بقلم بروفيسور/ محمد زين العابدين عثمان – جامعة الزعيم الأزهرى

لعل المتتبع لمسيرة السيد الأمام الصادق المهدى السياسية منذ بزوغه السياسى بعد ثورة اكتوبر المجيدة ودخوله المعترك السياسى من اوسع ابوابه وهو فى ريعان شبابه بعد أن أخليت له دائرة الجبلين معقل اتباعه الأنصار وبعد ان بلغ الثلاثين من عمره وهى السن القانونية لدخول الجمعية التاسيسية كنائب برلمانى. يلاحظ انه فى كل مرة ياتى بالجديد والعجيب والغريب على القاموس السياسى السودانى وكذلك العجيب من الرؤى والأطروحات السياسية . والأدهى والأمر أنه لا يثبت على أطروحاته تلك وينتقل منها الى ما يناقضها ومع ذلك لا يقوم بتنفيذ أى منها سواءاً على المستوى الحزبى أو التنفيذى عندما أتحيت له الفرصة ليكون على قمة الجهاز التنفيذى للدولة السودانية رئيساً لمجلس الوزراء.
وأيضاً المتابع لهذه المسيرة والتى أمتدت على مدى ستة وأربعون عاماً يصاب بالحيرة من أمر الأمام الصادق المهدى ولا يدرى ولا يعرف أى طرح من اطروحاته هو ما زال متمسكاً به، أذ فى كل يوم يأتى بطرح جديد يكون مناقضاً أو مجباً لما قبله. وهو بكثرة حديثه وأطروحاته قد أدخل كثيراً من المصطلحات فى القاموس السياسى السودانى منذ منتصف الستينلت من القرن الماضى ابتداءاً بالسندكالية والراديكالية وهلم جرا الى ذهابه الى جيبوتى ليصطاد فأراً فأصطاد فيلاً ولم يرى الشعب السودانى هذا الفيل المصطاد حتى الآن ولا حتى الفأر المعنى فى بداية الذهاب الى جيبوتى وما زال راجعاً بخفى حنين كما يقول المثل. هذا غير كلمات تخرجون وتهتدون وترجعون وغيرها وسيراً وتجاوزاً للوفاق الوطنى الى التراضى الوطنى ولا أدرى ما هو الفرق بينهما!!!
السيد الصادق المهدى بدأ حياته السياسية فى حزب طائفته حزب الأمة كمجدد واصلاحى وضد الطائفية السياسية وداعياً الى فك الأرتباط بين الحزب والمرجعية الدينية المتمثلة فى أمام الأنصار وخاض فى ذلك معارك شرسة مع عمه الشهيد الأمام الهادى المهدى أدت الى أنقسام حزب المة الى جناحين، جناح الأمام الهادى المهدى وجناح الصادق المهدى، وجاء بعد ذلك بعد أكثر من اربعين عاماً ليجمع بين أمامة الأنصار وزعامة ورئاسة حزب الأمة ومحولاً حزب الأمة لحزب طائفى أشد طائفية مما كان عليه فى عهد عمه الأمام الشهيد الهادى المهدى. والأعجب والأمر أنه ما زال يدعو لفصل الدين عن السياسة وهو زعيم دينى على قمة تنظيم سياسى وكان الأولى أن يبدا بنفسه والا يجمع بين الأثنين ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ). يا هداك الله أيها الأمام نرجو أن تجعلنا نفهم وخاطبنا قدر عقولنا فقد تقاصر فهمنا وأدراكنا عن فهم مقاصدك وهذا ليس لعيب فيك ولكن لعيب فينا نحن رعاع الشعب السودانى وجمهرته أذ لم نطور عقولنا حتى نستطيع أن نفهمك.
لقد عرف عن الأمام الصادق المهدى أنه من أقوى الزعامات السياسية فى البلاد التى وقفت تنافح وتكافح وتناضل ضد النظم العسكرية والسلطوية التى حكمت البلاد ، ناقداً لها بالقول ومبيناً سلبياتها بالقول وداع الى أقتلاعها بالقول ولكن للأسف فى أى محك من محكات معارضة الشعب السودانى للنظم العسكرية سواءً فى العهد المايوى أو الأنقاذى هذا وعندما تصل حركة المعارضة الى نقطة مفصلية لسقاط النظام العسكرى يأتى الصادق المهدى كزعيم أكبر حزب سياسى سودانى معارض ويهد كل ذلك ويصل الى مصالحة او أتفاق مع النظام العسكرى ويحصد فى النهاية السراب ويعود بخفى حنين أو يقبض الريح. لقد حدث ذلك أبان معارضة نظام جعفر نميرى وبعد غزو الخرطوم فى يوليو 1976م وبدلاً من الأستمرار فى المقاومة توصل بمفرده من دون القوى المنضية فى الجبهة الوطنية الى ما يعرف بالمصالحة الوطنية  عام 1977م والتى تمت بينه وجعفر نميرى فى بورتسودان ومن بعدها التحق به حلفوؤه فى جبهة الميثاق السلامى وبقى الأتحادى الديمقراطى يقاتل لوحده بقيادة الشهيد الشريف حسين الهندى. ودخل من بعد ذلك السيد الصادق المهدى السودان وألتحق بالحزب الوحيد الأتحادى الأشتراكى وتقلت قياداته الوزارات أمثال دكتور عبد الحميد صالح ودكتور شريف التهامى وغيرهم. وبعد ذلك رجع معارضاً بتقية وخرج من الأتحاد الأشتراكى عندما وجد نفسه لا أكثر من ديكور وبذلك أطال فىت عمر نظام نميرى الذى كان آيلاً للسقوط ومرعوباً مما حدث له فى يوليو 1976م وبذلك مد فى عمر نظام نميرى ثمانية سنوات عجاف الى أن اقتعلته ثورة أبريل الشعبية عام 1985م.
نفس السناريو تكرر فى عهد نظام الأنقاذ العسكرى الديكتاتورى الشمولى هذا، أذ وقف معارضاً بشدة منذ أن سحبت منه الشرعية الأنتخابية التى كان يتمتع بها وهو رئيساً لمجلس الوزراء ابان الديمقراطية الثالثة . وعندما ضيق عليه خرج فى تهتدون او تخرجون وبصورة درامية تسلالاً لم يشهد لها مثيل الا خروج الشريف حسين الهندى بعد أنقلاب 25 مايو 1969م. ولقد تفاءلت قيادات وجماهير الشعب السودانى المعارضة بهذا الخروج لزعيم أكبر حزب سياسى سودانى معارض وذلك ظناً بأن يعطى السيد الصادق المهدى المعارضة فى الخارج زخخماً لما عرف عن الصادق المهدى من علاقات واسعة ووطيدة مع زعامات ورؤساء البلدان العربية والسلامية وكذلك الأوروبية. وبذلك سيدفع بالتجمع الوطنى الديمقراطى ممثل أجماع المعرضة السودانية الى آفاق أرحب ويزيده قوة على قوته ليعجل باسقاط النظام، ولكن للأسف أن الصادق المهدى قد حسب حسابات خاطئة وظن أن بعد خروجه وألتحاقه بالتجمع الوطنى الديمقراطى فان السيد محمد عثمان الميرغنى سيتنازل له من رئاسة التجمع الوطنى الديمقراطى بحسبان أنه كان رئيساً للحكومة قبل الأنقلاب وأنه رئيس حزب صاحب أكبر كتلة برلمانية فى الجمعية التأسيسية أبان الديمقراطية الثالثة وهذا حقه. وظن أن السيد محمد عثمان الميرغنى سيتنازل له كما تنازل له عن رئاسة الجبهة الوطنية  الشريف حسين الهندى عندما خرج وألتحق بالجبهة الوطنية. ونسى الصادق المهدى او تناسى أو لم يحسبها صاح من أن السيد محمد عثمان الميرغنى وطائفته تعتبر الغريم الأول لأمام الأنصار وطائفة الأنصار وحزب الأمة ولذلك كان احتمال تنازل السيد محمد عثمان للسيد الصادق المهدى عن رئاسة التجمع الوطنى الديمقراطى هو بعد المشرق عن المغرب. وعندما تاكد الاسيد الصادق المهدى أن السيد محمد عثمان الميرغنى لن يتنازل له عن رئاسة التجمع الوطنى الديمقراطى بأخوى وأخوك أبتدع بدعة المناداة بهيكلة التجمع الوطنى الديمقراطى والمناداة بعقد المؤتمر العام للتجمع الوطنى الديمقراطى واثقاً أنه بعقد المؤتمر العام سيفوز بالأنتخاب على السيد محمد عثمان الميرغنى ولكن السيد محمد عثمان استعمل دهاؤه وماطل فى عملية هيكلة التجمع ليدخل الصادق المهدى وهو يعلم أن الصادق المهدى لن يدخل الجهاز التنفيذى للتجمع وهو الرجل الثانى أما الول وأما على وعلى أعدائى وايضاً وقف ضد الدعوة لعقد مؤتمر عام للتجمع مجيراً معه الأحزاب الخرى وممثلى النقابات المنضوية تحت لواء التجمع الوطنى الديمقراطى. ولما يئس السيد الصادق المهدى من أمكانية اعتلاء رئاسة التجمع خرج للناس بلقائه مع المشير البشير فى جيبوتى ووصل معه لأتفاق الذى قال فيه أنه ذهب ليصطاد فاراً فاصطاد فيلاً ودخل السودان وحتى الآن لم يحصل لا على الفيل ولا على الفأر. ولذلك للمرة الثانية قد اضعف السيد الصادق المهدى قوى المعارضة السودانية لأسقاط النظام والتى كانت على وشك أن تشد الخناق على نظام الأنقاذ من كل الجوانب وحتى الآن لا ندرى لماذا فعل الأمام الصادق المهدى كل ذلك؟
ايضاً وأخيراً وخلال العام الماضى وقوى المعارضة فى أوجها بعد مؤتمر جوبا وقيام تجمع قوى الأجماع الوطنى المعارض الذى أعلن أنه يعمل على اسقاط نظام الأنقاذ بالثورة الشعبية خرج السيد الصادق المهدى على الجميع بأتفاق التراضى الوطنى الذى وقعه مع المؤتمر الوطنى الحزب الحاكم . وهذا الأتفاق حتى الآن لم تنفذ الأنقاذ منه بنداً واحداً. وأيضاً كان متذبذباً فى موقفه تجاه الأنتخابات العامة التى أجريت العام الماضى مما جعل الجميع يحتار ويتساءل ماذا يريد الصادق المهدى؟ ولماذا هو كل يوم يأتى باطروحة سياسية جديدة وهو يعلم أن كل ذلك لا يجدى فتيلاً مع نظام الأنقاذ؟ الى ماذا يريد أن يصل السيد الأمام؟ الأمام يطرح كل هذه الأطروحات التى يناقض بعضها البعض ويقول انه مع السودان واستقراره وسلامته وأمنه ووحدته ولا يريد له الصوملة باقتلاع النظام بالثورة الشعبية. كل هذه الأقوال تصب فى مصلحة نظام النقاذ واستمراريته وتبرز أن قوى المعارضة متنافرة وليست مجمعة على رأى واحد تجاه النقاذ وذلك يدخل اليأس فى جماهير الثورة والشباب أذ البديل المرتجى من المعارضة واهى وضعيف، ولكن ليعلم الجميع أن الشباب السودانى قد تملك أرادته ولا يرتجى شئياً من القيادات القديمة التى عفا عليها الدهر والتى هى اكثر خنوعاً حتى يعتمد عليها. أن مثل مواقفلا الصادق المهدى هذه تطيل بقاء الأنقاذ ولا ندرى لماذا؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟
الآن كل الأنظمة العربية فى المنطقة والمحيطة بالسودان بها ثورات شعبية عارمة لأسقاطها سواء التى تم اسقاطها فى تونس ومصر أو التى تغلى الآن فى ليبيا واليمن والبحرين والأردن والبقية تأتى وليس السودان بمعزل او محصن من الثورة فهذه أدعاءات كانت تقولها حكومة مصر بعد أنتصار الثورة التونسية وتقولها الآن ليبيا واليمن بعد انتصار الثورة المصرية. وشباب السودان كشباب تلك الشعوب ينظم فى نفسه لأشعال الثورة السودانية التى تقتلع نظام الأنقاذ من جذوره وهو شباب واعى ومدرك وفىى قمة قيادته ابنة الصادق مريم الصادق المهدى المناضلة المجاهدة التى لا تعرف موازنات مع نظام النقاذ برغم مواقف والدها. وكلام السيد الصادق المهدى أن أى ثورة شعبية عارمة ضد نظام الأنقاذ ستؤدى الى صوملة السودان ، فأن مثل هذا الكلام غير مقبول لشباب الثورة السودانية وهو قول مثبط ويصب فى مصلحة النقاذ خاصة عندما تكون مثل هذه القوال من زعيم فى قامة الصادق المهدى الذى ما زال يتحدث عن شرعيته النتخابية فتخليه عن ذلك يعنى تخليه عن الديمقراطية كنظام حكم للسودان وتكون المصيبة أكبر لو أن ما سمعناه عن رسالة منه معضداً لنظام القذافى فى ليبيا. واذا صدقت هذه الأشاعة فيكون أن فكر الصادق المهدى قد تحول من الديمقراطية والحرية الى الديكتاتورية والشمولية واللهم لا نسالك رد القضاء ولكن اللطف فيه. وحقيقة الأمر فان صوملة السودان تكمن فى استمرار نظام الأنقاذ الذى فرط فى جنوب الوطن وسيفرط فى غربه وشرقه ووسطه والأمر الصوملى زاحف على جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان ودارفور فماذا تبقى من الصوملة سيدى الأمام الصادق المهدى؟ أنى اعتقد أن من الأولى للسيد الصادق أن يعتزل العمل السياسى ويتفرغ للأنصار اماماً ومرشداً دينياً فمريم مع الآخريم من قيادات حزبك وكوادرهم وشبابهم والذين نعرفهم حق المعرفة قادرين على ان يجعلوا مواقف حزب المة مواقفاً تليق بالشعب السودانى وقيادته لأقتلاع هذا النظام الجاثم على صدر شعبنا واحد وعشرين عاماص سقاماً. أن حزب الأمة اذا أبتعدت عن قيادته لقادر على أن يكون فى قمة قيادة الثورة السودانية القادمة بعيداً عن موازناتك وتخوفاتك المبنيه على أوهام وخيالات وليست مؤسسة تاسيساً علمياً يعتمد عليه أو يعتد به وأنت خريج أكفورد المفترض فيك أن تكون أكثر علمية وأكثر تدقيقاً.
يجب على الأمام الصادق المهدى أن يستدرك ويعلم ان السودان القادم ليس فيه مجال لكل الوجوه السياسية القديمة التى ادت لهذا الفشل المتراكم فى حياتنا السياسية والوطنية وهم مشكورين على كل ما ادوه أكان سلباً أم أيجاباً فهو عمل المجتهد الذى لا بد أن يطئ ويصيب ولكنهم لم ينقذوا شعب السودان ولم يرتقوا به. ونقول ان السودان القادم ليس فيه مجال لمسلسل توم وجيرى المسلسل الكرتونى الشهير بين القط والفار والمعنى فى ذلك يخص زعيم حزب المة وزعيم الأتحادى الديمقراطى ويخص حزب المة والأتحادى عامة ويخص طائفة الأنصار وطائفة الختمية فالتنافس بينهما والصراع بينهما قد أضر بشعب السودان ضرراً بليغاً والأولى ابعادهم من الحياة السياسية جملة وتفصيلاً. لا نريد أن نعود لمعارضة كوكادام لأن الذى أتى بها الصادق المهدى أو حزب الأمة أو معارضة اتفاقية 16 نوفمبر 1988م لأن الذى أتى بها السيد محمد عثمان الميرغنى أو الحزب الأتحادى دون الأعتبار لمصلحة الوطن. فالعداء التاريخى المستحكم بين هاتين الطائفتين لن يترك مجالاً لأن ينصلح أمر السودان فالأولى على النخبة السودانية المثقفة العمل على تجاوزهم اليوم قبل غد. وهذ ما سيحدث باذن الله فى حالة انتصار ثورة الشباب السودانى القادمة. ان السودان ليس ملكاً لهاتين الطائفتين ولن يرهن مصيره بمصيرهما أو بصراعهما. وليعلم الجميع أن مستوى التعليم والستنارة قد ازداد وهذه الروابط التقليدية الى تلاشى داخل مكونات الشعب السودانى وحتى القبلية البغيضة التى ذكاها نظام الأنقاذ ستزول بزوال نظام النقاذ.
ونختم ونقول أن محاولات الحوار والغزل مع نظام النقاذ واللهث وراء المشاركة فى الحكومة العريضة بعد يوم 9 يوليو 2011م تاريخ انقضاء الفترة النتقالية واعلان حكومة الجنوب سيؤدى باذن الله الى نهاية المحاورين واللاهثين وستقضى الثورة القادمة على الجميع. ان الشباب الذى فقد أى سانحة او فرصة ليعيش عيشة كريمة فى وطنه لا يعرف اللون الرمادى ويعرف اين كانت مكامن اذيته سواء فى الأنقاذ او المعارضة البالية ولذلك هذا شباب يرى أن باطن الأرض خير من ظاهرها أذا استمر هذا النظام ولذلك شعارهم الآن مليون شهيد لعهد جديد . وهو عهد جديد ينبثق فيه فجر الديمقراطية الحقة  والحكم العادل الرشيد وامام ناظرهم تجارب الثورات التى نجحت فى العالم العربى وأمامهم ايضاً تجربة ثورتين شعبيتين فىالسودان. وهم أيضاً تيقنوا أن ليس هنالك أى ترسانة اسلحة أو ترسانة أمن او مرتزقة أو غيرها  ستخيفهم أو تقف فى طريقهم وأما ثورة شعبهم التى سيقودونها هم بأياديهم الفتية ويحددون مسارهاه ولن يتركوها لتجهض كما أجهضت من قبل ثورة رجب/ أبريل المجيدة التى تم أعتلاءها بوزير دفاع نميرى كما اعتلى طنطاوى ثورة 25 يناير المصرية حائلين بين الثورة وكنس آثار النظم البالية.
 
 Mohamed Osman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]