يمر السودان الآن بلحظات حرجه فى تاريخه المعاصر ، ولعلها من أخطر الإمتحانات التى يتعرض لها كيان السودان السياسى والذى عرفناه منذ إعلان الإستقلال  فى مطلع  يناير من العام 1956. وخطورة الأحداث التى تجرى فى السودان الآن ، تأتى من كون إحتمال إنشطار السودان إلى دولتين فى عام 2011  لم يعد تنظيرا أو إحتمالا بعيدآ ...وإنما أصبح أمرآ يرجحه كثير من المراقبين والسياسيين فى السودان وخارجه. وبرغم ذهنية الرفض التى تسيطر على جيلنا من السودانيين الذين لم يروا غير سودان واحد من وادى حلفا فى الشمال إلى نيمولى فى الجنوب، فإن ديناميكية الحراك السياسى فى السودان الآن تطرح حقائقا وشواهدا براجماتيه قد تؤدى إلى تغيير حقائق الجغرافيا والسياسه التى عشناها كمسلمات جيوبوليتيكيه طوال القرن العشرين! وحسب الترتيبات الوارده فى إتفاقية السلام الشامل التى أنهت الحرب فى جنوب السودان ، سيجرى  إستفتاء فى مطلع عام 2011 يقول الجنوبيون فيه كلمتهم إن كانوا يريدون البقاء ضمن سودان واحد أم يريدون الإنفصال وإعلان دولتهم المستقله؟ والإستفتاء قادم ولا مناص منه بحسب إلتزام الشريكين فى الحكم – المؤتمر الوطنى والحركه الشعبيه - اللذان وقعا إتفاقية السلام الشامل فى يناير من عام 2005 بضمانات أمريكية وأوروبية وإفريقيه .

إن فحوى ما نريد تبيانه فى هذا المقال أن الواقع السياسى فى السودان الآن لم يعد هو ذلك الواقع الذى كان يتحدث بكثير من التفاؤل عن ما عرف وقتها بالوحدة الجاذبه كهدف يعمل من أجله الجميع عند بلوغ ساعة الإستفتاء...وبمرور الوقت وتلاحق الأحداث صرنا نسمع الحديث عن قبول الإنفصال كإحتمال وارد ... بل يتحدث البعض فى الجنوب بأنه إحتمال غالب ووشيك. كما أن الرأى العام فى السودان الآن يظل متوجسآ من هذا الطرح ويعلم الجميع أن ما جرى خلال الفترة القصيرة الماضيه لم يكن كافيآ لتجسيد حقائق على أرض الواقع تصون شعار الوحدة الجاذبه الذى طرحه شريكا الإتفاقيه بقوة وإخلاص عند توقيعها فى مطلع عام 2005. ومن الملاحظ أن العديد من المنشغلين بالشأن السودانى يعتقدون الآن بأن فترة السنوات الست بين توقيع الإتفاقيه فى عام 2005 وإجراء الإستفتاء فى عام 2011 ليست بالكافيه  لتمكين طرفى الإتفاقيه من إحداث تغيرات إيجابية على أرض الواقع بما يفضى إلى  " خيار الوحدة الجاذبه ".... وقد دفع هذا أن تقدم بعض المفكرين السياسيين إلى ضرورة النظر فى أمر تمديد الفترة الإنتقالية بثلاث سنوات إضافيه . غير أن هذا الإقتراح لا يجد أذنآ صاغيه من الشريكين المعنيين  فيما نرى ونلاحظ. كما أن الأصوات التى تتحدث عن الإنفصال لم تعد قاصرة على مواطنين من جنوب السودان ، فقد اصبحنا نسمع بعض الأصوات فى الشمال تتحدث عن الإنفصال بأنه "خيار أفضل " للجميع !!

                                             - 2 -

ليس هذا وحده ، بل أن السيد سالفا كير رئيس حكومة جنوب  السودان ، خرج من صمته الطويل حول رأيه فى مسألة الإنفصال ، وفجر قنبلة داويه بتصريح له تناقلته وكالات الأنباء  فى يوم السبت 31 أكتوبر 2009 . ؛حيث شجع  السيد سالفا فى حديثه هذا الجنوبيين على التصويت لصالح إستقلال جنوب السودان فى الإستفتاء..." إذا أرادوا أن يكونوا أحرارآ"... معتبرآ أن بقاء السودان موحدآ ، سيجعل من الجنوبيين "مواطنين من الدرجة الثانيه" . وأضاف السيد سالفا كير ، مخاطبآ المواطن الجنوبى ،  " عندما تصل إلى صندوق الإقتراع ، سيكون الخيار خيارك : هل تريد التصويت للوحده لتصبح مواطنآ من الدرجة الثانيه فى بلدك ؟ فالخيار خيارك ". وفى تقديرى أن هذا التصريح يشكل نقطة تحول هامه فى الخطاب السياسى لحكومة جنوب السودان ، وواضح أنه خلاصة مداولات طويله بما يعكس خيار القادة الجنوبيين المسيطرين على زمام الأمور فى الجنوب. ولا شك أن هذا الطرح ستتبعه إجراءات تؤدى إلى ظهوره كحقيقة واقعه  فى نتيجة الإستفتاء .

والمهم فهمه الآن أن إنشطار السودان إلى دولتين ، سيرتب أوضاعآ داخل السودان وفى محيطيه العربى والإفريقى ، بالغة التعقيد .  وسيفرض ذلك على  الحكومة المركزية فى الخرطوم وعلى البلدان العربية والإفريقية وعلى الدول الكبرى وعلى الأمم المتحده أعباء التأقلم والتعايش والتعامل مع هذا الواقع الجديد الذى يلوح بإلحاح شديد  فى الأفق . كذلك على دول حوض النيل أن ترتب أوضاعها لاستقبال دولة إضافيه سيكون لها صوتها وأفكارها فى هذا المنبر الهام  ، باعتبارها دولة ممر. ونحن نعلم أن الإتحاد الإفريقى الذى ظل يقاوم مثل هذه الإنشطارات لن يكون أمامه سوى الإنصياع للأمر الواقع  . وستجد الجامعه العربيه نفسها فى وضع يرتب على أعضائها أطروحات جديده لا تقتصر على علاقاتها الثنائيه مع دولتى السودان ولكنها تمتد إلى مسارات التعاون العربى الإفريقى . ومن الواضح أن الدولة الوليدة ستكون عضوآ فى الإتحاد الإفريقى ولكن هل ستسعى إلى الإنضمام للجامعة العربيه؟  وهل ستكون لها صلة بمنظمة المؤتمر الإسلامى ؟ قد يقول البعض أن ذلك إحتمال بعيد .. ولكن هل نستطيع أن نجزم بأنه لن يثور أمره على الإطلاق؟ كما يرجح الكثيرون أن هذه الدوله -إذا ما نشأت-   سيكون لها علاقات دبلوماسية واقتصادية وثقافية وعسكرية وأمنية وثيقة  مع إسرائيل . وبالنسبة للدول العربيه : ماذا سيكون الوضع بالنسبة للقروض والإستثمارات العربيه ثنائية كانت أم متعددة الأطراف ؟ ليس هذا فحسب، بل يرى كثير من المراقبين والدارسين أن الولايات المتحده والدول الغربيه واليابان سيواجهون عبئا كبيرا فى دعم الدولة الوليدة فى جنوب السودان من خلال إعادة رسم سياساتها التنموية فى شرق إفريقيا بشكل يسعى إلى تجنب صراعات جديده فى هذه المنطقه. مع ملاحظة أن هناك حديثآ يدور حاليآ فى السودان وفى مراكز بحث أمريكية واوروبيه عن احتمالات قويه لإحتراب أهلى وقبلى داخل الجنوب ، بالنظر إلى إنتشار الأسلحه فى أيدى غير نظاميه ، علاوة على

                                                  -3-

الخطر المستمر الذى ظلت تسببه  عناصر جيش الرب اليوغندى ، خاصة فى منطقة غرب الولاية  الإستوائيه.

لقد دار نقاش كثير فى الآونة الأخيره عن " أمر واقع " يكرس للإنفصال يشهده الوضع فى جنوب السودان . وقد لاحظ الكثير من المراقبين أن حكومة جنوب السودان بعد وفاة قائد الحركه الشعبيه الدكتور جون قرانق ، إنشغلت بقدر كبير فى التعامل مع قضايا أمنية واقتصادية وسياسية واجتماعية تخص الجنوب وحده ، الأمر الذى جاء على حساب الطرح الوحدوى  . ولا يهم إن كان ذلك التطور مقصودآ أو مفروضآ من حقائق السياسة والتاريخ ، ولكن المهم ما ترتب على ذلك من نتائج .وهذه النتائج والشواهد قد خلقت الآن معطيات تدق أجراس الإنفصال أكثر من أى وقت مضى.

الأمر الواقع المتصاعد حاليآ يتمثل فى وجود جيشين فى السودان ، أحدهما فى الشمال والآخر فى الجنوب ، وقد عمدت بعض الدول الغربيه إلى مساعدة جيش الجنوب فى توفير بعض التدريب وشئ من العتاد. وهناك إقتصادان فى السودان ، أحدهما ينتظم الشمال ممارسة وفلسفة والثانى ينتظم الجنوب ويتجه نحو الإرتباط ببلدان شرق إفريقيا فى كينيا ويوغندا وتنزانيا وله مصرف مركزى – غير مصرف السودان المركزى- يتعامل مباشرة مع العالم الخارجى. ليس  هذا وحده ، بل يلاحظ أن الكثير من الوزارات فى الجنوب ليس لها صيغة عمل محدده مع الوزارات المركزيه فى الخرطوم وهى تواجه ضغوطآ مكثفه للتعامل مع المشكلات اليومية فى الجنوب . وللسودان الآن نظامان تعليميان ، أحدهما فى الشمال والآخر فى الجنوب . كما أن السودان ليس له عيد وطنى يحتفل به فى كل من الشمال والجنوب... فبينما يرى المرء إحتفالات فى شمال البلاد بعيد الإستقلال فى أول شهر يناير من كل عام، او الإحتفال بالحادى والعشرين من أكتوبر ( ثورة أكتوبر 1964) أو الثلاثين من شهر يونيو ( إستيلاء الإنقاذ على السلطه عام 1989)  نجد أهلنا فى الجنوب يحتفلون بتاريخ  قيام الحرب فى الجنوب عام 1955 ( وهو ما يطلق عليه فى الشمال ،تاريخ إندلاع حركة التمرد !) ، كما يحتفلون بذكرى تأسيس الحركه الشعبيه فى عام 1983 بقيادة الراحل جون قرنق أو بذكرى رحيله فى  الثلاثين من شهريوليو من كل عام.

هناك عدد من الأسئله الإستباقيه ، ولكنها موضوعية وتلزمها إجابات موضوعيه فى حالة حدوث الإنفصال. وهى تأتى فى إطار الطرح المتزن والهادئ وغير المشوب بالعواطف أو التمنيات أو حتى الإنفعالات الوقتيه. وأهمها : ما ذا سيكون إسم الدولة الجديده؟ هل سيكون لإسمها علاقة بكلمة "السودان " أم أنها ستأتى بإسم آخر؟ ومن الملاحظ أننا لم نشهد فى أدبيات الداعين للإنفصال ذكرآ لإسم هذه الدوله حتى الآن. سؤال آخر يتعلق بالجنوبيين المقيمين فى الشمال والشماليين المقيمين فى الجنوب. وباعتبار أن العديد من هؤلاء ربما يصوتون للوحده.. فماذا سيكون وضعهم القانونى فى حالة وقوع الإنفصال؟ هل ستضطر الأمم المتحده للتدخل لمنع حالات انعدام الجنسيه وترتيب عمليات عودة طوعيه ؟ ومن الذى سيمول هذه العملية باهظة التكاليف إذا ما فرضت هذه القضيه الحساسه نفسها على الأحداث؟  كذلك هناك مئات الآلاف من الجنوبيين فى دول المهجر وكثيرون منهم فى سجلات اللاجئين والمقيمين المؤقتين.. وهذا أيضا سيفرض على البلدان المستضيفة لهم- ومنها دول محيطة بالسودان- الدخول فى تكييفات قانونية معقده لترتيب أوضاعهم من جديد . وفى الجانب الإقتصادى : ماذ سيكون الوضع بلنسبة لترتيبات إنتاج النفط وعوائده ؟ وما ذا سيكون الوضع بالنسبة للجمارك وتجارة الترانزيت ....وكيف سيكون توزيع أعباء الديون الخارجيه للسودان فى إطار مبدأ " التوريث" فى القانون الدولى ، وقد بلغت هذه الديون حوالى 34 مليارآ من الدولارات. وغير ذلك الكثير من المسائل التى ينبغى على الشريكين التحسب لها قبل أن تقع الواقعه!

أما فى مجال العلاقات الخارجيه فقد شاهدنا الكثير من الممارسات لدول تتعامل مع السودان وكأنه دولتبن! وقد أصبح لحكومة الجنوب  مكاتب فى الخارج  ( تحت مسمى مكاتب الحركه الشعبيه ) أصبح لها وضع يماثل وضع  السفارات . بل أن البعض فى السودان يرى أن هذه المكاتب لا تعدو كونها مكاتب للتدريب على العمل الدبلوماسى المستقل عن وزارة الخارجية السودانيه ، تمهيدآ لظهور دولة الجنوب المستقله. ومن الملفت للنظر أن عددآ من الدول تعقد  "إتفاقيات" مع " حكومة جنوب السودان" ، دون أن تكون الخرطوم طرفآ فى ذلك! أما الأمم المتحده والمنظمات غير الحكوميه فقد رفعت من درجة ممثليها فى الجنوب حرصآ على التفاعل مع صناع القرار هناك ، وبعض المنظمات غير الحكوميه التى أبعدت من شمال السودان ظلت تواصل عملها فى الجنوب. كما أن الولايات المتحده وبعض الدول الأوروبيه جنحت إلى تطبيق إنتقائى للعقوبات الإقتصاديه المفروضه على السودان حيث لا تطبقها على " حكومة جنوب السودان" !                           

كل هذه الشواهد والمؤشرات يعتبرها الكثير من المراقبين  إرهاصات لواقع يجرى صنعه وينتظر التقنين من خلال الإستفتاء فى مطلع العام 2011 . والسؤال الكبير الذى يبحث عن إجابة فورية لا تحتمل الإنتظار...هو : إلى أى مدى إستعدت الأطراف المعنيه داخل السودان وخارجه إذا ما قنن الإستفتاء واقع الإنفصال؟ هذه مسئولية تاريخيه على عاتق هذه الأطراف ونحن نعلم أن صناعة التاريخ تستوجب المبادرات البناءه لتفادى مغبة الإنسياق العفوى لمجرى مثل هذه الأحداث. ولا يخفى على المعايشين والمتابعين لتطورات الأوضاع فى السودان الذى عرفناه كأكبر بلد فى إفريقيا ( مليون ميل مربع)  وهو يعج بالموارد الطبيعيه فوق الأرض وفى باطنها... أن جسده السياسى قد أنهكته الحروب الأهليه والشد والجذب والتوترات المتلاحقه ، الأمر الذى أدى إلى جسد سياسى عانى لأكثر من نصف قرن من هذه العلل ... وهو الآن ، بما رتبته مضاعفات الوضع بعد إتفاقية السلام الشامل ، يواجه وضعا يمكن وصفه بالشيزوفرانيا السياسيه... فلا هو دولة واحده ، ولا هو دولتان ... ولا يمكن لجسد سياسى أن يظل هكذا على الدوام. وقد سبق لإثيوبيا ( إستقلال  أريتريا)   وإندونيسيا ( إستقلال تيمور الشرقيه ) أن مرتا بمثل هذه التجربه . وجاء الدور الآن على السودان . وبرغم آمالنا فى سودان موحد ، إلا أن المرء لا يدرك كل ما يتمناه فى ظل شواهد تخالف ذلك المنى . وأنا واحد من السودانيين ، وكغيرى من أهل بلدى أتمسك بالسلام والديمقراطية  واحترام إرادة الوطن  ومواطنيه التى سيأتى بها الإستفتاء ، مثلما إلتزم بذلك شريكا الحكم فى السودان ، أى المؤتمر الوطنى والحركه الشعبيه . والمهم أن يستشرف صانع السياسة مؤشرات المستقبل ضمن قراءة موضوعية تتيح الإستعداد للتعامل مع كافة الإحتمالات ، مع الحرص المستمر على السلام الذى أجمع كل أهل السودان عليه باعتباره أمرآ ستراتيجيآ لا يخضع للمراجعة أو المناورة أو التشكيك.         

Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]