تناقلت وكالات الأنباء في الآونة الاخيرة نجاحا سياسيا حريا بالاهتمام ، حققته الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني والقوى السياسية والمجتمعية في تونس بالتوقيع على  "ميثاق شرف الاحزاب والتكتلات والمترشحين المستقلين المتعلق بالانتخابات واستفتاءات الجمهورية التونسية"  في الثاني والعشرين من الشهر الماضي ، يوليو/تموز في العاصمة التونسية .
وتكمن اهمية هذا الميثاق في كونه وثيقة توافقت عليها القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني في تونس بالتعاهد والالتزام بضوابط العمليات الانتخابية والاستفتاءات في اطار سعي قوى الثورة التونسية لتدعيم الممارسة الديمقراطية بما يحقق السلم والاستقرار والعدالة . ولذلك عبر الميثاق بما ينص على ان هدفه هو تحقيق " عملية انتخابية شفافة وعادلة ونزيهة وديمقراطية تحظى بأوفر قدر من الرضا والمصداقية " . كما يهدف في ذات الوقت الى " السعي لتشجيع قبول جميع الأطراف لنتائج الاقتراع ونبذ العنف والحد من الصراعات والقضاء على اعمال الترهيب بما يحافظ على السلم الاهلي والتسوية السلمية للخلافات".
لقد كانت مناسبة التوقيع على هذا الميثاق مناسبة كبرى في العاصمة التونسية ، وقد تمت بحضور رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الوطني ورئيس اللجنة الوطنية للانتخابات وبحضور ممثلين عن 19 حزبا سياسيا وقعوا على الميثاق ، والعديد من ممثلي منظمات المجتمع المدني ومندوبي وسائل الاعلام المختلفة . ولا شك في ان الدعم السياسي والمجتمعي العريض لهذا الميثاق يشكل خطوة مهمة في مسيرة التطور السياسي في تونس ، ليس فقط لضبط ولنجاح الانتخابات المزمع أقامتها لاحقا في هذا العام ، ولكن أيضاً للمساهمة في تعميق مبادئ واسس الممارسة الديمقراطية التي تصب في صالح عملية سياسية تحتكم الى الانتخابات وتسمع صوت الجماهير ولا تلجأ الى اساليب الترويع والعنف والإقصاء .
في تقديري ان هذا الميثاق يمثل نجاحا اضافيا في تونس الساعية لترسيخ الممارسة الديمقراطية ، كما انه يقدم مثالا يحتذى بالنسبة للعديد من البلدان العربية التي تعاني من فساد العملية السياسية لإخفاقها في اجراء انتخابات نزيهة  ، وفشلها في اللجوء الى صناديق الانتخابات ووقوعها في براثن العنف  والاقتتال المدمر. ومن المهم ان يلاحظ المرء نجاح التجربة التونسية في صياغة هذا الميثاق والسعي للالتزام به ، بعيدا عن العنف ورفضها لاستخدام السلاح لفرض الآراء ، بينما تعاني دول عربية اخرى من اقتتال وتناحر يجسد مآسي الحروب الاهلية والتصفيات الطائفية البغيضة . لذلك فإنني اعتقد ان الإنجاز التونسي هذا  ، يقدم مدونة مهمة للسلوك الانتخابي الديمقرطي  السليم ،  وفي نفس الوقت فانه يستمد قوته من التزام اخلاقي وحضاري وقانوني تعارفت عليه مكونات المجتمع بكل أطيافها الحريصة على السلام والاستقرار . وهنا مربط الفرس في منظور هذا الميثاق ،ليس بوصفه قانونا فوقيا فرضته سلطة حاكمة ولكن بوصفه نابعا من صميم قناعات عامة للوصول الى ما تطمح اليه تونس من سلام وديمقراطية والنأي بالعملية السياسية من مخاطر اختطافات او انحرافات تنزع الى استخدام السلاح او تلجأ الى العنف في تسوية خلافاتها.
ملاحظة مهمة اخرى على الميثاق التونسي للانتخابات ، وهي حرص الموقعين عليه في ان تكون له آلية للمتابعة ،حتى لا يكون وثيقة معلقة في الهواء او بعيدة عن منال المتابعة والرصد لأداء الموقعين للالتزامات الواردة فيه. ولذلك فقد نص الميثاق على تكوين  " لجنة المتابعة" التي أنيط بها   مهام تأطير الحوار والتنسيق بين الأطراف واصدار التقارير ونشرها فيما يخص تنفيذ بنود الميثاق او الإخلال بها.
كذلك اهتم الميثاق بمسألة تمويل الانتخابات ، وذلك بالنظر الى خطورة  دور التمويل في التأثير على النتائج او تشويه مخرجاتها . وهنا اكد الميثاق على الشفافية في تمويل الانتخابات والرفض القاطع للتمويل الاجنبي للمتنافسين وكذلك الالتزام بسقوف الإنفاق التي يحددها القانون في الحملات الانتخابية.
اما عن الجهد الذي بذله التونسيون للوصول الى هذا الميثاق ، فهو جهد يتميز بالنضج السياسي  والحرص على التغلب على المصاعب وتجاوز العقبات . وما يميز هذا الميثاق انه جهد تونسي خالص ،  اقترحته وتحاورت عليه وصاغته الأطراف التونسية المعنية وهو صناعة تونسية مائة بالمائة ، وجاء استجابة لمتطلبات المرحلة السياسية هناك . واعتقد ان كونه تونسيا خالصا ، ستكون فرص نجاحه واستدامته كبيرة لانه لم يفرض من قوى خارجية ، خلافا لما شهدته بعض بلدان المنطقة من مواثيق واتفاقيات فرضتها قوى خارجية وكان مآلها الفشل الذريع. وبهذا المفهوم فان الحديث عن مصالحة او حوارات وطنية ، يستلزم ان تكون حوارات ومخرجات تبذل فيها الجهود الوطنية بالدرجة الاولى وتلتزم  بمبادئ الشمول لكل مكونات العملية السياسية وتنأى عن الممارسات الاقصائية او الفوقية  ، لان هذه الاخيرة تحمل في أحشائها بذور الفشل والخراب .
كذلك لا بد من الاشارة الى ان الميثاق التونسي هذا جاء بعد ان توافق التونسيون على مرحلة وحكومة انتقالية ، تتم  بعدها الانتخابات التي سيحكمها ميثاق الشرف هذا. وذلك امر يجسد الحكمة واتساع الافق السياسي ، لان ميثاق الشرف للانتخابات لا معنى له ان لم يسبقه حوار وطني تتوافق فيه القوى السياسية على خارطة طريق سياسية تتضمن حكومة انتقالية تجرى الانتخابات في ظلها وبإشراف نزيه كما ورد في الميثاق التونسي .
علينا أيضا التنويه بأن الكثير من المراقبين يأملون لهذه الخطوة التونسية المهمة ان تساهم  بصورة نوعية في البنيان الديمقراطي التونسي بوصفها لبنة هامة في لبنات ذلك البنيان .
ومن المهم ان يدرك الجميع بأن مثل هذه المبادرات السياسية تحتاج الى تعاون وتكاتف ومثابرة تستدعي فيها الشعوب إرادتها القوية والمتماسكة من اجل المضي قدما على طريق الاستقرار والتنمية وإرساء قواعد دولة القانون واحترام حقوق الانسان والتعلم من تجارب الاخرين.
بقي ان نقول بأن البيان الذي صدر حول هذا الميثاق أشار الى ان الأطراف التونسية اتفقت عليه وصاغته بعد شهور عديدة من التحاور والتوافق  ، بمساعدة  من مركز الحوار الانساني ومقره في جنيف بسويسرا . ولفائدة القراء فهذا المركز يعنى بالمسائل الخاصة بالحوار الانساني ونبذ العنف ودعم جهود الوساطة السلمية بوصفه مؤسسة غير حكومية ومستقلة وتلتزم الحياد في تعاملها مع كل الأطراف في سعيها لإرساء قواعد ومبادئ الحوار الانساني والسلمي في عدد من بلدان العالم.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////