شهد مقر الامم المتحدة في نيويورك في التاسع عشر من سبتمبر/ايلول 2016 حدثا هاما بانعقاد مؤتمر قمة دولي لمناقشة وتحديد مسار التعامل الدولي مع أخطر قضايا هذا العصر ، وهي قضية اللاجئين والنازحين والمهاجرين الذين سجلوا أرقاما قياسية لم يسبق لها مثيل منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وقد صدر عن هذه القمة ، إعلان نيويورك ، والذي أكدت المنظمة الدولية فيه إلتزام أعضائها بمواجهة التحديات الراهنة في مجالي الهجرة واللجوء وإعمال الإرادة السياسية لإنقاذ حياة اللاجئين والمهاجرين وحماية حقوقهم وتقاسم المسئولية والأعباء في رعايتهم على المستوى الدولي.
كما أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما ومعه رؤساء وفود كندا واثيوبيا والمانيا والاردن والمكسيك والسويد اشتركوا في استضافة قمة في اليوم التالي ( 20 سبتمبر/ايلول ) مخصصة للاجئين بالتحديد ، بغرض حشد وتصعيد الدعم الدولي للجهود الانسانية الرامية الى تخفيف معاناتهم. وهنا نطرح السؤال المهم : لماذا هذه القمة وفي هذا الوقت بالذات؟
والاجابة على هذا التساؤل تستدعي أن نذكر عددا من الأسباب ، واهمها:
أولا : أن تحركات اللاجئين والمهاجرين والنازحين في عام 2015 وصلت الى أرقام ضخمة بكل المقاييس ، حيث بلغ عدد المهاجرين والنازحين واللاجئين قسرا على مستوى العالم أكثر من 60 مليون شخصا . وبالطبع فقد شكلت هذه التحركات الهائلة هزات عميقة سواء في البلدان مصدر هذه الجموع أو في البلدان التي عبر اليها العديد منهم طلبا للحماية أو طلبا لأوضاع معيشية أفضل . وقد حفزت هذه الزعزعة البشرية المجتمع الدولي للحوار من أجل مواجهة تداعيات ومضاعفات هذه التحركات البشرية.
ثانيا: كشفت هذه التحركات فداحة التبعات السياسية والإقتصادية والأمنية والإجتماعية التي ناء بها كاهل الدول التي يقصدها المتحركون من أوطانهم ، خاصة أولئك الذين أجبرتهم الحروب والصراعات المسلحة للنزوح داخل أوطانهم أو اللجوء خارجها عابرين الحدود لدول أخرى. ويمكن القول هنا بأن المجتمع الدولي قد أدرك بصورة واضحة من هذه التحركات ضرورة الربط بين العمل الإنساني (تقديم المساعدات وتوفير الحماية) والعمل السياسي ( السعي لمعالجة الأسباب السياسية للصراعات التي أدت للنزوح واللجوء). وبعبارة أخرى السعي للتعامل مع أسباب الظاهرة وليس الوقوف عند التعامل مع أعراض الظاهرة.
ثالثا: إتسمت التحركات الأكثر مأساوية في عام 2015 بأن أصبحت تحركات دراماتيكة وعابرة للقارات. ولم تعد تحركات عبر الحدود من بلد الصراعات الى الدولة المجاورة مباشرة .وخير دليل على ذلك التحرك المكثف لأكثر من مليون شخص من سوريا وغيرها الى أوروبا عبر المضايق التركية أو عبر البحر المتوسط . وصاحب تلك التحركات تغطية غير مسبوقة من وسائل الإعلام ووسائط التواصل الإجتماعي ، وهي ترصد المـآسي المفزعة لمئات الآلاف سيرا على الأقدام أو عبورا بقوارب متهالكة أو موتا لآلاف غرقوا في مياه البحر . وظل العالم يتابع هذه التحركات المذهلة على شاشات التلفزيون ، وهو عالم لم يكن بالطبع يتوقع تلك المشاهد ، لما فيها من خروج عن المألوف لديه في تحركات اللاجئين! ووجد الأوروبيون أنفسهم في موقف يفرض عليهم التعامل مع هذه الأعداد الهائلة ، ولم يعد الأمر كما كان عليه الحال فيما مضى عندما كانوا يقدمون مساعدات إنسانية في بلدان اللجوء المجاورة للبلدان التي يخرج منها اللاجئون والمهاجرون.
رابعا: أدت موجات المتحركين في عام 2015 إلى خلق إشكاليات عملية في التعامل مع المهاجرين واللاجئين ، لأن حجم التحركات وكثافتها والطرق التي سلكتها ، زعزعت التمييز الفقهي في القانون الدولي بين الفئتين. وذلك لاختلاط حشود المهاجرين (لأسباب قد لا تتعلق بالحماية والخطر الداهم في بعض الحالات) باللاجئين (الذين يستحيل عليهم الإستمرار في مواقع سكناهم ومعيشتهم ويشكل الخطر على حياتهم مانعا لهم من العودة في ظل الظروف القائمة). وهكذا فان المحصلة العملية كانت أمرا واقعا لا بد من التعامل معه بصورة إنسانية ، حتى وإن تمنعت بعض الدول عن القيام بذلك الواجب. هذا برغم أن الغالبية العظمى من اللاجئين ظلوا في البلدان المجاورة لبلدانهم مثلما هو الحال في الأردن ولبنان وتركيا ومصر ، وتظل هذه الدول ، رغم مواردها المحدودة ، تتحمل العبء الأكبر .
خامسا: تصاعد الحديث مع تحركات هذه المجموعات من اللاجئين عن مخاوف أوروبية لتسلل عناصر متطرفة وتنتمي الى أفكار أو تنظيمات داعش ، مما يشكل خطرا على المجتمعات الأوروبية . وقد أدى هذا العنصر الأمني الحساس إلي التفاعل على مستوى الأمم المتحدة من أجل عدم الخلط بين اللاجئين وأصحاب الأغراض الهدامة . وقد حرص المتحدثون امام القمة على تاكيد هذا المفهوم وذلك بالنظر الى ما يترتب عليه من نتائج سياسية على المستوى الدولي في محاربة ظاهرة الإرهاب بصورة فعالة وتضامنية. هذا علاوة على تعميق النقاش القديم وتعزيزه حول مدى امكانية التفاعل الثقافي الايجابي بين القادمين من الشرق الاوسط وافريقيا وآسيا وبين سكان اوروبا ، واثارة تساؤلات كثيرة حول مسألة اندماج القادمين الجدد ثقافيا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. وهكذا فان المجتمع الدولي لا يواجه مسألة عابرة تتعلق بتدفقات بشرية آنية ولكنه يواجه تحديا كبيرا سيؤثر على كل الأطراف على المدى الطويل .
سادسا: أثارت هذه الأحداث تساؤلات مشروعة عن قضيتين هامتين . إحداهما تتعلق بالخلل الذي تعاني منه المنظومة الدولية في التعامل السياسي مع الكثير من الصراعات وهو أمر يفرض الوعي المبكر بأبعادها والحلول الناجعة لها. أما القضية الثانية فهي تتعلق بما أثاره الكثيرون عما يمكن أن تحمله الهجرة من جوانب إيجابية ، في حالة تنظيمها دوليا، بعيدا عن سلبيات الزينوفوبيا وغيرها من المعوقات. وهذا يقتضي بالطبع ان تتوصل الأطراف الدولية لبرنامج عمل واقعي للتعامل مع هذا الملف.
تلك أهم بواعث الإهتمانم الدولي بموجات التحركات البشرية في هذا
العقد من الزمان . ويظل السؤال قائما عن الخطوات التي سيتبعها المجتمع الدولي لإنزال معالجاته للظاهرة الى أرض الواقع. والمهم في كل ذلك أن نفهم تعقيدات ومسببات التحركات الدراماتيكية هذه ، وتبني المنهج المتكامل للتعامل معها بتوفير حزمة من الحلول والبرامج السياسية والانسانية وتنظيم الهجرة ودعم جهود التنمية في بلدان المنشأ للاجئين والمهاجرين. وأذكر أنني كتبت مقالا في أبريل / نيسان من العام الماضي دعوت فيه لعقد قمة دولية لهذا الغرض ، وأنا أعتقد أن انعقاد القمة يشكل خطوة الى الأمام . ولكن تبقى العبرة بالنتائج العملية في مرحلة ما بعد القمة. ولنفهم جميعا ودون لبس أن الهجرة واللجوء ظواهر بشرية وقديمة ولكنها تأخذ أشكالا مختلفة باختلاف الظروف والعصور ،ويجب أن نتعامل معها بهذا المفهوم.

*نقلا عن الراية القطرية


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.