بقلم بروفسير/ محمد زين العابدين عثمان – جامعة الزعيم الأزهرى

  

ما كنت أود أن أرد على الأخ عثمان عبد القادر (أبو أحمد ) لو لا أنه  حاد عن المنطق والنقاش الهادئ العقلانى وذهب فى تجنى شخصى وهو لا يعرف عنى شيئاً ولا أعرف عنه شيئاً. وأن ما كتبته وجهة نظر قد تكون خطأً أو صواب ولم أدعى معرفة الحقيقة كلها فى يوم من الأيام ، اضافة الى أنه ترك لب الموضوع والدافع الذى جعلنى أكتب ما كتبت وذهب يبحث عن القشور. اضافة الى أنه حاول أن يجمع بينى وبين الأخوين عثمان ميرغنى ودكتور/ محمد محجوب هارون فى تنظيم واحد وتوجه واحد وهو لا يعلم أنى لم ألتق بعثمان ميرغنى لا فى حوار ولا جوار ولا تنظيم على مدى حياتى وأسأل الله أن يطيل عمرينا ونتعارف ونلتقى فكلنا أبناء السودان ونسأل الله أن يجمع أبناء وأهل السودان كلهم فى بوتقة واحدة. أما الأخ الدكتور محمد محجوب هارون فقد التقيته مرتين طوال حياتى، الأولى هى التى تعرطت لها فى مقالى وكانت فى قطار من نيوكاسل الى درم لحضور  ورشة عمل تقيمها جمعية الدراسات السودانية بجامعة درم عام 1990م وقد كنا وقتها طلاب دراسات عليا جاء هو قادم من جنوب لندن للمؤتمر ونازل ضيف عند أحد زملائه معنا بجامعة نيوكاسل. ودار بيننا نقاش حاد تعرضت له فى مقالى والذى أظن أن الأخ عثمان عبد القادر لم يستوعبه. والمرة الثانية التقيته فى ندوة بصحيفة الصحافة بالخرطوم وقد كنا على طرفى نقيض عند المداخلات ولم نفترق الا على الود وكنت قلت له الحمد لله الذى جعل عقلك مفتوحاً بعد أن كان مغلقاً عام  1990م - عندما التقيته لأول مرة- لتحمل راية الاستنارة مع المستنيرين من الاسلاميين كأمثال الدكتور/ الطيب زين العابدين والدكتور/ حسن مكى وأيضاً الكاتب والصحفى عثمان ميرغنى الذى ما عرفته الا عبر كتاباته وأنا أحاسبه بالحالة التى هو عليها الآن وليس بما مضى ولا أعرف ماضيه  وهذه سياسة وأفكار ورؤى ليست جامدة وقد تهتز القناعات بما كانت تؤمن به بالأمس فما هى الغضاضة فى ذلك وأين الحاج وراق وصحبه الآن من الحزب الشيوعى. ويبقى اذا كان هنالك انسان ارتكب جرماً يمس الحقوق الانسانية فمكانها ساحات القضاء وليس ساحات الفكر والرأى والتى بطبيعتها ديناميكية ومتغيرة ومحكومة بالزمان والمكان والملابسات المحيطة لأنك لا تستطيع أن تعزل الفكر أو الموقف السياسى عن المحيط الذى حوله والا ستكون قد انتفت الواقعية ودخلنا فى محيط الغوغاء والرجرجة والدهماء.

  

ولعل الأخ عثمان عبد القادر لم يقرأ لى من قبل فقد كتبت كثيراً عن مشاكل السودان السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والموروثة منذ الاستقلال والتى لم تعالج. ولم أبرئ نظام الانقاذ منها بل قلت أن نظام حكام الأنقاذ وكل العسكر قد فاقموها بدرجات وقمة التفاقم حكومة الانقاذ الحالية والتى أوصلوها مداها لأنهم دائماً يعتمدون على منطق القوة والحل العسكرى والأمنى بدلاً عن الحل السياسى وزادت الانقاذ عليها بادخال العامل الدينى الذى هو عامل فرقة فى وطن متعدد الديانات والأعراق والثقافات. وقد كتبت عن مشكلة دارفور محملاً معظم تبعاتها لنظام الانقاذ فى مقال نشر بالصحف السودانية بعنوان " مشكلة دارفور ومن المسئول؟" وقلت برغم ذلك أن مشكلة دارفور وحاجتها للتنمية وماء الشرب النقئ قد ظهرت بعد ثورة أكتوبر المجيدة عند قيام جبهة نهضة دارفور برئاسة الأخ أحمد ابراهيم دريج. كل ما قلت فى مقالى عن التهميش فقد حملت المسئولية للطبقة المتعلمة وليس المثقفة لأن المثقف لا يمكن أن يوصل بلاده لهذا الدرك الأسفل. وفى اتهامى للنخبة المتعلمة لم أستثنى المتعلمين من أبناء الشمال لأن الشمال الآن من الجيلى الى حلفا مهمش أكثر من كل أقاليم السودان- كما شهد بذلك من قبل دكتور/ رياك مشار نائب رئيس حكومة الجنوب الحالى- برغم أن معظم حكام السودان ووزراؤه منذ الاستقلال وحتى الآن هم من أبناء الشمال. فما لكم كيف تحكمون؟ ولمعلومية الأخ عثمان عبد القادر فأنا من الجزيرة ومن الحلاويين وأنتمى أيضاً لقبيلة الشكرية كأكبر قبيلة مهملة ومهمشة فى البطانة ولكنى لم أحكم أو حكم أى من أبنائها حتى نتهم بتهميش أهلنا.

  

ولمعلومية الأخ عثمان عبد القادر والآخرين أنى أنتمى وأؤمن بمبادئ حزب هو والديكتاتورية والعسكرية والشمولية طرفى نقيض وذلك هو  الاتحادى الديمقراطى ونحن ضد النظم العسكرية والشمولية حتى ولو جاءت مبرأة من كل سوء لأننا لا نؤمن بنظرية الدكتاتور العادل لأن فى فكرنا الديكتاتورية والعدل خطان متوازيان لا يلتقيان ومن يقول بغير ذلك ليس له هدف غير تحسين وجه الديكتاتورية والشمولية القبيحان وذر الرماد على العيون وخاصة عيون الجهلاء أو المتطلعين للسلطة عند الشمولية وهؤلاء صارت على عيونهم غشاوة السلطة وحب الذات الذى يعمى الأبصار والقلوب التى فى الصدور وما يريدون الا خلق الطواغيت. ولذلك اخى عبد القادر ولا أدرى ان كنت أكبر منى فأخاطبك بالوالد أو أصغر منى فأخاطبك بالأبن ولذلك أخترت الوسط وأنا من حزب الوسط والأمة الوسط فأسمح لى بالاستمرار فى مخاطبتك بالأخ وأقول أن اتهامك لى بانحيازى للأنقاذ تصبح عندى قمة التجنى الذى ليس بعده تجنى. والاسلام الذى تتحدث عنه بهذه اللهجة العدائية هو منهاج حياة كاملة واذا أخفق الانسان فى فهمه وفهم مقاصده ليجريه فى حياته فليس هذا لمنقصة فى الاسلام ولكن فى بنى البشر. والدين الاسلامى أخى عثمان عبد القادر اختصره الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم فى الدين المعاملة. والاسلام تربية وسموء أخلاق وقيم ونقاء وحب لأخيك ما تحبه لنفسك وأيضاً ويؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة وانما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق . ومع ذلك كتبت وقلت لأدعياء الاسلام وحملة الاسلام السياسى أننا لم نر دولة اسلامية منذ حكم سيدنا معاوية بن أبى سفيان  وجعلها ملكاً عضوضاً بالشوكة والغلبة وهو صحابى جليل ومن كتاب الوحى فكيف يمكن أن نراها منكم أنتم الآن؟ أرونا ما الذى يميزكم على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين عاصروا عهد بنى أمية والتابعين الذين هم أقرب عهداً بعصر النبوة، ما الذى يميزكم حتى تقيموا فينا دولة الخلافة الراشدة أو عهد سيدنا عمر بن الخطاب؟ وهذا هو الاسلام الذى أعرفه وكله اختيار وحرية ولم ينمو وينتشر الا بجادلهم بالتى هى أحسن فاذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم.

  

ولا أدرى لماذا يدافع الأخ عثمان عبد القادر عن الرئيس البشير والفريق عبد الرحيم محمد حسين بما لم يدافعوا به هم عن أنفسهم وهو يعلم أن الفريق عبد الرحيم قد ارتكب خطأ وأهدر أموال الشعب السودانى فى غير ما طائل، هذا اضافة الى أن القضية ما زالت أمام القضاء ولم تحسم بعد ولم نسمع بهذا فى آبائنا الأولين؟ فلماذا تعطى السيد رئيس الجمهورية بأن يأتى بعبد الرحيم محمد حسين ثانية فى التشكيل الحكومى الجديد وفى منصب أرفع من سابقه ؟ هل هذا اغاظة وكيأً فى الشعب السودانى؟ كيف يأتى به حتى ولو كان أخيه شقيقه أو هو الذى خطط ودبر كل انقلاب الانقاذ؟ وهل صحبة عبد الرحيم للبشير أكبر من صحبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لأبى هريرة والذى عزله أمير المؤمنين لشبهة الفساد بالمظهر العام من أين لك هذا يا ابا هريرة؟ ونزعه من أمارة البحرين. أو صحبته للصحابى عمرو بن العاص وجلده لأبن عمرو بن العاص عندما تعدى على ابن أحد الرعية المسكين وقال قولته المشهورة متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ فليجامل الرئيس البشير فى حقه وما يملكه ولكن لا يحق له ولا نرضى أن يجامل بحق وممتلكات الشعب السودانى التى من المفترض أن يكون أميناً عليها بحكم توليه حكم البلاد. والمثل يقول اذا صلح الراعى صلحت الرعية وعندها ينتفى الفساد وضياع الحقوق. وايضاً يقول الشاعر:

 

اذا كان رب البيت بالدف ضارباً        فشيمة أهل البيت كلهم الرقص والطرب

 

وأتمنى ألا يكون الرئيس البشير ضارباً على دف الفساد حتى تكون حياتنا كلها فساد فى فساد.

  

لا أدرى لماذا هذا الدفاع المستميت من الأخ عثمان عبد القادر عن الفريق عبد الرحيم محمد حسين برغم أن اسم عبد القادر لا ينم أو يوحى بأنه محسى او دنقلاوى وأن عبد الرحيم محمد حسين من عندهم، فقد عرف أهلى المحس بالانحياز والتحيز لبعضهم البعض وأنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً فيشاركونه الظلم بدلاً عن نصحه بالرجوع عن الظلم والدفاع عن ظلمه بكل ما أوتوا من قوة. ومعروف عن المحس تعصبهم لبعضهم البعض وهذه ليس منقصة اذا أخذت بحق.

  أتمنى أن يكون الأخ عثمان عبد القادر متابع لكتاباتى المختلفة وبعد ذلك فليحكم علينا من مجموع ما كتبنا لأننا لا نستطيع تناول كل القضايا ونقاشها فى مقال واحد وحتى فى الموضوع الواحد يتم التناول من عدة جوانب وزوايا. وأرجو من الأخ عبد القادر الا يكون قطعياً فى أحكامه على الآخرين من قبل أن يستوثق ويتملك كل الحقائق فليس هنالك ما هو قطعى الدلالة غير وجود الله سبحانه وتعالى. وللأخ عثمان عبد القادر العتبى حتى يرضى وليسامحنا ان كنا أتينا بما لا يرضاه.