جامعة الزعيم الأزهرى

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

قبل الولوج فى المقال دعنا نتساءل: هل هنالك أسلوب واحد لمناهضة أو تغيير النظم الشمولية عن سدة الحكم أم عدة أسليب؟ ما دعانا لطرح هذا السؤال والتطرق لهذا الموضوع هو تأثيره المباشر على وحدة الحركة الأتحادية فى حزبها الأتحادى الديمقراطى. أذ أن التعامل مع النظم العسكرية والشمولية يشكل بوتقة أو بؤرة خلاف كبرى بين الأتحاديين على المستوى الفردى أو على مستوى الفصائل والتيارات الأتحادية.

  

غالبية الأتحاديين ما زالوا يتمسكون بأن مناهضة النظم العسكرية والشمولية فى السودان لا يتم ال عن طريق الثورة الشعبية تحت قيادة الجبهة الوطنية التى تمثل فيها كل الأحزاب والقوى الديمقراطية بحسبان أن هذا أسلوب قد أتبعته قياداتهم من الرعيل الأول وكان حصيلته ثورتى أكتوبر وأبريل الشعبيتين. وحقيقة أن هذا اسلوب يناسب الأحزاب الجماهيرية الغير عقائدية اذا توفرت كل أسباب ومقومات العمل الجماهيرى وآلياته من مال ومنظمات مجتمع مدنى فاعلة ممثلة فى القوى الحديثة المنتجة من أتحادات ونقابات. وعندما تضعضعت تلك المقومات والأسباب فقد جرب الشهيد الشريف حسين الهندى زعيم الجبهة الوطنية وتحويل حزبى الأتحادى الديمقراطى والأمة من أحزاب جماهيرية الى أحزاب ثورية تحمل السلاح ضد النظام المايوى وتباغته فى عقر داره وتستبيح قوات الجبهة الوطنية العاصمة لمدة ثلاثة ايام كاشفة عن ضعف ووهن النظام المايوى وقتها. وكذلك فعل مولانا السيد محمد عثمان الميرغنى مع نظام الأنقاذ الحالى حمل السلاح عندما شعر بوهن القوى الجماهيرية وتشريد منظمات المجتمع المدنى الحديثة المنتجة وتشريد قياداتها، فهو لم يأت بمنكر سبقته عليه القيادات الأتحادية التى ما زال الأتحاديون يتغنون بها ويمجدونها لنفس الفعل. ولم يستطع الأسلوب العسكرى هذا فى كلا الحالتين أن يهزم نظاماً عسكرياً بقواته المسلحة. وهزيمتها بهذا الأسلوب يطعن فى مشروعية وجودها وكرامتها ولذلك لا بد أن تدافع عن وجودها وكرامتها بغض النظر عن رأيها فى الحاكم.

  

كذلك جرب الأسلوب العسكرى بالمواجهة المباشرة كل الحركات المسلحة ابتداءاً من أنيانيا 1 و2 ومروراً بالحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق وحركات دارفور المسلحة وكذلك حركات شرق السودان المسلحة، ولكن مع ذلك لم تستطع هذه الحركات اسقاط النظام المركزى فى الخرطوم برغم أنها ساعدت فى اضعافه. لقد استمرت حرب الجنوب أكثر من نصف قرن ولم تستطع الحركات المسلحة فى الجنوب من تحقيق نصر عسكرى على الحكومة المركزية فى الخرطوم يؤدى الى اسقاطها وزوالها بل لم تستطع اسقاط مدينة جوبا حاضرة الأقليم. ولكن مع ذلك فقد كانت القوة العسكرية للحركات المسلحة أداة قوة وتوازن فى الحوار مع السلطة المركزية للوصول الى حلول سياسية لأسباب الحرب.

  

اذا كان الأرتكاز على الثورة الشعبية والجماهيرية دون مقومات كما هو الحال الآن فى السودان لا يحقق تغيير النظام العسكرى الشمولى فى السودان وكذلك الكفاح المسلح لم يستطع اسقاط النظام، فهل من أسليب ومناهج أخرى لأسقاط وتغيير النظم الشمولية؟ هذا ما نود أن نتطرق له مستشهدين بتجارب كثيرة مماثلة فى دول العالم الثالث وحركات التحرر الوطنى فى منتصف القرن الماضى.

  

هنالك أسلوبين آخرين لمناهضة النظم الشمولية وتغييرها وهما الحوار والوصول الى قواسم مشتركة حتى ولو على الحد الأدنى. هذا يتطلب تنازل من المتحاورين عن بعض ثوابتهم ومواقفهم. والأسلوب الثانى هو أسلوب مشاركة النظام العسكرى الشمولى فى أجهزة الحكم لأضعافه أو تغييره. وكلا الأسلوبين يحتاجان الى استراتيجية واضحة ومقومات ومعطيات لابد من توفرها وأل سيكون الحوار أو المشاركة من مصلحة النظام الشمولى وتكون النتيجة الأحتواء والتذويب وتكون الأحندة الوطنية والأهداف الديمقراطية قد ضاعت سدىً. هذان الأسلوبان أو المنهجان يحتاجان الى قيادة ملهمة وكادر حزبى واعى ومدرك لأستراتيجيته ويتطلبان قدراً كبيراً من السرية والثقة والا لأنكشفت النوايا والأستراتيجية للطرف الآخر فيعمل على مقاومتها واجهاضها.

  

الحوار يتطلب أن تكون الجهة المحاورة للنظام الشمولى ذات قوة سواءاً أكانت قوة جماهيرية أو عسكرية حتى تحفظ التوازن فى الحوار\. والحوار اذا لم يكن بين جهتين متساويتين أو قريبتا التساوى فى القوة ، فانه لن يأتى باتفاق يكون محققاً لتطلعات الفريقين ودائماً ما يكون فى صالح الفريق صاحب القوة سواءاً أكانت قوة جماهيرية أو عسكرية أو مادية ويكون الجانب الضعيف هو الذى قدم التنازلات.

  

لقد أنتهج هذا الأسلوب، أسلوب الحوار، المهاتما غاندى وبه أستطاع تحقيق استغلال بلاده لأنه كانت وراءه قوة جماهيرية شعبية فاعلة متفهمة ومتفاعلة مع استراتيجيته. كما أنها أعطته ثقتها الكاملة ووثقت فى القيادة ثقة لا يأتها الشك من بين يديها أو خلفها. أيضاً بالحوار المدعوم بالقوة الجماهيرية والعسكرية استطاع الزعيم نلسون مانديلا أن يغير النظام العنصرى فى جنوب أفريقيا. وأيضاً بالقوة العسكرية المساندة للحوار استطاع المرحوم جون قرنق أن يحقق كل مطالب شعب الجنوب.

  

وفى الحركة الأتحادية ومع النظام العسكرى الشمولى الحاكم الآن فقد طرح العم المرحوم الشريف زين العابدين الهندى الحوار اسلوباً لتغيير النظام. والفكرة فى حد ذاتها ليست جديدة وقد جربت كما ذكرنا وأدت الى نجاحات باهرة ولكنها مربوط نجاحها بالقوة المصاحبة للحوار لخلق التوازن. وهذا هو ما جعلنا أو ما جعل شخصى الضعيف أن يختلف مع العم المرحوم الشريف زين العابدين الهندى. وقد كانت الفكرة رائعة ولكنها نفذت بآليات رديئة أو قل باستراتيجية لا تملك القوة  المصاحبة للحوار سواءاً أكانت جماهيرية أو مادية. وكان نتاج ذلك الحوار المبتور المنبت الذى لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى هو الأحتواء الكامل للطرف المحاور من الحزب الأتحادى الديمقراطى فى النظام الشمولى مهما حاولوا التبرير أو الأدعاء بأنهم قد قاموا بتغيير النظام وتحويله نحو النهج الديمقراطى وهو ادعاء لا تثبته قرائن الأحوال. وحتى التغيير الحادث فى هامش الحريات - وليس الحريات كلها لأن هنالك خطوط حمراء لهذا الهامش من الحريات- هو نتاج عوامل كثيرة وقد يكون لأتفاق نيفاشا بين الأنقاذ والحركة الشعبية القدح المعلى ومع ذلكفان أجندة الحركة الأتحادية ليست الحريات فقط وانما أطعام الناس من جوع وأمنهم من خوف وتعليم ابنائهم وصحتهم، اذ بدون توفر كل هذه المقومات الحياتية تصبح الحريات ترف ذهنى فى مخيلة النخبة المتعلمة. كان يمكن أن يكون حوار الشريف الهندى مع النظام الحاكم ذا مردود محسوس للمواطن السودانى لو أنه استطاع أن يستصحب معه جماهير وقيادات الحركة الأتحادية وتنظيمها وجعلها قوة دافعة يعمل لها حساب عند اجراء الحوار ولكنه ركن الى مراراته الشخصية وصراعاته مع الأتحاديين رفقاء شقيقه وأرتمى بكلياته مع النظام الحاكم وكان مصير أطروحات ومبادئ وبرامج الحركة الأتحادية هو مجموعة وظائف فى نظام الحكم لم تحدث أثراً حتى على مستوى مواقعها ناهيك عن السياسات الكلية للنظام ولم نسمع للحزب المشارك وجهة نظر واحدة مخالفة لأطروحات المؤتمر الوطنى الحزب الحاكم الفعلى والحقيقى.

  

وجاء حوار التجمع الوطنى الديمقراطى وهو كتنظيم معارض جامع وهو فى أضعف حالاته. أذ خرج منه حزب الأمة وأنتحت الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق بقوتها العسكرية جانباً وعقدت اتفاقاً مع النظام الحاكم. وصارت الحركة الشعبية تضغط على التجمع ليدخل فى حوار مع النظام دونما قوة تسنده. وأيضاً بدأت مصر تضغط على التجمع مراعاة لمصالحها قبل مراعاة مصالح الشعب السودانى وأيضاً بدأت أرتيريا تطلق التهديدات بطرد التجمع وبقية قواته من الأراضى الأرترية اذا لم يجلس التجمع للحوار مع النظام الحاكم أيضاً مراعاة لمصالحها حتى ولو كانت ضد تطلعات الشعب السودانى. وجد التجمع نفسه مجبراً لا بطلاً وعقد أتفاق القاهرة الذى هو فى بنوده يحقق كل ما تصبو اليه القوى الديمقراطية لتحقيقه ولكن لتنفيذه كان يحتاج الى قوة مصاحبة. وكان يمكن أن يحدث هذا لو استطاعت قيادات التجمع أن تشرك الجماهير الممثلة للتجمع فى هذا الأتفاق والتفافها حوله حتى تستطيع أن تكون قوة ضاغطة لضمان تنفيذه لأن هذا النظام لا يؤمن الا بمنطق القوة. وكان من شروط تنفيذ اتفاق القاهرة هو المشاركة مع النظام فى السلطة التنفيذية لتنفيذ ما أتفق عليه ولكن التمع صار رجل فى الطوف ورجل فى المركب. مرة يقول أنه مشارك ومرة أنه غير مشارك فى السلطة التنفيذية مما خلق حالة ونوع من السيولة فى مواقف التجمع ونظرة الجماهير العريضة لهذه المواقف. وحتى عندما شارك التجمع فى السلطة التنفيذية لم يدخلها باستراتيجية واضحة ومتفق عليها وليس هنالك تنسيق أو تبادل أو تشاور بين هذه القيادات المشاركة فى السلطة، هذا اضافة الى أنه لم يقم التجمع أو قل الحزب الأتحادى الديمقراطى خاصة بتقديم أصلب وأقوى العناصر للسلطة التنفيذية حتى يكون لهم أثر فى التعرض لمخططات المؤتمر الوطنى وكشفها للجماهير كما تفعل الحركة الشعبية الشريك الساسى فى السلطة. لقد جربت جبهة الميثاق الأسلامى من قبل المشاركة مع النظام المايوى ولكنها دخلت وشاركت باستراتيجية كانت نتيجتها تقوية مركزهم ونفوذهم واضعاف النظام المايوى والذى سقط بمجرد ما اختلف معهم وفقد دعمهم وسندهم. وجاءوا لحقبة الديمقراطية الثالثة وهم أكثر الأحزاب قوة وتنظيماً وفاعلية مما جعلهم أن يكونوا فى المرتبة الثالثة عندما جرت الأنتخابات البرلمانية.

  

عموماً لا يمكن الرجوع الى الوراء ولا بد للقيادات والفصائل الأتحادية أن تعتبر كل هذه المناهج مباحة لأحداث التغيير وأنها اجتهاد واذا لم ينجح لضعف الآليات فليس معنى ذلك هو الكفر والخروج عن مبادئ وثوابت الحركة الأتحادية. ولتكن نظرتنا للمستقبل فى كيفية توحيد الحركة الأتحادية فى حزبها الأتحادى الديمقراطى وجعلها قوة ضاربة وفاعلة تحت زعامة الحزب حتى نستطيع بقوتنا أن نفرض الأجندة الوطنية والديمقراطية فى الساحة السياسية خاصة وأن الفرصة قد صارت مواتية فى الأنتخابات القادمة لنبرهن أن الجماهير ما زالت تلتف حول الحزب. وبفاعليتنا وقوتنا يمكن أن نقيف ضد تزويرها. ونبرهن على أننا ما زلنا القوة الجماهيرية الفاعلة وذلك باكتساح الأنتخابات النيابية القادمة وتقديم البديل الذى يرتضيه شعبنا. هذا لن يحدث ونحن فى حالة تشرذم وانقسام وتخبط ومهاجمة بعضنا البعض كأننا أعداء وعدو الشعب السودانى يسرح ويمرح بضعفنا ويتفرج على أفعالنا وأعمالنا.

  ويبقى آخر المناهج لتغيير ومناهضة النظم الشمولية هو التوجه بالدعاء للجليل الرحيم أن يقوم نيابة عنا بما لم نستطع القيام به لضعفنا وهواننا على أنفسنا بتغيير النظام لنا ونحن رقود ولم نسعى ليرى الله سعينا. ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ونقول للسودان رب يحميه كما قال عبد المطلب جد الرسول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم للكعبة رب يحميها.