بقلم بروفيسور/ محمد زين العابدين عثمان – جامعة الزعيم الأزهرى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

منذ أن بدأت أرهاصات مشاركة الحزب الأتحادى الديمقراطى الأصل فى الحكومة العريضة التى دعى لها المؤتمر الوطنى بعد الأنتخابات العامة التى أكتسح كل مقاعدها بالحق وبالباطل وذلك عندما دخل الحزب فى حوار مع المؤتمر الوطنى بكل لجانه ظللنا نراقب ونتابع ونتأنى فى الأدلاء برأينا حتى بعد أن تمت المشاركة الفعلية برغم رأينا الثابت وحسب دستور الحزب الآ نضع أيدينا فى أى نظام شمولى حتى ولو جاء مبرأ من كل سوء وكان هذا هو موقفنا تجاه الجمعية التشريعية فى حقبة الأستعمار. وأيضاً ما كان صمتنا وترقبنا الا لنرى أن هنالك أتفاقاً متكاملاً ومتكافئاً  سيوقع بين الحزبين بآليات تنفيذه ليخرج الوطن من هذا النفق المظلم الذى أدخلتنا فيه حكومة الأنقاذ وجاءت الأيام بغير ذلك لتصبح مشاركة الحزب هى مناصب للمتطلعين والحواريين للسيد محمد عثمان الميرغنى وكانت المهزلة المضحكة هى فى الذين دفع بهم السيد لتولى حفنة المناصب التى تكرم بها عليهم المؤتمر الوطنى ولتدل المشاركة على أن الحزب الأتحادى الديمقراطى بعظمته وتاريخه ونضالاته ورموزه المتفردة قد صار حزباً لأسرة الميرغنى وحوارييه وبعض الختمية لأن رجالات وشباب الختمية الخلصاء المتمسكين بمبادئ الحزب الأتحادى الديمقراطى ومنهج السيد على الميرغنى والسيد اسماعيل الأزهرى قد نأوا بانفسهم عن هذه المشاركة وعبروا عن رأيهم كتابة وفى شكل وفود لمرشد طريقتهم ولكن الميتة ما بتسمع الصائحة كما يقول مثلنا السودانى.

لا أدرى لماذا لا تقرأ القيادات التأريخ أو تستحضر تجارب الماضى القريبة التى مرت على مسار الحركة الأتحادية لتكون لهم عاصماً من الوقوع فى شراك وحبال النظم العسكرية الشمولية والسلطوية. لقد كانت أمام قيادة الحزب الأتحادى الأصل تجربتين فى مشاركة نظام الأنقاذ هذا فى حكومته وكانت خلاصة كلا التجربتين حصاد الهشيم بل كانت المشاركة مع الأنقاذ سبباً قوياً ومباشراً فى أستمرارية نظام الأنقاذ فى الحكم حتى الآن. المشاركة الأولى كانت مشاركة الأتحادى الديمقراطى المسجل  منذ أواخر التسعينات قبل دستور 1998م والذى كان يبشر به الأتحاديون أكثر من أهل الأنقاذ. ثم كانت المشاركة الفعلية فى السلطة بعد نهاية مبادرة الحوار الشعبى الشامل التى أطلقها المرحوم الشريف زين العابدين الهندى والتى تمخضت عن برنامج العمل الوطنى والذى تبناه عمر البشير كبرنامجه عند ترشيح نفسه رئيساً للجمهورية لولاية ثانية بعد دسيتور 1998م. وكانت النتيجة أن هذا البرنامج لم ينفذ منه بنداً واحداً وسارت الأنقاذ ببرنامجها الحضارى المعلن والمخفى وأدخلت معها من الحزب وزراء أتحاديين وولائيين ومعتمدين فى الحكومة كتمامة جرتق وتزيين وجه الأنقاذ القمئ بوجوه أبناء الحركة الأتحادية قواد الحركة الوطنية فى السودان ولم ينفذ أى منهم فى وزارته شيئاً مما وقع عليه فى برنامج العمل الوطنى لأن كل الوزارات من الوكيل وحتى الخفير كانت منظمة فى المؤتمر الوطنى وأيضاً وضعوا لكل وزير أتحادى وزير دولة منهم ليكون فرملة جاهزة لأى قرارات يتخذها الوزير المشارك الذى لا ينتمى للمؤتمر الوطنى. والأسوأ والأمر أنهم شاركوا فى أتفاقية نيفاشا التى أدت فى النهاية لفصل جنوب السودان وقد كان معروفاً من قبل أن يوقع عليها أنها ستؤدى لأنفصال جنوب السودان وبذلك قد شاركوا فى أرتكاب أكبر جريمة فى حق الحزب والوطن وخانوا عهود رعيل الحركة الأتحادية الأول. ولقد كان وزراء الأتحادى المسجل أتباع وأبواق لبرامج المؤتمر الوطنى وما زالوا ولم يقدموا شيئاً حتى لجماهير حزبهم ناهيك عن السودان عامة وفى عهدهم أعدم مشروع الجزيرة الركيزة القوية لجماهير المزارعين المنتمين للحزب الأتحادى الديمقراطى عماد الأقتصاد الوطنى بل لقد فسدوا وأفسدوا وزادوا البلاد رهقاً. ولقد كان سبب الأنقسام الحقيقى للحزب الى حزبين هو مشاركة الشريف زين العابدين ومن معه للأنقاذ فى السلطة. وأذا كانت مشاركة الشريف زين العابدين الهندى للأنقاذ فى السلطة مرفوضة من السيد محمد عثمان الميرغنى حتى أدت للأنقسام ، يكون من الأولى للسيد محمد عثمان بعد أن أتى بما كان يراه منكراً على الشريف أن يكون منكراً عليه وتقتضى الأمانة أن يستقيل بعد أن أتى بما كان ينكره على الآخرين ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) صق الله العظيم وعيب أن يأتى المنكر من شيخ طريقة دينية هو قدوة التابعين.

لم تستفد قيادة الأتحادى الأصل من التجربة وشاركت الأنقاذ فى الحكومة بعد توقيع أتفاقية القاهرة بأسم التجمع الوطنى الديمقراطى والحقيقة هى أن المشاركة بأسم التجمع على مستوى التنفيذيين كلها كانت من الأتحادى الديمقراطى وحتى على مستوى البرلمان كان هنالك أثنى عشر أتحادى من أصل عشرين عضو برلمانى منحتهم الأتفاقية وتبقى الحقيقة أن هذه المشاركة جلها كانت مشاركة الحزب الأتحادى الديمقراطى وللتوارى منها خجلاً سموها باسم التجمع الوطنى الديمقراطى. وأيضاً الأتحاديون بقيادة السيد محمد عثمان الميرغنى قد شاركوا فى سوءة أنفصال جنوب الوطن الحبيب وفى هذا لنا مقال قادم فترقبوه. وطوال الخمس سنوات فى حكومة أتفاقية نيفاشا لم يستطع الحزب أن يحقق شيئاً لجماهير الشعب السودانى بل لقد شاركوا فى زيادة معاناته. وللأسف كلا الحزبين الأتحاديين المشاركين قد قدموا للمناصب الدستورية والتنفيذية والبرلمانية أضعف الأتحاديين والأقل قدرات وعطاء وأنتماء والتزام بمبادئ الحزب.

أما مشاركة الحزب الأتحادى الأصل فى الحكومة الحالية فهى أم المهازل والضحك على الذقون بتبريرها أنها من مصلحة االبلاد العليا. ونتساءل أى مصلحة للبلاد عليا فى وجود وأستمرارية نظام الأنقاذ فى الحكم؟ ومن الذى أتخذ قرار المشاركة  بأسم الحزب فى حين أن كل القيادالت رافضة لهذه المشاركة؟ حتى اللجان التى كونها السيد محمد عثمان للحوار حول الدستور والبرنامج ومن ثم المشاركة بعد الوصول لأتفاق كلها رفعت تقاريرها رفضاً للمشاركة وبأغلبية الأعضاء ولم يعترض أحد غير أحمد سعد عمر والذى يعتبره كثير من الأتحاديون أنه دخيل على الحزب وحتى الديمقراطية الثالثة كان يريد أن يترشح بأسم حزب الأمة والذى رفض ترشيحه وجاء على كتف السيد محمد عثمان الميرغنى. وحقيقة الأمر أن دستور  الحزب الذى أجيز فى مؤتمر المرجعيات بالقاهرة عام 2004م يحرم على الحزب المشاركة مع أى نظام عسكرى شمولى غير منتخب بواسطة جماهير الشعب السودانى فى أنتخابات حرة ونزيهة. كما أن وثائق مؤتمر المرجعيات التى أودعت لتسجيل الحزب ليس فيها ما يسمى بهيئة القيادة ولا تحديد عدد أعضائها . أن الجسم التنظيمى الشرعى الوحيد الذى أنتخب من هذا المؤتمر هو المكتب السياسى وهو الوحيد المناط به والمخول له من المؤتمر أن يعدل فى وثائق المؤتمر أو يقرر فى المشاركة من عدمها وهذا الجسم لم يتخذ أى قرار بالمشاركة وبذا يصبح قرار المشاركة غير دستورى حزبياً مهما تكون الجهة التى أتخذته من غير المكتب السياسى. هذا المكتب السياسى قام السيد محمد عثمان الميرغنى بتجميده وأستعاض عنه بما يسمى اللجنة المفوضة من المكتب السياسى وهذه أيضاً لم تجتمع ولم تقرر بخصوص المشاركة وهذه لم يدعها لأنه رأى أنها لن تأتمر بأمره. وهذا الحزب منذ وفاة الزعيم السيد الرئيس أسماعيل الأزهرى لم ينتخب رئيساً للحزب حتى هذه اللحظة. ولم يعقد هذا الحزب مؤتمراً عاماً منذ عام 1967م. فالسيد محمد عثمان الميرغنى لم ينتخب رئيساً بواسطة المكتب السياسى الخمسينى الذى تراضت عليه القيادات بعد الأنتفاضة وأنتخب فقط الشريف زين العابدين الهندى أميناً عاماً وترك أنتخاب الرئيس لحين قيام المؤتمر العام وقد خاض الحزب الأنتخابات قبل أن يعقد مؤتمره العام وكان السيد محمد عثمان الميرغنى كراعى للحزب فى مكان والده يرأس أجتماعات المكتب السياسى دونما أن يكون له صوت فى قراراته لا عادى لا صوت مرجح. ومؤتمر المقطم الذى عقد بالقاهرة لم ينتخب السيد محمد عثمان الميرغنى رئيساً للحزب ولا كذلك مؤتمرى الأسكندرية الأول والثانى عامى 1991 و1992 م الذين عقدهما الشريف زين العابدين لم ينتخبا أحداً ليكون رئيساً للحزب. وكذلك مؤتمر المرجعيات الذى عقد بالقاهرة عام 2004م لم ينتخب رئيساً للحزب وأنما أنتخب السيد أحمد الميرغنى نائباً لرئيس الحزب وترك أنتخاب رئيس الحزب للمؤتمر العام بعد أسقاط نظام الأنقاذ. وبذلك يكون السيد محمد عثمان الميرغنى رئيساً للحزب بوضع اليد وتعامل معه الجميع بقيادة الأمر الواقع لأن الهم الوطنى لأسقاط النظام كان أكبر من الهم الحزبى. أما والآن قد صار شريكاً للنظام الذى نعمل لأسقاطه ليس هنالك ما يجبرنا على أن نعترف به قيادة الأمر الواقع وليس له موقع غير راعى الحزب توريثاً من والده وهو منصب سيادى ليس له سلطة فى قرارات الحزب. وأنتخب مؤتمر المرجعيات المكتب السياسى الذى قام بأنتخاب نائب ثانى لرئيس الحزب الأستاذ على محمود حسنين والأمين العام سيد أحمد الحسين ونائبيه فتح الرحمن أبراهيم شيلا وتاج السر محمد صالح وأحدهما أنضم للمؤتمر الوطنى.

لقد كانت عظمة الزعيم أسماعيل الأزهرى وصحبه من قيادات الرعيل الأول من الأتحاديين تكمن فى أنهم كانوا يتحسسون ويستطلعون رغبات جماهيرهم وقياداتهم الوسيطة ويقومون  بوضع البرامج وتنفيذها أستجابة لرغباتهم مما جعل الجماهير ترتبط بهم أرتباطاً قوياً لأنهم قد حققوا لهم تطلعاتهم وطموحاتهم وهذا هو معنى الزعامة الحقيقى قمة الديمقراطية الشعبية لا زعامة الأبراج العاجية. عندما قرر السيد محمد عثمان ومن معه من الحواريين والمنتفعين والأرزقية المشاركة ضجت كل الساحة الأتحادية بقياداتها وكوادرها الوسيطة وكوادرها الشبابية والطلابية رفضاً لهذ المشاركة التى لا تليق بحزب الحركة الوطنية وتواترت الوفود والمذكرات من العاصمة والولايات للسيد محمد عثمان رفضاً للمشاركة ولكن كأن لا أذن لمن تنادى وسدر الجميع فى غيهم ومع ذلك يقول السيد ومن حوله أن قرار المشاركة قد أتخذته مؤسسات الحزب! ما بالكم كيف تحكمون؟ وهذه المؤسسات نحن فى الحزب لا نعلم لها وجود وأختصر كل الحزب فى شخص السيد محمد عثمان الميرغنى وكما قال شاعر الحزب الزين الجريفابى فى قصيدته المطولة أن الحزب شالوا السيد فى مخلايته. ولذلك كل من يطلب السلطة والوزارة يجب عليه أن يأتى على كتف السيد وليس على كتف الحزب ومؤسسته وتنظيمهً وقدرنه وعطائه ولهذا لم يجد السيد محمد عثمان حوله من الكفاءات الوطنية ليقدمها لشغل هذه المناصب لأن أصحاب العلم والكفاءة والقدرات والعطاء والأنتماء الحقيقى لمبادئ الحزب قد نأوا بأنفسهم عن هذه المهزلة والمسرحية التى تعرض بأسم الحزب والحزب منها براء براءة الذئب من دم أبن يعقوب. وتقديم الأقزام قطعًا سيقزم الحزب ولكن تبقى الحقيقة أن الحزب ما زال صامداً بجماهيره ومبادئه وأهل الأنقاذ يعلمون جيداً أين تقف غالبية الأتحاديين.

لقد آن للسيد محمد عثمان أن يستدرك أن جماهير هذا الحزب ما عادت تقاد كالسوام بالأشارة وما عادت لتكون تابعة لأنها جماهير واعية ومثقفة والطبقة المستنيرة فى البلاد وأن الذين أنتموا لهذا الحزب وقاتلوا من أجل مبادئه والذود عنها والتزاماً بقضايا الوطن التى رفعها الرعيل الأول لن يتركوا هذا الحزب ليكون مسخاً مشوهاً لأى شخص مهما علا أو قل شأنه وسيقاتلون ويناضلون من أـجل أنتزاع حزبهم وتنقيته من كل الشوائب التى ألمت به بمعاونة الأنظمة الشمولية ومن كل الذين أستحوذوا عليه بوضع اليد دونما عطاء أو فكر أو علم. أن كثيراً من القيادات التى تعلمت فى مدرسة الأزهرى والشريف حسيين الهندى قد سارت وسايرت السيد محمد عثمان الميرغنى طوال الفترة الماضية برغم عدم وجود المؤسسية والديمقراطية داخل الحزب هو للموقف الوطنى الذى كان يقفه السيد محمد عثمان ضد هذا النظام بحثاً عن الكرامة والحرية والديمقراطية لشعبنا وأقتلاع هذا النظام من الجذور كما قال وقد حمل فى سبيل ذلك الكلاشنكوف على كتفه ومهدداً النظام بأن يسلم ليسلم . ولذلك كانت تهتف الجماهير الأتحادية وجماهير الشعب السودانى العاشقة للحرية عاش أبو هاشم عاش أبو هاشم ولكن الآن بعد أن تخلى عن هذا الموقف الوطنى والذى هو من ثوابت الحركة الأتحادية فلن يجد من يهتف له عاش أبو هاشم اللهم الا الحواريين والموهومين بأن هتافهم سيدخلهم الجنة. وأن الهتاف لمن لا يرجى منه تحقيق العدل والأمانى والتطلعات يصبح حراماً ونواصل