اضطربت الأوضاع السياسية مؤخراً في جمهورية بوروندي ، وجرت المصادمات بين الشرطة والمتظاهرين ، ثم دخل الجيش في الصورة على خلفية النزاع الذي أججته رغبة الرئيس بيير نكورونزيزا في إعادة ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثالثة ، خلافاً لما ينص عليه الدستور الذي يسمح فقط بفترتين رئاسيتين . وازدادت الأمور تعقيداً عندما انتهز بعض ضباط الجيش فرصة غياب الرئيس خارج بلاده ، وأعلنوا الانقلاب عليه ، لكن الرجل عاد ويبدو أنه قد تمكن إلى حد بعيد من إعادة سيطرته على الأوضاع. غير أن مشكلة بوروندي لم تنته بعد ، وهناك احتمالات كثيرة  لا تخلو من تطورات مأساوية ، لأن النزاع السياسي الذي فجر تلك الأوضاع ما زال قائماً ،خاصة وأن التركيبة الإثنية للبلاد لها تاريخ مؤسف في مواجهات شرسة ودامية ، كان أبشعها ما جرى في عام  1972 عندما تعرضت مجموعة السكان من قبيلة الهوتو لمذابح قام بها الجيش الذي كان في معظمه من قبيلة التوتسي .ووقتها بلغ عدد الضحايا اكثر من مائة ألف ، وفر مئات الآلاف الى الدول المجاورة. ثم جاءت أحداث العنف التالية في عام  1994 عندما دارت الدوائر وهجم الهوتو على التوتسي ، وسقط عشرات الآلاف من الضحايا وأصبح مئات الآلاف لاجئين في دول الجوار.
لذلك سارع مجلس الأمن في الأسبوع الماضي لإدانة محاولة الانقلاب في بوروندي ، لأن المجلس كان -  ولا زال -  يخشى أن ينفجر بركان العنف الإثني في بوروندي ، ويجد العالم نفسه أمام إبادة جماعية قد لا يستطيع أحد إيقافها أو الحد من شراستها.
 ما يهمنا في كل ذلك هو  سبب نشوب الأزمة في بوروندي ،وهو يرجع إلى إصرار الرئيس على إعادة ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثالثة ، برغم المعارضة القوية في أوساط الشعب . وكغيره من الرؤساء الأفارقة الذين تشبثوا بالسلطة على ذلك المنوال ، تقدم بحجة لا تخلو من غرابة ، وهي أنه في المرة الأولى لم يكن قد انتخبه الشعب ، ولكن عيّنه البرلمان...وهكذا ، وبقدرة قادر ، جعل الرجل سعيه لفترة ثالثة ، بأنه سعي لفترة ثانية !!! ومن هنا يأتي حديثنا عن المعضلة السياسية الناجمة عن التشبث بالسلطة قفزاً فوق الدستور ، وهو أمر لاحظناه على الساحة الإفريقية ( ليس حكراً على إفريقيا ولكنه كثير الحدوث فيها). وهنا خطر لي أن أطلق على هذه الظاهرة مصطلحا يميزها ، وليكن المصطلح هو " المرض الإفريقي " . واجتهادنا هذا يأتي قياساً أو حذواً لمصطلحات تعارف عليها دارسو العلوم السياسية ، ومن ذلك مصطلح " المرض الهولندي"...والذي يعني الاعتماد المختل في عائدات دولة ما على تصدير مورد طبيعي( الغاز أو النفط مثلاً) مع إهمال قطاع صادرات الصناعة  ، الأمر الذي يرتب اختلالا في البنية الاقتصادية ويقلل من القدرة التنافسية لاقتصاد ذلك البلد). وفي المقابل ، يمكن أن نجتهد ونعرف "المرض الإفريقي " بأنه تلك النزعة المرضية لدى عدد لا بأس به من حكام إفريقيا وهم يتشبثون بالسلطة ، دونما مراعاة لنصوص الدستور ، وفي تجاهل تام  لرغبات شعوبهم ، وتسخير أجهزة القمع والسلطة لمواجهة الجماهير الرافضة ، دون اكتراث لما تقع فيه بلادهم من أزمات بسبب  تشبثهم بالسلطة دون سند من القانون.
لقد عانت العديد من بلداننا الأفريقية من هذا "المرض الافريقي " برغم ان دساتير معظمها تنص على فترتين رئاسيتين فقط. ويستطيع المرء أن يسترجع الكثير من الأمثلة على ذلك ، لدرجة أن البعض عدلوا الدساتير قسراً أو جعلوها مفتوحة بما يمكنهم من البقاء في السلطة مدى الحياة ( زمبابوي ويوغندا ). وإذا ما كانت بوروندي هي أحدث هذه الحالات ، فقد سبقها السودان ببضع أسابيع عندما أصرت السلطة الحاكمة على إجراء انتخابات رئاسية ورشح الحزب الحاكم رئيسه الذي قضى في السلطة 26 عاماً دون انقطاع. وإذا ما نظرنا حولنا نجد حالات أخرى مثيرة للاهتمام. ومن ذلك ما جرى في جمهورية  بوركينا فاسو في أكتوبر/نوفمبر من العام الماضي حيث أصر رئيسها بليس كومباوري إعادة ترشيح نفسه بعد قضاء 27 عاماً في الحكم . وجرت مصادمات عنيفة ، واضطر الرجل الى التنازل وأطاحت به الإرادة الشعبية العارمة وانتهى حكمه . كذلك يمكن للمرء أن يسترجع ما حدث في جمهورية توجو التي توفي حاكمها إياديما في عام 2005  بعد قضاء 38 عاماً في الحكم ، وبسرعة فائقة ، خلفه ابنه ، ولا يدري المرء إن كانت توجو ستظل تحت وطأة التشبث بالسلطة ، أو أنها ستفلت من هذه الحلقة المفرغة. ولنذكر مثالاً صارخاً آخر وهو مثال جمهورية أنجولا التي ظل رئيسها دوس سانتوس في الحكم 36 عاماً . وينص دستورها على ان يظل الرئيس في الحكم فترتين رئاسيتين فقط ، لكنهم لم يحسبوا الأعوام ال31 التي قضاها الرئيس في الحكم قبل إقرار الدستور الجديد في عام 2010 !! كما أن لجمهورية ملاوي سبق في ممارسة السلطة الرئاسية دون سقف زمني عندما أطلقت على رئيسها المؤسس الراحل هيستينقز باندا صفة " الرئيس مدى الحياة ". أما تجربة السنغال في ظل رئيسها السابق عبد الله واد فقد كانت هي أيضاً مثاراً للكثير من الاهتمام ، حيث أراد الرجل أن يستمر في الحكم لولاية ثالثة ، لكنه لم يتمكن من تحقيق حلمه ذاك وخرج من السلطة بعد فترتين بلغتا 12 عاماً. ولدينا مثال آخر تجسده جمهورية رواندا ، حيث استطاع رئيسها بول كيقامي الاستمرار في السلطة لمدة 15 عاماً ، غير أنه - حسب تقارير إعلامية - ألمح إلى أنه يسعى الى فترة رئاسية ثالثة لما بعد عام 2017. أما جمهورية غينيا الاستوائية ( الغنية بالنفط ) فقد انفرد رئيسها تيودورو نقويما بالحكم 36 عاماً ( الدستور لا يحدد عدد الفترات التي يقضيها الرئيس في السلطة).
إن مرضنا الإفريقي الذي نتحدث عنه  ، ليس هو بالمرض العضوي ، ولكنه مرض سياسي صفوي لا يصيب العامة من الناس وهو فقط  يركب رؤوس السياسيين والحكام. ومن المهم أن ندرك فداحة هذا المرض الصفوي ، لما يسببه من خسائر فادحة وأزمات تكون مدمرة أحياناً . ومن ذلك انتشار الفساد ونشوب الحروب الأهلية وانفراط عقد النظام والقانون ، وتبديد الموارد في بنود لا تعود على الشعوب بالفائدة. كما أن مثل هذه الأوضاع تؤدي إلى فشل الدولة وانتشار اليأس في أوساط شبابها ، بالنظر إلى الطرق المسدودة أمامهم وشعورهم بالغبن والظلم والمستقبل القاتم أمامهم والذي يحق لهم أن يكونوا قوته الأساسية في بلدانهم لكنهم لا يجدون الى ذلك سبيلاً.
أستطيع القول أن مرضنا الإفريقي هذا يقعدنا عن الانطلاق نحو مستقبل أفضل ، وبرغم أننا لا ندعي أن هذا المرض متوطن عندنا في إفريقيا دون غيرها ، فهناك أمثلة في بلدان عربية أو أخرى في العالم الثالث خارج إفريقيا ، إلا أنه انتشر في إفريقيا  ويحتاج إلى معالجات فكرية وسياسية وتربوية من منظور ديمقراطي شامل. ولعلي أختم بالقول أن حقنا في الملكية الفكرية للمصطلح ربما لن يكون موضع نزاع ، إلا إذا كان هناك من سبقنا الى استخدامه بذات المعنى.
*نقلا عن " الراية" القطرية.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.