قضايا ليست كذلك

لقد تفاقمت الأوضاع بدارفور لدرجة مزعجة تهدد كيان ذلك الجزء العزيز من الوطن وتعمل على تقطيع أواصل نسيجه الأجتماعى مما قد يجرفه لمرحلة ألا عودة ما لم يتم تتدارك الأمر بجدية واعية وحكيمة وبعقلية وذهنية وطنية بعيداً عن الأنغلاق الأيدولوجى وروح الأستعلاء العرقى والعنصرى والجهوى الذى صار ينداح وسط مجتمعنا السودانى بكل مكوناته وجيهاته ويسرى فيه سريان النار فى الهشيم مهدداً للسودان الوطن بأن يكون أو لا يكون. أن توفر السلاح الحديث الخفيف منه والثقيل الفتاك بين القبائل فى دارفور هو من صنيعة حكومة السودان وقد وفرته وأعطته لهذه القبائل من منطلقات عقدية وعنصرية. وليست الأنقاذ هى التى بدأت تسليح القبائل العربية فى دارفور ولكن بدأت فى عهد حكومة السيد الصادق المهدى أبان الديمقراطية الثانية أستعانة بها لمحاربة الحركة الشعبية بقيادة الدكتور جون قرنق ولم تشكو القوات المسلحة عن عدم مقدرتها لمحاربة التمرد. وجاءت الأنقاذ وسارت على نفس المنوال وجعلت من المليشيات القبلية العربية جيوشاً موازية للقوات المسلحة وفى هذا تماهت العقلية والذهنية العروبية الأسلامية بين الصادق المهدى وحكومته والحركة الأسلامية وحكومتها فى عهد الأنقاذ هذا.
أن الحروب والمشاكل القبلية كانت تدور منذ زمن طويل بين معظم قبائل السودان. وتدور بين القبائل العربية فيما بينها وبين القبائل الغير عربية فيما بينها وبين القبائل العربية والغير عربية وتحل بالأجاويد وبواسطة حكماء القبائل وشيوخها وهى حروب كانت بالسلاح الأبيض ولذلك الفاقد البشرى فيها قليل وحتى هذا يتم تعافيه بنظام دفع الديات. أما الآن ومع توفر السلاح الحديث والنارى فى أيدى هذه القبائل فقد صار الفقد البشرى كبيراً ولا يمكن تعويضه وما ذلك الآ لخروج الدولة من السيطرة على هذه القبائل والتى صارت قوتها تكاد تكون مساوية لقوة الدولة وما تهديدات موسى هلال للدولة ببعيدة عن الأذهان والأنظار والأسماع.
أن ما حدث وما سيحدث بين قبيلتى الرزيقات والمعاليا على مرأى ومسمع الدولة وهى تقف متفرجة ومكتوفة الأيدى لهى دليل على عجز الدولة عن بسط سيطرتها على الموقف أو على كل بقاع السودان أو أنها تقف متفرجة لها مصلحة فى أن تستمر الحروب بين هذه القبائل ليفنى بعضها البعض ما دام هذا القتال والأفناء لا يتم فى وسط وشمال السودان أو بمعنى اصح خارج مثلث حمدى بغرض خلق التوازن أو الغلبة لأصحاب مركز السلطة من قبائل وسط وشمال السودان. وألا لا نجد تفسيراً لوقوف الدولة متفرجة للحرب فى دارفور ونزيف الدم المتزايد وكأن الأمر لا يعنيها. وأذا كانت الدولة عاجزة عن أن تبسط الأمن فى كل ربوع السودان أو أن تفرض هيبة الدولة وسط هذه القبائل المتقاتلة لتقل ذلك بصراحة بدلاً عن التصريحات الجوفاء بدون عمل بفرض هيبة الدولة والنزيف مستمر ويزداد يوماً بعد يوم والشكر للصحفيين والصحافة على موقفهم الشاجب والمتألم لهذه الدماء التى تسيل من بنى شعبنا فى دارفور. وأى دولة لا تستطيع أن تحمى شعبها حتى بين مكوناته تكون دولة فاشلة ويجب أن تذهب غير ماسوف عليها.
وما أقلقنى بشدة هو ما صرح به حميدتى قائد ما سمى بقوات الدعم السريع الذى طالب بتفويض من رئاسة الجمهورية لحسم الأقتتال القبلى بدارفور وهو يعنى القتال بين الرزيقات والمسيرية وهو فى الحقيقة قواته من مليشيات قبيلة الرزيقات ما يعنى أن يعطى التفويض لأبادة المعاليا عن آخرهم لأنه لا يمكن أن يبيد أبناء قبيلته سنده وعضده. ولا أدرى هل ستبسط الدولة هيبتها بقوات الدعم السريع والتى صارت قوات قبلية نظامية من ضمن قوات جهاز الأمن الوطنى؟ أم أنها ستفرض هيبة الدولة بواسطة القوات المسلحة وقوات الشرطة؟ هذه أسئلة مشروعة يجب أن يسألها أى مواطن حادب على وطنه أو له مثقال ذرة من الأنتماء الوطنى. نحن نقول ذلك ونشعر أن وطننا ينحدر الى قاع سحيق يستوجب تداركة قبل أن نفقده وتقع مشئولية هذا التدارك على رئيس الجمهورية وهو يخطو لولاية الأمر الواقع القادمة أما أن يستدرك الوضع بعين بصيرة ويخرج من هذا الأنتماء الحزبى والعقدى الضيق وأما لن يجد شعباً يحكمه فى ولايته الأخيرة هذه كما قال.
لقد كانت الحكومة تهلل وملأت الفضاء تمجيداً بأنتصار قوات الدعم السريع على قوات حركة العدل والمساواة فى الأسبوعين الماضيين ولكنها لم تستدرك هذا الأنتصار الذى تم على يد قوات بكل المناظير هى قوات قبلية معظمها من أبناء الرزيقات وبهذا الدولة جعلت الحرب بين قوات الدعم السريع والحركات الدارفورية وكأنه حرب بين القبائل العربية والغير عربية. وبهذا نخاف أن تتحول الحرب فى دارفور بين الحكومة والحركات المسلحة الى حرب عنصرية بين العرب وغير العرب ووقتها كثير من الذين يؤلبون هذه الحروب سيبحثون عن مواطئ لقبورهم ولن يجدوها. أن جر الوطن كله لحرب أهلية هى مسئولية هذه الحكومة التى حكمت البلاد ستة وعشرون عاماً وفشلت فى أن تدير البلد بمنهاج يحفظ وحدتها وأدارة هذا التنوع الذى يمتاز به شعبنا بل جعلت منه ذريعة للتفتت والأنقسام والتشرذم والأقتتال.
ويبقى لنا تساؤل أخير قبل الختام للسلطة الحاكمة مادام هنالك قوات قبلية ضاربة ومسلحة بكل الأسلحة الحديثة الثقيل منها والخفيف ، كيف سيكون الحال أذا أتفق أبناء العمومة موسى هلال وحميدتى وأرادا الأستيلاء على السلطة فى الخرطوم ؟ من الذى يستطيع أن يقف أمامهم ويمنعهم من الأستيلاء على السلطة فى الخرطوم؟ وما الزراع الطويلة عنا ببعيد التى وصلت حتى داخل أم درمان ولم تجد فى المبتدأ من يتصدى لها وضاعت أرواح كثيرة بعد أن قطعت تلك الأميال الطويلة لتصل الى العاصمة؟ دلونا بربكم هل تتحسبون لمثل هذه السينوراهات اذا حدثت؟ الآ اللهم قد بلغت فأشهد.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.