بسم الله الرحمن الرحيم

 

بقلم يروفيسور/ محمد زين العابدين – جامعة الزعيم الأزهرى

  برغم أن الأنقاذ منذ مجيئها وبخدعة أذهب أنت للقصر وأذهب أنا حبيساً، قد أسامت هذا الشعب الأبى الكريم صنوفاً من العذاب وزادت الفقراء رهقاً على رهقهم وتضاعف الفساد عبر مسيرتها عشرات المرات على ما كان عليه حتى صار يزكم الأنوف فى الهواء الطلق فى شوارع الخرطوم ومدنه المختلفة. وهى أيضاً فى مسيرتها قد طبقت شرع الله بتعسف وتأويل لمحكم التنزيل وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل أرهاب الناس لتأمين سلطة المال والجاه والتمكين السلطوى أكثر مما رمى له الأسلام من أقامة العدل. وبدأت بأعدام ضباط حركة رمضان 1990م الثمانية وعشرين دون مراعاة للشهر الحرام أو عهود تسليم الضباط أنفسهم ومروراً بأعدام أصحاب الأتجار فى العملة والدولار حتى وصل الأمر قتل طلاب الخدمة الألزامية غرقاً بمعسكر العيلفون. لقد تحمل الشعب السودانى كل عسف الأنقاذ وجورها وظلمها لأن هذا شأناً داخلياً ومعركة ممتدة بالداخل بين حملة لواء الحريات والديمقراطية وبين شمولية البنادق والعسكر والعقائدية المنغلقة. وصبر الشعب السودانى وهو يرى أبناءه يساقون قسراً لأتون الحرب فى جنوب وطننا الحبيب ويموتون دون ذنب جنوه ويسمونهم شهداء دون أن يسعوا لها بمحض ارادتهم وأوهموا أهليهم بعرس الشهيد فى أيام الحزن على الفقيد وجاءوا بعدها على لسان كبيرهم فأنكروا هذه الشهادة ونفوا وجود الحور العين من أصله. ومنعوا الوالدين والأهل من الحزن على أبنائهم فلذات أكبادهم. ومن عاش من هؤلاء الأبناء فقد تقطعت أوصالهم وصاروا يعيشون عالة على ذويهم بعد أن تخلت عنهم عنجهية وهوجة الجهاد الحمقاء وهو جهاد أبعد ما يمكن أن يوصف به بأنه جهاد أسلامى لأنه بين أبناء الوطن الواحد الذين لم يعادونا فى الدين وما رفعوا السلاح الا بعد أن رفضت مطالبهم بالسلم فى الوطن الواحد. ساقوا شباب الى محرقة الحرب بالجنوب قتلوا منهم من قتلوا وجعلوا آخرين معاقين فى حين كان المرتجى أن يكونوا عوناً لذويهم فى مشاق الحياة. وللأسف نفس هؤلاء الذين كنا نحاربهم بأسم الدين وغسيل أدمغة الشباب هم الذين نصفهم الآن بأيطال السلام وبأنهم الأكثر وطنية والأكثر صدقاً كما قال عنهم نائب رئيس الجمهورية الأستاذ على عثمان محمد طه بعد أن حاورهم وأتفق معهم وهم الآن الدعائم والركن القوى مع المؤتمر الوطنى فى حكومة الوحدة الوطنية. لقد تحمل الشعب السودانى كل ذلك لأنه شأن داخلى ويعلم الشعب السودانى أنه قادر على أن ينتزع حريته وكرامته من كل ظالم متكبر جبار مهما طال الزمن. ولكن منذ أن حدثت المفاصلة بين الأسلاميين وانقسموا لمؤتمر وطنى وآخر شعبى بدأ الصراع المحموم بين رفقاء الأمس فى هذين التيارين حول السلطة والجاه والمال يعمل كل تيار للثأر من الآخر وتدميره دونما مراعاة لسلامة الوطن. وأندلعت حرب دارفور بقيادة الحركات المسلحة  نتيجة لهذا الصراع برغم أن مطالب شعب دارفور قديمة قدم استقلال السودان. وكانت حركة العدل والمساواة بقيادة دكتور خليل ابراهيم تحمل شعار قضايا دارفور ظاهرياً و باطناً تقود الصراع المحموم بين الأسلاميين أو قل بين المؤتمرين وما الكتاب الأسود منا ببعيد وما تفضيل على عثمان محمد طه ليكون بدلاً عن الدكتور على الحاج المجمع عليه من تنظيم الجبهة القومية الأسلامية أيضاً ببعيد يضيف الى تراكمات أسباب الصراع. وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محم نور برغم حملها لنفس الشعارات ولكنها لا تقاتل من أجل أجندة خفية ولم تسغى لتدويل قضية دارفور كما فعلت حركة العدل والمساواة وأباعها المنتشرين فى أوروبا الغربية وأمريكا. ووصلت حمى الصراع لتقوم حركة العدل والمساواة بغزو العاصمة القومية للستيلاء على السلطة ولا ندرى كم حمامات دماء كانت ستكون لو نجحت الحركة فى مسعاها. ان سلطة الأنقاذ الحالية هى هجين من المنتمين للمؤتمر الوطنى والمنتمين للمؤتمر الشعبى سراً أو قل الذين قلبهم مع الشعبى وسيفهم مع الوطنى وهؤلاء هم الذين لهم القدح المعلى فى كل أتهامات محكمة الجنايات الدولية. وهم الذين يمدون منظمات حقوق الأنسان الدولية والناشطين فى حقوق الأنسان والمدعى العام لهذه المحكمة بكل الوثائق والمستندات والصور ويتصنتون على السيد رئيس الجمهورية حتى فى مكتبه وداخل صالون منزله وينقلون كل حديث وحركة له بالصوت والصورة عن طريق استعمال كاميرا الموبايلات وألا كيف يعقل كما تقول الأشاعات الدائرة أن يصل حديثاً دار فى الجدران المغلقة أو تسربت مستندات جمهورية سرية جداً لتصل الى المدعى العام ان لم تكن بواسطة العاملين واللصيقين برئاسة الجمهورية ليستعملها أوكامبو فى توجيه الأتهامات لرئيس الجمهورية وبثقة متناهية أمام قضاة محكمة الجنايات الدولية. لقد صارت الموبايلات التى يحملها هؤلاء وهم مع القيادات العليا للدولة ينقلون بها كل ما يدور باصوت والصورة والسيد رئيس الجمهورية يعتقد فى قرارة نفسه أنه يحكم بحزب كامل الولاء له والحقيقة غير ذلك وأن كل ما أتى الرئيس ويأتى للسودان من مصائب كله من تحت رؤوس الأسلاميين الذين معه والذين هم من خارجه. ان كثير من المعارضين الوطنيين منذ انقلاب الأنقاذ لم يبيعوا وطنهم ولم يفرطوا فى سمعة السودان وقد كانت الصورة واضحة لهم بين معارضة السلطة الحاكمة وبين معارضة السودان الوطن. ومع موقف المعارضين الوطنيين هذا فقد كانت الأنقاذ تصفهم بألعن الصفات وها هى تربى بنيها الذين رضعوا من ثديها  كيف يبيعونها ويبيعون السودان الوطن من أجل صراع سلطوى قبيح ليس للمواطن السودان فيه ناقة أو جمل، بل لقد صار الشعب السودانى مغلوباً على أمره وهو يرى وطنه يتحطم تحت سنابك الأسلاميين. ان هذه القلة التى أمتلكت المال والسلاح وأمنت نفسها يوم الكريهة ستهرب وتترك هذا الشعب تاسودانى تحت أتون الأحتلال والغصب والأجبار كما هو حادث فى العراق أو كما هو حادث فى الصومال وبذلك يكونوا لم يراعو الاً ولا ذمة فى بنى وطنهم. لقد آن الأوان أن يستدرك السيد رئيس الجمهورية عمر حسن أحمد البشير القائد الأعلى لقوات شعبنا المسلحة درع السودان الواقى ورمز وحدته ومحققة أمنه أن الوطن لن يحكم أو يقاد الا بكل بنى الوطن ولا يمكن لأى فئة حزبية مهما أدعت منالقوة والتنظيم والذكاء والفكر والعقل أن تحقق طموحات الشعب السودانى الا برضى أهله وخيارهم الديمقراطى. وعلى السيد الرئيس أن يجعل من قرار محكمة الجنايات الدولية بتوقيفه نقطة تحول وتفكير وتدبر فى أمر وطنه وما عليه الا أن يخرج من هذا اللباس والدثار الحزبى الضيق وأن يكون لا حزبياً وسودانياً وطنياً وقومياً كل أحزاب السودان وفيئاته تتساوى عنده وأن يقوم بالدعوة لتكوين حكومة قومية شاملة لتواجه الأمر بعد مذكرة التوقيف وتقوم بخطوات جادة لمعاجة مشكلة دارفور وأن تشرف على أنتخابات عامة حرة ونزيهة. الحكومة القومية وخروجه من الدثار الحزبى سيجعل الشعب يلتف حوله لقيمته ورمزيته وحبهم له لا التفاف حولهبالأعراء أو خوفاً على وطنهم فقط لا حباً فيه. ووقتها لا المجتمع الدولى ولا أمريكا ولا الدول الغربية قادرة على أن تمس شعرة منه. واذا التف الشعب بكل قواه السياسية حوله من أجل الوطن كما يفعلون الآن لا من أجل أنه واحد منهم ، فانهم متى ما ضمنوا سلامة الوطن فلن يعنيهم البشير أسجن ام قتل أو أنتزع بالقوة منهم. وأخاف أن حدث ذلك أن يستقبلوا الغزو الخارجى بالزغاريد كما استقبلوا كتشنر من قبل بالزغاريد وما أشبه حكم الأنقاذ بحقبة الخلية غبد الله التعايشى فقد أذاقهم صنوف العذاب. أتمنى أن ينتهز السيد رئيس الجمهورية هذه الفرصة الا وهى فرصة الأجماع الوطنى بعد قرار محكمة الجنايات الدولية ويحتكم لأهل الحل والعقد فى الشعب السودانى عبر أحزابه وشيوخ قبائله وطرقه الصوفية ومنظمات مجتمعه المدنى والأهلى وجمعهم فى بوتقة واحدة دون أن يكون هنالك أنحياز أو املاء من المؤتمر الوطنى يتساوى وضعه مع وضع الجميع. كما أن هنالك سانحة كبرى يمكن أن تحقق وحدة الوطن وتجنبه الويلات وتعبر به الى حكم راشد ورشيد وتلكم هى مبادرة مولانا السيد محمد عثمان الميرغنى والتى فرص نجاحها أكثر من أى مبادرة اخرى وأكثر من أى مؤتمر يتم فى الخرطوم يسمى بمبادرة أهل السودان اذ هى من صنيع المؤتمر الوطنى. وسبب تفاؤلنا بنجاح مبادرة مولانا الميرعنى للوفاق الوطنى هو أولاً رمزية السيد محمد عثمان الميرغنى ومكانته بين قطاع كبير من قطاعات الشعب السودانى وما يمثله حزبه من ثقل أضافة الى البعد الأقليمى والدولى الذى يتمتع به عند الدول المحيطة بالسودان وفى المجتمع العربى وخاصة مصر والسعودية والأمارات وقطر. واذا أضفنا الىذلك مكانة وعلاقة مولانا السيد محمد عثمان الميرغنى بالحركات الدارفورية المسلحة. فحركة تحرير السودان غضو معه فى التجمع الوطنى الديمقراطى وأحمد ابراهيم دريج وحزبه ايضاً أعضاء فى التجمع هذا غير العلاقة المتميزة بين الرجلين. وأيضاً حركة العدل والمساواة ورئيسها وكثير من قياداتها يكنون تقديراً واحتراماً للسيد الميرغنى وبذلك سيكونون أكثر استجابة وثقة لكل مبادرة تبدر منه وقد كانوا أكثر تأييداص وحماساُ للمبادرة من كثير من الأحزاب السودانية بالداخل. وأيضاً السيد الميرغنى قادر على توفير مكان آمن ومحايد لعقد مؤتمر جامع خارج السودان وتوفير الدولة المضيفة ورعاية هذا اللقاء وتمويله. ان أى حديث عن حل مشكلة دارفور وبناء السلام والأستقرار والتحول الديمقراطى وتبادل السلطة باجراء انتخابات عامة بالبلاد لا يستصحب الحزب الأتحادى الديمقراطى وزعيمه مولانا السيد محمد عثمان الميرغنى يكون حرثاً فى البحر. بل أن أى مستقبل للسودان لا يكون فيه للحزب الأتحادى الديمقراطى وزعيمه القدح المعلى فلن يكتب له النجاح مهما وقعت من أتفاقيات للتراضى وعيرها لأن الحزب الأتحادى الديمقراطى هو حزب الوسط الذى يشكل قسمات الغابية الغالبة من جماهير الشعب السودانى والذى تمتاز جماهيره بدرجة عالية من الوعى الوطنى والسياسى أكثر من جماهير الأحزاب الأخرى. كما أنه الحزب الوحيد الذى لا يميل الى العنف ودائماً يبحث عن التراضى والتسامح والذى أهم مكوناته عشقه للحرية والديمقراطية ورفضه للديكتاتورية حتى لو جاءت مبرأة من كل سوء لأن الديكتاتورية والتسلط لا يلتقيان مع اقامة ميزان العدل وليس هنالك حاكم أو امام أو خليفة ديكتاتور وعادل فى نفس الوقت مهما أنشأ من مستلزمات التنمية المادية فهو فى النهاية يحطم القوى المعنوية فى بنى شعبه عندما يجعل منهم قطيع يأكل ويشبع فى ترفه. هذا المقال أوقفت الرقابة الأمنية الصحفية نشره بالصحف السودانية رأينا أن ننشره فى الشبكة العنكبوتية وستلحق به كل المقالات التى أوقف نشرها لشخصنا.