدة ضد نظام الأنقاذ العسكرى العقائدى الشمولى على مدى سنين عمر هذا النظام المتطاولة فلم يساوم ولم ينحنى. وبمواقفه القوية والصامدة التى عرضته لكل أنواع العذاب والحكم بالأعدام فلم يطاطئ راسه ولم ينحنى أبداً بموقف ثابت على مدى الثمانية وعشرين عاماً المشئومة للأنقاذ، فعذبوه واهانوه وجاءوا من بعدها يتباكون عليه فى مأتمه ويدبجون كلمات الثناء والتى لا يخفى مغذاها على المواطن السودانى البسيط وكان حضورهم أيام المأتم وصمة عار فى جبين كل من أتى منهم وأظنهم قد شعروا بنظرات الأزدراء والسخرية من كل الشرفاء الذين أتوا لتأبين قائد الشرفاء والمناضلين. ونتمنى أن تكون نظرات الذين حضروا المأتم عظة لهم وليعلموا أنهم ليسوا من طينة هذا الشعب برغم أنهم قد ولدوا فى ترابه ولكنهم لم ينهلوا من قيمه وأخلاقه التى كانت كلها متمثلة فى فقيدنا الراحل.
أن أول لقاء لى مع الفقيد سيد أحمد الحسين كانت أيام أنتفاضة رجب/أبريل 1985م عندما كنت مداوماً وملازماً لنادى اساتذة جامعة الخرطوم كاحد الممثلين للزراعيين مع التجمع الوطنى. وعندما حسم أمر تشكيل الحكومة وأعطيت الأحزاب وزيراً واحداً وتم سؤالى من من الأتحاديين سترشحون؟. فذهبت الى الشريف زين العابدين الهندى الأمين العام لأسأله بمن سيشاركون فى حكومة الأنتفاضة. فوجدت الشريف زين العابدين الهندى بوكالة العم عمر حضرة للعقارات. وعندما رآنى العم عمر حضرة اخذنى من يدى ودخلت معه المكتب وبعد أن سلمت على الشريف قال له هذا محمد زين أحق الناس بوزارة الزراعة التى أعطيت للحزب. فأعتذرت للشريف عن تقلدى لأى منصب أنتقالى لا يحقق برنامجاً مجدياً للزراعة فى عام. أضافة الى ذلك فأنا مرشح لنيل درجة الماجستير بالمملكة المتحدة ويجب أن أكون هنالك قبل شهر سبتمبر. وأخيراً قرر الشريف أما أن أتولى المنصب أو أرشح بديلاً لى من الزراعيين. وتشاورت مع الأخوان الأتحاديين االذين كانوا معى بنادى الأساتذة عز العرب حسن وعامر محمد حسين الجعلى وبعد مشاورات أقترحت أن يكون الأخ صديق عابدين المدير الزراعى لمشروع الرهد الزراعى والذى عملت معه سنين طويلة وأتحادى حتى النخاع. وبعد ذلك ذهبت لسيد أحمد الحسين ومعى مذكرة الشريف زين العابدين الهندى بأن يقبل من أقوم بترشيحه وكانت هنالك اصوات تتحدث عن ترشيح العم المرحوم أبراهيم رضوان ولكن سيد أحمد قال هذه تعليمات الأمين العام هى الواجبة التنفيذ فأتصل فى الحال بالعميد كمال عبد الله لأعتماد الأخ صديق عابدين وزيراً للزراعة ممثلاً للحزب الأتحادى الديمقراطى ومن بعدها استمرت العلاقة الوطيدة.
بعد حضورى للسودان عام 2000م من أنجلترا توطدت العلاقة بيننا رغم أننا كنا فى أتصال دائم نحن فى الخارج وسيدأحمد بالداخل وكان من أكثر المنادين بأصلاح الحزب ووحدته لأنه كان منقسماً لتيارين أحدهما بقيادة السيد محمد عثمان الميرغنى والأخر بقيادة الشريف زين العابدين الهندى ولذلك فقد كان من أكثر المناصرين لقيام تنظيم الأصلاح والمؤسسية داخل الحزب والذى كان فى قيادته بالخارج كل من ميرغنى سليمان الحاج عبد الرحمن وأمين عكاشة وعلى أبوسن والسيد محمد سرالختم والذى لو أستمر بنفس قوة الدفع التى بدأ بها لكانت حال الحزب الأتحادى الديمقراطى على غير ما هو عليه الآن منقسماً الى تسعة عشر من حزب وفصيل وتيار ومجموعة.
هذا يقودنا لموقف وعمل فقيدنا سيدأحمد الحسين الدؤوب من أجل وحدة الحزب وفاعليته ليطلع بدوره الوطنى المؤمل فيه. ولذلك نقول للأتحاديين الذين تجمعوا فى مأتم سيدأحمد الحسين ودبجوا كلمات التمجيد فى فقيدنا نقول لهم لترقد روح سيد أحمد هادئة فى قبره أن تحققوا له أمنيته أن يرى الحزب الأتحادى الديمقراطى واحداً موحداً وفاعلاً ومتحملاً لمسئوليته التاريخية التى تركها الرعيل الأول فى أعناقهم، مع الأيمان الأكيد الذى لا تشوبه شائبة للخلاص من هذا النظام الشمولى ألا بوحدة الأتحاديين وتكاتفهم وأن يكبروا على الصغائر وألا ينساغوا وراء شعارات بدون عمل لا يمكنأأن يحتويها الواقع وذلك باللبوس لكل واقع وحالة لبوسها مع التمسك الأكيد بمبادئ والمواقف الوطنية للحزب وألا يكثر خلافنا فى الوسائل لتحقيق الغايات . وألا يلبسوا الوسائل لبوس المبادئ والأفكار وتبقى ذريعة للأنشقاق والأختلاف. لم يكن للفقيد من حديث فى أيامه الأخيرة الا عن الوحدة والسؤال الى متى أنتم ستظلون متفرقين وكأن الوطن لا يعنيكم.
نختم ونقول أن سيد أحمد الحسين قد كان فعلاً يمثل ابن السودان الأصثيل خلقاً وأخلاقاً وكرماً وتواضعاً وسماحة. لم تغير فى سلوكه ومنهجه الذى تشربه فى قريته من البسطاء المدينة شيئاً ولا المناصب شيئاً بل زادته تواضعاً على تواضعه الذى جبل عليه. ولا يفوتنا أن ننحنى نحن الأتحاديين أجلالاً وتقديراص وتمجيداً لحرمه عائشة التى وقفت مع كل هذا المسار الطويل الملئ بالنضال والشقاء والضنك. وهى حقاً التى تمثل فيها القول وراء كل رجل عظيم امرأةفقد كان سيد احمد الحسن عليه رحمة الله عظيماً بعظمة رفيقة دربه لأنها كانت أم الكرم وكما يقول أهلنا الغبش أن الرجل مهما كان كريماً لا يظهر كرمه الا بالمرأة الزوجة الكريمة ولا يظهر له بخل أبداً أذا كانت زوجته كريمة فأنها تغطى على بخله وتظهره لمجتمعه بكل صفات الكرم. ألا أطال الله فى عمر أختنا عائشة وأن يمتعها بالصحة والعافية وأن يوفقنا بأن نكون متواصلين معها بعد فقدها لرفيق عمرها الطويل المؤنساه والمؤنسها. ونساله سبحانه وتعالى أن يتقبل أخونا سيد احمد قبولاً حسناً وأن ينزل عليه شآبيب رحمته وأن ينزله منزلة الصديقين والشهداء وأن يتواصل مجده وعمله حتى بعد وفاته فقد كتب أسمه بننا بأحرف من نور تظل ذكراه خالدة فى ضمائر كل اصحاب الماسئر المناضلين وهو فى النهاية لنا نحن الأتحاديين رمز الصمود والتحدى.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.