لم تكن الأنباء الواردة من جمهورية جنوب إفريقيا خلال الأسبوعين الماضيين ، مما كنا نأمل أن نسمع عن ذلك البلد العظيم .وأنا وغيري من الملايين في القارة الإفريقية ، ظللنا ننظر إلى ذلك القطر من منظور الاعتزاز بتجربته السياسية المذهلة في التحول السلمي من نظام عنصري شرس ، إلى نظام ديمقراطي ينتمي إلى منظومة العالم المتحضر ، في عالم ظلت تمزقه الصراعات والصدامات بغير هوادة. لكنني - في ذات الوقت -  كنت كلما زرت جنوب إفريقيا أو تأملت أوضاعها ، أجد نفسي فريسة لقلق عميق على مستقبل الأوضاع في ذلك البلد ، وذلك بالنظر إلى الهوة السحيقة التي تفصل بين ما حققه أهلها من منجزات سياسية عملاقة وبين ما استعصى عليهم من عقبات اقتصادية واجتماعية مزعجة. وبعبارة أخرى فإن معجزة التحول السياسي التي حققتها جمهورية جنوب إفريقيا ، لم تصحبها منجزات اقتصادية أو اجتماعية بذات القدر أو ما يقارب ذلك. ومازال أكثر من نصف سكان ذلك البلد يرزحون تحت وطأة الفقر المدقع ، وكلهم من السكان الأصليين ، وبينهم أيضا الغالبية العظمى من العاطلين عن العمل ، وهم في الغالب الأعم يعيشون في أحياء وتجمعات سكانية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة العصرية. وبرغم ما بذلته حكومة جنوب إفريقيا من جهد خلال العقدين الماضيين لتحسين أوضاع هؤلاء ، إلا أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تحيط بهم لا علاقة لها بما كان يتطلع إليه السكان الأفارقة من تحسن في أوضاعهم . وقد تكون هناك أسباب موضوعية تحول دون التحول السريع في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية تلك ، إلا ان واقع الحال يؤكد حقيقة لا مراء فيها وهي أن جمهورية جنوب إفريقيا ، أصبحت تتصدر قائمة الدول التي تعاني من اختلال مريع في توزيع الثروة  وتظل الفجوة بين فقرائها ( الأغلبية العظمى) وأغنيائها ( الأقلية المحدودة) فجوة مهولة ومرعبة بكل المقاييس .
على ضوء هذه الخلفية ، والتركة المثقلة التي ورثتها جنوب إفريقيا من وطأة نظام عنصري بغيض ، كان ظهور نيلسون مانديلا ، زعيم الأمة ، بمثابة المعجزة السياسية التي أذهلت العالم وحجبت شمسها الرائعة كل ما تحتها من مشاكل اقتصادية واجتماعية   ، باعتبار أن القوة السياسية الهائلة للدفع الوطني والدولي ، ستضمن إحداث التحول المطلوب في البنية الاقتصادية والاجتماعية  لجنوب إفريقيا ، بمرور المعقول من الزمن والأيام. وبعد أن مضى العملاق مانديلا ، وتلاه إثنان من الرؤساء ،  ما زالت المعادلة مختلة بين الأوضاع السياسية من ناحية وبين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية من ناحية أخرى. وإن كان نيلسون مانديلا بوصفه ذلك الزعيم المرموق وطنياً وإفريقياً ودولياً ، قد أفلح في إلهام مواطني جنوب إفريقيا الصبر على أمل التحسن في أوضاعهم ، فإن الذين خلفوه ، لم تتهيأ لهم الظروف ليكونوا مصدراً لمثل ذلك الإلهام  ، والناس يعانون بصورة مستمرة من مصاعب الحياة اليومية ويعيشون ظروفها الشاقة .
وهنا ، يبدو لي أننا نشهد في جنوب إفريقيا ، تراجعاً في مفهوم الزعامة الشامل والذي جسده نيلسون مانديلا ، إلى مفهوم زعامة لا تتجاوز حدود المرئيات القبلية أو الجغرافية المحدودة والضيقة. وهذا ما قصدته من عنوان هذا المقال ، لأننا نشهد العامة من  بعض مواطني جنوب إفريقيا ، ينزعون إلى العنف والعدوان على بعض إخوانهم الأفارقة من نيجيريا وغانا وموزمبيق وإثيوبيا وزمبابوي وملاوي والصومال ، في حملة قاسية مما أسمته وسائل الإعلام بالزونوفوبيا ( معاداة وكراهية الأجانب) . ثم نرى زعيم قبيلة الزولو المرموقة ( جوود ويل زويليثيني ) ، يقع في زلة لسان خطيرة فيما روي عنه وهو يقول عن الأفارقة الذين أقاموا وعملوا بين أهله ´عليهم أن يحزموا حقائبهم ويرتحلوا "....ثم تراجع عن ذلك بقوله أن وسائل الإعلام قد أخطأت في  اقتباسها من خطابه وأنه لم يكن يعنى ذلك.  لكن تأجيج المشاعر قد حدث على كل حال ولم يعد الجدال عن حقيقة النص ذا أهمية في هذه الظروف ، مما دفع الزعيم القبلي الكبير إلى قيادة حملة ضد الزينوفوبيا في لاحق الأيام. وعزا أمر تأجيج مشاعر الكراهية إلى سوء معالجة وسائل الإعلام لتلك القضية. وأعلن في رسالة لرعاياه " علينا أن نتأكد جميعا من عدم وقوع اعتداء على الأجانب  ، ولا بد لمثل هذه الممارسات الشريرة أن تختفي ".
احتج من يحتجون على وجود الأجانب ( معظمهم من الأفارقة) في جوهانسبرج وديربان وغيرها من المواقع ، بأن هؤلاء الوافدين يضايقونهم في أرزاقهم ويحرمونهم من العمل والوظائف . وهذا أمر قد يبدو مثيرا للمشاعر ومبررا عند البعض للشغب أو الفعل العنيف. غير أن حقيقة الأمر أن المشكلة لا تكمن في وجود أولئك الأجانب ولكنها - في تقديري - تكمن في أزمة اختلال توزيع الثروة في جنوب إفريقيا ، وهو أمر يتعلق بالسياسات الٌاقتصادية ومردودها البطئ الذي لم يتلاءم وتوقعات الغالبية العظمى من أهل جنوب إفريقيا . وهنا ضاقت مواعين الصبر واتسعت مشاهد المعاناة بما يتناقض ومنطق القيم السامية التي ناضل من أجلها نيلسون مانديلا ورفاقه قادة المؤتمر الوطني الإفريقي . وواضح أن الكثيرين من الأفارقة قد استنكروا ما ظهر من مشاهد في ديربان مؤخراً  ، وقال الكثيرون منهم أن كفاح جنوب إفريقيا للافتكاك من إسار العنصرية كان محصلة كفاح مرير من اجل قيم العدالة والمساواة وحقوق الإنسان ، مما استقطب دعما لا حدود له على امتداد القارة الإفريقية ... ولا يعقل أن يجد بعض الأفارقة قسوة الرفض والطرد بهذه الصورة غير المتوقعة .
وهكذا فإن هذا المشهد الذي وصفه الكثيرون بالزينوفوبيا ، لا بد له أن يتراجع وينزوي ، وليكن في ذلك استدعاء لعظمة مبادئ زعيم الامة (مانديلا) وتراجعا لما روي من حديث عن زعيم القبيلة ( زويليثيني) . لأن جنوب إفريقيا في الذهن والوجدان الإفريقي ليست مجرد بلد ما على الخريطة ، ولكنها مصدر إلهام لقدرة الإنسان الإفريقي والتي حاول الاستعمار وحاولت النظم العنصرية ، مسخها وتشويهها عل مدى قرون من الزمان. وتظل جنوب إفريقيا – في نظري - مارداً اقتصاديا وسياسياً ذا قيمة إستراتيجية كبرى ، ولا مجال لهذا المارد المرموق أن يتراجع عن موقعه السامق في منظومة القيم السياسية العليا للقارة الإفريقية جمعاء. وفي هذا السياق تحدث رئيس وزراء إثيوبيا هايلي ميريام ديسالين بلغة واضحة حث فيها حكومة جنوب إفريقيا بالعمل على إيقاف تلك الهجمات الزينوفوبية على الأجانب . وزاد على ذلك : " بصفتنا أفارقة فإننا نشعر جميعا بأننا ساهمنا في معركة تحرير جنوب إفريقيا من الاستعمار والعنصرية ...وأن من حق الأفارقة العيش والإقامة في جميع أنحاء القارة  ، ما دامت  تلك الإقامة في إطار القوانين والإجراءات المطلوبة ". وفوق ذلك ، عبر رئيس جمهورية جنوب إفريقيا جاكوب زوما عن شعوره بالصدمة من جراء تلك  " الأحداث المرفوضة والتي خرقت كل القيم التي تجسدها جنوب إفريقيا ".ثم أعلن على الملأ بأن بلاده ليست فيها أي سمة من سمات كراهية الأجانب وأنه ليس من الصائب وصف ما وقع من أحداث مؤسفة بأنها من نتائج تلك الكراهية المزعومة.
لا شك أن الجدال حول أسباب تلك الأحداث قد يفيد في فهم أسبابها ثم السعي لمعالجتها بشكل موضوعي. لكن القضية المركزية هنا تتعلق بالتحديات الكبرى التي تواجهها السلطة الحاكمة في جنوب إفريقيا للإسراع بعمليات التحول الاقتصادي والاجتماعي بوصفها الكابح الفعال لمثل هذه الأحداث والتي إن تم توجيهها نحو بعض الأجانب اليوم ، ربما تمتد  سهامها القادمة إلى مواطنين داخل البلد ، مثلما رأينا في بعض البلدان الإفريقية . والأمل معقود على أن تسود حكمة الزعماء التي تجسد بعد النظر وسعة الأفق مثلما برع في تجسيدها العملاق نيلسون مانديلا.

* نقلاً عن " الراية " القطرية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.