بسم الله الرحمن الرحيم

بقلم بروفيسور/ محمد زين العابدين عثمان – جامعة الزعيم الأزهرى
لا شك أن الحوار سلوك حضارى لا يدانيه سلوك. وهو السبيل والمنهاج الوحيد الذى أختاره الله لعباده للوصول لحل الأشكاليات والأختلافات التى تواجه البشر فى مسيرة حياتهم. وهو أيضاً ما أمر به ربنا سبحانه وتعالى نبيه سيدنا محمد عليه افضل الصلاة وأتم التسليم بأن يجادل ويحاور الكفار ليقنعهم بالأيمان به سبحانه وتعالى ناهيك عن القضايا الأخرىز وأمره بأن يكون الحوار والمجادلة بالتى هى أحسن وأن تخرج الكلمة من قلب رقيق رحيم ليس فيه غلظة وقال له فى محكم تنزيله " وجادلهم بالتى هى أحسن فأذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم * وما يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم " وقال له أن المجادلة والمحاورة لا تنفع فيها الفظاظة وقسوة القلب " ولو كنت فظاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك ...." . وهذا هو منهاج ونهج الحوار الذى حدده ربنا سبحانه وتعالى عن كيف يكون والى ماذا يفضى وأى طريقة واسلوب فهل هذا متبع عند دولة التوجه الحضارى التى قالت أنها أحتكرت معرفة وفهم ومقاصد السلام؟
والحوار لا يحقق مراميه واهدافه فى حلحلة المسائل الخلافية بين الفراد والمجتمعات والأمم والشعوب والدول الا أذا كان المتحاورون يؤمنون بفائدة هذا الحوار وجديته والتزامهم الكامل بمخرجاته كعهود ومواثيق عند الوصول للأتفاق بالتراضى وان هذا الأتفاق الموقع عليه بالتراضى يجب أن يلتزم به المتحاورون جملة وتفصيلاً " وأوفوا العهد أن العهد كان مسئولاً " وليس هنالك من مجال للخروج عليه او على نصوصه أو التقاغس عن تنفيذه مهما كانت السباب ما دام فى الأساس قد تم التوصل اليه بالحوار والتراضى اذا كنا حقاً مسلمين وملتزمين بأوامر الله ونواهيه. وعدم التزام أى طرف عن تنفيذ أتفاق التراضى هذا يعنى ودون أدنى شك أن الذى لم يلتزم بتنفيذ هذا الأتفاق أنه قد أتى للحوار دون ان يؤمن بفائدته ومضمراً عدم الألتزام بمخرجاته من قبل البدء فيه وانما ارتضاه أما مجبراً أو كسباً للوقت لتجاوز أزمة يمر بها. وهذا السلوك يعتبر نوعاً من المراوغة والمضاهاة وتسويف الوقت وجزءاً من من فقه التقية الذى تؤمن به بعض الجماعات السلامية التى لا تلتزم بما تتفق به مع الآخرين.
كل هذه المقدمة تقودنا للسؤال المحورى وهو هل يستطيع نظام النقاذ ومن ورائه جركة السلام السياسى ممثلة فى المؤتمر الوطنى والخوان المسلمين والسلفيين يمكن أن يلتزموا بمخرجات ونتائج أى حوار واتفاق يتوصلوا له مع الآخرين من القوى السياسية والوطنية السودانية؟ وهل اتفاقهم مع الآخرين حول الديمقراطية واتاحة الحريات العامة يتوافق مع توجهاتهم الفكرية والسشياسية وأيمانه الراسخ فى أدارة الدولة السلامية التى رفعوها شعاراً دونما تأطير نظرى فكرى وعملى لها؟ والأجابة على مثل هذه الأسئلة تقول التجارب الماضية فيها ان نظام الأنقاذ لم يلتزم بأى أتفاق وقعه من قبل مع أى طرف سواءاً بالتراضى أو مجبراً. والأمثلة كثيرة من اتفاقية السلام وأتفاق جيبوتى وجدة الأطارى وأتفاق القاهرة وأبو جا وأتفاق التراضى ....ألخ. ولذلك يصبح تجريب المجرب مضيعة للوقت وألهاء للناس عن النهوض لتغيير ما هم عليه من وضع سئ فى كل شئ سياسياً وأجتماعياً وأقتصادياً ودينياً.
أن الحوار الذى يسير فيه الحزبان الكبيران المة والأتحادى الديمقراطى الأصل بقيادة الزعيمان السيدان الصادق المهدى ومحمد عثمان الميرغنى كل على حده ما هو الا ملهاة وتضييع للزمن وتثبيط لهمة شباب الثورة السودانية الذى يتطلع ليقوم بنفس الدور الذى قام به الشباب العربى فى كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا رغم حدة القمع الذى مارسته ضدهم النظم الشمولية والديكتاتورية فى تلك البلاد. أن تضييع الزمن والملهاة التى يمارسها المؤتمر الوطنى مع القوى السياسية بما يسمى الدستور الدائم للبلاد ما هو الا تضييع للوقت وأحداث للبلبلة وعدم تركيز فى التوجه لجماهير وكوادر وشباب هذين الحزبين. المؤتمر الوطنى اجاز الدستور المؤقت لعام 2005م بأدماج بنود أتفاقية نيفاشا مع دستور 1998م وجعل بند من بنود الدستور أذا حدث تعارض فى النصوص فأن بنود اتفاقية نيفاشا تعلو على الدستور ولم يلتزم بتنفيذ بنود واتفاقية نيفاشا التى أفردت أبواباً ونصوصاً عن الديمقراطية والحريات العامة لا نجدها فى بلدان الديمقراطيات الليبرالية العريقة ولكنه لم ينفذ فيها شيئاً وظلت القوانين التى تتعارض مع الدستور سارية حتى تاريخ اليوم مالكم كيف تحكمون؟ فهل يعقل ان يوافقوا أو يطبقوا دستور دائم يكفل الحريات العامة الكاملة ويقنن لحكم الممارسة الديمقراطية بكل الشفافية وهم يعلمون أن فتح باب الحريات العامة الكاملة يعنى نهايتهم السياسية فى السودان وأنهم فى أى تبادل سلمى للسلطة معرضون للمساءلة والمحاسبة ما بالكم كيف تحكمون؟ أن قيادات الأنقاذ بها من علماء الدساتير اكثر مما هو موجود عند اى حزب سياسى آخر ومعظمهم قد درس وتعلم فى بلدان الديمقراطيا الليبرالية وكذلك هم أكثر الناس علماً بكيف يكون الحكم الديمقراطى الليبرالى الراشد ولكنهم لن يذهبوا لتنفيذ ذلك لعلمهم علم اليقين أن هذا يتعارض مع فكرهم ومفاهيمهم وفيه ايضاً فناءهم وأندثارهم وقد يتعرضون للعقاب على الواحد والعشرون عاماً الماضية التى حكموا فيها السودان وهى فترة مفعمة بالقتل والسحل والحروب والفساد والتشريد وذهاب ثلث الوطن وفوق هذا وذاك أنغلاقهم اليدولوجى لأنهم يؤمنون بحكم سلطان الغلبة والشوكة والطاعة العمياء حتى ولو تأمر عليهم عبد حبشى. وفوق هذا وذاك البيعة لأمير المؤمنين وعدم الخروج عليه الا أذا أمر بكفر بواح وما دون ذلك فليقتل وليسحل وليسفك الدماء ويكمم الأفواه. ففكر مثل هذا لن يلتقى مع الفكر الديمقراطى بأى حال من الأحوال وهو حكم أهل الحل والعقد وليس هنالك أهل حل وعقد فى السودان غيرهم.
أن أستمرار الزعيمان فى مثل هذا الحوار وحزبيهما يعتبر جريمة وطنية وخيانة لدماء كل الشهداء التى سالت دماؤهم من أجل أسترداد الديمقراطية والحريات العامة وخيانة لشباب الثورة السودانية المتحفز لسقاط هذا النظام الذى دمر كل البناء السودانى الذى دفع فيه الرعيل الأول كل مرتخص وغالى. والزعيمان بهذا المسلك يخدمون نظام الأنقاذ الذى نرى أن حال السودان لن ينصلح ما داموا هم على سدة الحكم فلماذا يعملان على أطالة عمره واستمراريته وهم يرون كل النظمة الشمولية فى الوطن العربى تتساقط الأول تلو الآخر. أن استمرارية نظام النقاذ على اعناق شعبنا بذريعة أنهم يحاولون المحافظة على السودان لئلا ينفلت الوضع وتكون حرباً أهلية فى وطن يكثر فيه السلاح أنما هى ذريعة الذى لا يقدر على فعل التمام ونوع من التثبيط يقوم به الأمام الصادق المهدى نيابة عن المؤتمر الوطنى لا ندرى أتكرماً أم بأجر مدفوع؟ ومهما حاول الزعيمان تبرير استلامهم للأموال من نظام الأنقاذ بأن هذا حقهم الذى صودر منهم ورجع اليهم فهو فى نظر قطاع كبير من الشعب السودانى مال مدفوع الأنقاذ ليتكافؤا شر الزعيمين وأتباعهم وألا فأن الشعب السودانى يريد أن يفهم ما هى مصلحته فى الوصول لأتفاق مع نظام النقاذ بعد كل ما فعله فى الشعب والوطن؟ واذا كان السيد الصادق المهدى يخاف على شباب الثورة السودانية من الموت اذا قامت مظاهرات لسقاط النظام فأن الموت الذى بيد نظام الأنقاذ بدون ثورة سلمية أكثر مما يموت فى الثورة الليبية وفى مصراتة بالذات وأكثر مما يموت من ثوار الشعب السورى فى دارفور وابيى والجنوب وغيرها من المناطق الملتهبة بسبب سياسات الأنقاذ فلم هذ1ا التثبيط للشعب السودانى وشباب الثورة السودانية خاصة عندما يكون التثبيط من رجال فى قامة الزعيمين؟
أطال الزمن أم قصر فان ثورة الشباب السودانى قادمة لا محالة أسوة برفقائهم فى البلدان العربية. ولذلك نطلب من السيدين أيقاف هذا الحوار المثبط مع نظام النقاذ وهو حقاً حوار طرشان لن يؤدى الى شئ فبدلاً عن ذلك ليعملوا على أذكاء روح الثورة وسط الشباب وجموع الشعب السودانى لسقاط هذا النظام الذى أذاقهم ويلات العذاب. ولا يتوقع الشعب السودانى من السيد محمد عثمان الميرغنى بالذات وهو صاحب شعارات القتلاع من الجذور وسلم تسلم وقد لبس الكاكى وحمل الكلاشنكوف محولاً حزب الوسط الحزب الأتحادى الديمقراطى الى حزب ثورى كما فعل من قبله الشهيد الشريف حسين الهندى الذى اوصى بأن نعض على القضية بالنواجز وما هى الا قضية الديمقراطية والحرية وقال نجوع ونأكل اصابعنا ولا نبيع قضايانا. وللسف الشديد فان للسيدين تجارب عديدة لحوارات كثيرة وصلوا فيها لأتفاقات مع نظام النقاذ ولم ينفذ فيها بنداً واحداً بدءاً باتفاق جيبوتى والذى تغنى به سيد صادق وقال ذهبت لصطاد فأراً فأصطدت فيلاً وكان ختام أتفاق جيبوتى أنه لم يجد حتى الفار الذى منى به النفس. ومن بعدها كان اتفاق التراضى الوطنى وايضاً تمخض فولد فاراً نصوصاً كانت حبراً على ورق. وبعد كل هذا يريد أن يدخل مع نظام الأنقاذ فى حوار فى وقت أكتملت فيه كل عناصر قيام الثورة السودانية وجعل نفسه فى حواره الخير هذا أنه يمثل كل القوى السياسية والوطنية السودانية لأنه سيتفق على الأجندة الوطنية ويا سبحان الله ألم تكن أتفاقات جيبوتى والتراضى على أجندة وطنية وكانت على أجندة شيطانية؟ أما زعيم الحزب التحادى الديمقراطى السيد محمد عثمان الميرغنى فقد وقع اتفاق جدة الأطارى ومن بعده أتفاق القاهرة باسم التجمع الوطنى الديمقراطى ومن بعدها مبادرته للوفاق الوطنى وفى كل ذلك لم يوبه به ولم ينفذوا له بنداً واحداً مما أتفق عليه معهم ومع ذلك يتكلم عن تشكيل لجان مع المؤتمر الوطنى للأتفاق على دستور دائم يجاز بمجلس وطنى آحادى، يا سبحان الله أهذا حكيم أمته؟ انهم لن يتفقوا معه الا على ما يخدم سلطتهم وأتحافه ببعض الوزارات فى الحكومة القادمة بعد 9 يوليو 2011م وهذا ما يريده ويصبوا اليه المتحلقين حوله من اصحاب المصالح الذاتية ولتذهب قضية الوطن الى مذبلة التاريخ بمثل ما حصل لهم من مشاركة من قبل باسم التجمع الوطنى الديمقراطى فى الوظائف التنفيذية التى كانت أتحادية بحت رغم انها باسم التجمع الوطنى. ان النظام سيهب الوظائف التنفيذية لمن يريد بشرط أن يكون هو صاحب ال 51% لتنفيذ كل اجندته بمشاركة الجميع أرادوا أم لم يريدوا.
بل دعونا نذهب اكثر من ذلك جتى المبادرة التى اتى بها العم المرحوم الشريف زين العابدين الهندى والمبنية على الحوار الوطنى والتى وصلت وتمخضت عن برنامج العمل الوطنى والذى خاض به رئيس الجمهورية النتخابات لولايته الثانية ودخل على ضوئه حزب الشريف زين العابدين الهندى السلطة مع المؤتمر الوطنى، فأن برنامج العمل الوطنى هذا لم ينفذ منه ولا بند واحد وصار نصوصاً حبراً على ورق وكانت خاتمته كارثته اتفااقية نيفاشا التى ادت لفصل الجنوب وهى اتفاقية تتعارض ورأى الشريف زين العابدين الهندى المكتوب والمقروء حول مشكلة الجنوب. وايضاً كان نتاج برنامج العمل الوطنى هذا هو حرب دارفور وما زال هذا الحزب مشاركاً فى كل هذه السوءات وكوارث نظام النقاذ على السودان الوطن. فهم ارضوا ام ابوا شركاء فى كارثة أنفصال جنوب السودان لحزب أول ركائز بنيانه الفكرى التمسك بوحدة تراب الوطن السودان مهما كانت المسوغات.
نختم  ونقول ونطلب من الزعيمين أن يتجاوبا مع نبض الشارع السودانى الذى عقد العزم على العمل على اسقاط هذا النظام واقامة الدولة المدنية الديمقراطية المبنية على التعددية والشفافية وكفالة الحريات والتبادل السلمى للسلطة. ان الستمرار فى الحوار مع المؤتمر الوطنى هو خصم على قيمة الزعامة التى كان شعارها القتلاع من الجذور.   
Mohamed Osman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]