عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها في عام 1945 ، خرج من تحت الركام والدمار نظام عالمي جديد ، هو نظام القطبين الكبيرين ، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ، وانبثق عن ذلك ما عرف بنظام الحرب الباردة ، والذي اعتمد على نظرية الرعب النووي التي تردع المعسكرين من اللجوء للحرب لتسوية خلافاتهما ، باعتبار أن الحرب الطاحنة كانت مأساة كبرى ، ونشأ النظام الدولي الجديد في إطار الأمم المتحدة وتحت الشعار الشهير " حتى لا تتكرر المأساة ". غير أن ذلك النظام لم يستمر أكثر من 45 عاماً ، وسادته حروب أهلية ونزاعات مسلحة ، آثرت القوتان العظميان أن تخوضاها بطرق غير مباشرة ، من خلال دعم هذا الطرف أو ذاك ، دونما مواجهة بعضهما بشكل مباشر.   (أفغانستان،الصراع العربي الإسرائيلي ، حروب التحرير في أنجولا وموزمبيق ، الحرب الأهلية في الكونغو وغيرها كثير).
بانقضاء عصر القطبية الثنائية، في عام 1990 وانهيار الإتحاد السوفيتي ، بدا للمنظرين والبراجماتيين على حد سواء ، أن النظام الدولي الجديد ، هو بلا شك نظام القطب الواحد ، الذي تمثله الولايات المتحدة بقوتها الاقتصادية والعسكرية والثقافية المسيطرة على الساحة الدولية ، باعتبارها المارد الاستراتيجي المهيمن ، وكأن في ذلك عودة لقطبية أحادية مماثلة لنظام الامبراطورية الرومانية ، ولكن مع الفارق لأن الأخيرة دامت لخمسة قرون. وهلل أهل المعسكر الموالي للولايات المتحدة واحتفلوا لدرجة أن البعض اعتقد أن في انهيار الاتحاد السوفيتي " نهاية للتاريخ " بمعنى أن الصراع في التوجهات الاقتصادية والحضارية والإستراتيجية قد حُسم بصورة نهائية لصالح العولمة المتأمركة  أو " الاميريكانا " كما يسميها البعض. ولكن واقع الحال في ما جرى في العالم دحض ذلك التصور المتسرع ، وتغيرت الأحوال في مخاض عسير ، ووجدنا أنفسنا ، كما يشير عنوان مقالنا هذا أننا نعيش اليوم وغداً في عالم متعدد الأقطاب .
هذا النظام العالمي الجديد ، هو بالضرورة يفرض على الدول الكبرى وغيرها من الدول أن تعيد الكثير من حساباتها الداخلية والخارجية ، كيما تتأقلم مع المتطلبات السياسية والاقتصادية والحضارية لهذا النظام ، ومن لم يتأقلم سيكون مصيره الانقراض ( بغياب الفعل والحيوية) مثلما آل إليه حال الديناصورات !! وقد جاءت أقوى الدلائل على بزوغ فجر هذا النظام متعدد الأقٌطاب في الأسبوع الماضي بشكل رمزي وواقعي في نفس الوقت ، عندما احتفل الإتحاد الروسي في موسكو بمرور سبعين عاماً على الانتصار على النازية. ونقول رمزياً وواقعياً ، لأن الرئيس فلاديمير بوتين تعمد أن يكون ذلك الاحتفال والعرض العسكري الذي صاحبه ، هو الأكبر منذ انهيار الاتحاد السوفيتي ، وكان يقف إلى جانبه الرئيس الصيني زي جيبينق ، وهو الذي يمثل قوة عظمى أخذت مكانها بجدارة في التشكيل العالمي الجديد . وحرص الرئيس الروسي بوتين على تأكيد صيغة هذا النظام الجديد في خطابه أمام المحتفلين عندما قال : " لقد حاول البعض خلال العقود الماضية خلق عالم أحادي القطبية"... وكان بالطبع يشير الى الولايات المتحدة.  والتفت إلى ضيفه الصيني ، وهو يشيد بدور الصين في الحرب العالمية الثانية حيث قال :  " لقد فقدت الصين ملايين البشر ، مثلما حدث مع روسيا في خضم تلك الحرب ". ولتقريب الصورة للقارئ علينا أن نذكر هنا بأن الاتحاد السوفيتي فقد 26 مليونا من مواطنيه في الحرب العالمية الثانية .! وبعبارة أخرى ، كان الرئيس الروسي حريصا على أن يؤكد على أن السلام العالمي الذي دفعت بلاده ثمناً باهظاً للوصول إليه ، يجعلها مكوناً إستراتيجيا ً في النظام الذي تشكلت ملامحه حالياً ، من خلال قوتها الاقتصادية والعسكرية ومصالحها الإستراتيجية .
بنظرة واقعية ، نرى أن أهم أقطاب النظام الجديد هم : الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الروسي ، والصين ( ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة) والاتحاد الأوروبي واليابان وستلحق بهم كل من الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا . ولا ريب فإن هؤلاء الأقطاب سيكون لهم القدح المعلى في صياغة مستقبل النظام الاقتصادي العالمي ، وانجازات الاختراقات التكنولوجية في خدمة الحضارة الانسانية ، والتأثير على مسارات التوجهات الإستراتيجية العسكرية والسياسية ، والتأثير على أفكار وسلوك المنظمات الدولية ،  وفوق ذلك استخدام القوى الناعمة لتشكيل اختيارات الشعوب وثقافاتها ، من خلال وسائط الإعلام والجهد الفكري والثقافي في كثير من  نواحي الحياة وأنماط السلوك ، الى حد بعيد. وتلك تفاعلات حضارية تحدث بالفعل المدروس والمنظم ، ولا تحدث بالضجيج أو الصياح أو حتى باجترار أمجاد الماضي ، لأن الامر هنا يتعلق بالمستقبل المبني على حاضر مستنير ومدرك لمؤهلات التنافس البشري المؤثرة والمشروعة.
وإذا ما استقر هذا النظام العالمي بوصفه نظاماً متعدد الأقطاب ، أو نظاماً متعدد الشركاء ، فلا بد من طرح السؤال المنطقي لمعرفة الفائدة أو الفوائد التي يجنيها العالم من هذا الوضع الذي تشكلت معالمه أمامنا بالفعل. وأول ما يتبادر للذهن في هذا المجال أن صناعة القرار الدولي ، سواء في إطار المنظمات الدولية المختلفة أو حتى خارج إطارها ستتسم بشيئ من الشفافية يقلل من تسلط القطب الواحد أو القطبين.وهذا من شأنه أن يشكل ضغطا حقيقياً على كبار اللاعبين في الساحة الدولية ، للسعي إلى كسب ود الآخرين من الدول في الدرجات المتوسطة أو الصغرى ، لدواعي المصلحة الاقتصادية وحماية المصالح الإستراتيجية ، وتسويق المصنوعات المدنية والعسكرية ، والحصول على الطاقة (النفط والغاز) والكثير من المعادن والمواد الخام أو شبه المصنعة. بعبارة أخرى ، فإن تعدد الأقطاب ، إذا ما استقرت أركانه ، يمكن أن يُنظر إليه بأنه يشكل عولمة متعددة الالوان والمشارب ، برغم تدافع مكوناتها نحو المصلحة القومية التي ما زالت تحكم تصرفات الدول في هذا العالم. كما أننا نتوقع أن تؤدي الصيغة المتعددة الأقطاب إلى تصعيد الضغط على الدول الخمس الكبرى ( الولايات المتحدة ، روسيا ،الصين ، المملكة المتحدة وفرنسا) لتوفير مناخ يجعلها تستجيب لإعادة هيكلة مجلس الأمن الدولي ليتلاءم مع الحقائق الماثلة ، بعيداً عن انفراد هذه الدول بحق الفيتو وحق العضوية الدائمة في المجلس. علاوة على أن ذلك قد يساعد على تحسين شروط التجارة الدولية وتدفق الاستثمارات وحركة رؤوس الأموال والعمالة الماهرة ونقل التكنولوجيا للدول النامية والعمل المشترك لحماية البيئة.
لقد ألمحنا في عنوان هذا المقال إلى أن عالمنا أصبح متعدد الأقطاب ... وأكثر. نعم فإن " الأكثر " هو ما سيظل عليه الحال بنشوب صراعات مسلحة تكون بين الكبار محسوبة ( مثل الحال في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم ) وأخرى في بلدان العالم الثالث على نحو ما نراه في المنطقة العربية ،خاصة ما نراه من حالات انفراط لعقد السلطة والأمن ، وجماعات تشيع الفوضى والرعب وتجر الناس الى معارك في غير معترك وتستنزف الطاقة وتعطل حركة التاريخ بنزوعها نحو اطروحات بالية .
*نقلاً عن الراية القطرية .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////