السفير احمد عبد الوهاب جبارة الله


كلما تنقلنا وسافرنا في بلاد الله الواسعة ورأينا ما عليه حال الشعوب الاخرى ، جال في خاطرنا الكثير من التساؤلات حول العديد من البلدان العربية وأوضاعها المؤسفة التي تبعث على الأسى والحسرة . وتدور هذه التساؤلات في محور واحد الا وهو : هل نعيش في العديد من البلدان العربية في  عالم لا صلة له بعالم تلك البلدان والشعوب الاخرى بالنظر الى ما تقاسيه شعوبنا من حروب وغزوات وزعازع واقتتال  تجعل حياة الناس جحيما لا يطاق بينما تودي بحياة  المئات من الآلاف وتشرد الملايين وتقضي على الآمال في اي قدر من الحياة الكريمة ؟
هذا سؤال يؤرقني ويؤرق كل الذين يعيشون في العالم العربي ويغمر الانسان بشعور فحواه ان العديد من البلدان العربية تعيش خارج التاريخ ولا تريد ان تأخذ باسباب ومتطلبات شعوب القرن الحادي والعشرين في سباقها المستمر من اجل توفير المقومات الاساسية لحياة تلك الشعوب من امن وسلام وتنمية اقتصادية واجتماعية في ظل نظم تلتزم بالتداول السلمي للسلطة واحترام حرية المواطن وحقوقه وكرامته. وبالنظر الى العواصف والزلازل السياسية التي ظلت تجتاح العديد من بلداننا العربية ، ومن ذلك ما تعرض له العراق من غزو وتخريب واحتراب اهلي، وما ظلت تشهده سوريا من حرب أهلية ضروس تغذيها عناصر عبر الحدود ...وماتعانيه ليبيا من تحديات جسام تهدد كيانها ،  والأوضاع المضطربة في اليمن ،  وما يعانيه السودان من ازمات سياسية واقتتال في بعض اجزائه ، كذلك ما تمر به مصر من اوضاع سياسية واقتصادية وأمنية خطيرة  ، كل ذلك وغيره يؤكد حقيقة واحدة لا اختلاف حولها وهي ان المتصارعين والمتقاتلين في هذه البلدان يتصرفون وكانهم قد اختطفوا مواقع هذه الشعوب وانتزعوها او سلخوها عن هذاالعالم وحكموا على  شعوبها بالموت خارج التاريخ . وهكذا فان هؤلاء المتصارعين والمتقاتلين ، في نظري، يجرجرون هذه الشعوب الى هوة مظلمة نوافذها محكمة الإغلاق حتى لا تدرك هذه الشعوب او تشاهد ما يدور حولها في بلاد اخرى من العالم ...وتظل حبيسة بين جدران تحكمها نظم استبدادية او جماعات من امراء الحروب والمغامرين واصحاب الأطروحات الشريرة التي تتغول على  ابسط حقوق هذه الشعوب .
ولكي نستوعب خطورة الدهاليز مغلقة النوافذ التي نجد انفسنا فيها ومدى خروجنا من متطلبات التاريخ المعاصر ، لعلنا نذكر هنا عددا من المؤشرات الهامة والتي تبعث على القلق والإحباط عندما ينظر المرء الى الصورة الكبرى التي تعيش  بلداننا خارج  إطارها ومتطلباتها .
واول ما يواجه المرء في هذه الصورة ان معظم بلداننا العربية، ان لم يكن كلها ، لم تتبن حتى الآن مبدأ التداول الديمقراطي والسلمي  للسلطة . وهنا يكمن أس الداء ومبعث القلاقل والمنازعات والاقتتال وعدم الاستقرار. وهكذا يبدو ان الطريق امام بلداننا سيكون طويلا في استيعاب هذه المبادئ لأنها لا تنبت في المجتمعات  الانسانية بين عشية وضحاها وهي تحتاج الى قناعات ثابتة وممارسات  مخلصة وكل ذلك لا يتأتى الا بانخراط كل القوى السياسية والاجتماعية في حوارات وطنية لوضع أسس الحكم وارساء مبادئه وآلياته على سبيل التراضي وليس على سبيل القهر والإملاء .
اما الملاحظة الثانية فان الاحداث الاخيرة والمعاصرة على الساحة العربية تنبئ بخلل كبير تجلى فيما ظهر من  تحديات   لحدود دول عربية ترجع الى القرن الماضي وهي في معظمها حدود ورثتها البلدان العربية من الاستعمار الاروبي. والسؤال هنا : هل نحن في هذه المنطقة نريد ان ننقص غزل الدولة الوطنية التي استقر عليها الفكر السياسي منذ القرن السابع عشر وترسخت أركانها بعد الحرب العالمية الثانية؟ وان كنا نريد ان نفعل  ذلك  ، فما هو البديل ؟ وهل نحن بقادرين على خلق بديل يتعايش  مع العالم المعاصر ويؤمن مصالح شعوبنا في ظل فوضى التناحر وانهيار نظم القانون وسيادته ؟ هذه أسئلة ستصعب الاجابة عنها بينما يمضي الزمن  وقطار التقدم يشق طريقه بالشعوب الاخرى الى مراقي الازدهار والرفاهية .
مسألة هامة اخرى ، تعارفنا عليها وتعودناها في العالم العربي ، وهي اننا مستهلكون فقط للتكنولوجيا والمخترعات التي يقدمها غيرنا في العالم لتطوير وتيسير حياة الانسان اينما كان . وبعبارة اخرى فقد ظللنا ولا نزال بعيدين جداً عن فئة المنتجين للتكنولوجيا في هذا العالم . والأدهى من ذلك وأمر ،  اننا نلمس إستسلاما كاملا لهذا الدور السلبي في بناء الحضارة الانسانية . ونكتفي بالحديث عن ماضينا ومتانة بأمجاده الغابرة  عندما كنا مساهمين في ابداعات التقدم الانساني . وذلك امر مؤسف لاننا في عصرنا هذا لا نرى خططا ، لا في التعليم ولا في التدريب تطمح للخروج من هذا المأزق التاريخي. وهكذا فنحن نحكم على انفسنا بالجلوس على مقاعد المتفرجين والقابعين خارج اطار الصورة الكبرى في هذا العالم.
هناك أيضاً مشكلة فشل معظم بلدان المنطقة في إرساء المفاهيم الاستراتيجية في التفكير والتخطيط سواء على المستوى الفردى للدولة او على المستوى الجماعي في الأطر الإقليمية . ومن المؤسف ان الجامعة العربية التي ولدت في عام ١٩٤٥ لم تنجح في أي مضمار جماعي ذي معنى بالمقارنة مع المساعي  الاوروبية  التي بدأت بعد اثني عشر عاما من ميلاد الجامعة العربية
وكذلك المساعي الافريقية التي انطلقت بعد ثمانية عشر عاما من  قيام الجامعة العربية ! والمعضلة هنا مزدوجة ،  لانها تعتري أنماط تفكيرنا وتعكس انعدام الإرادة السياسية واضمحلال القدرة على استشراف تحديات المستقبل والاستكانة المزعجة لاوضاع تنعدم فيها المبادرة والعزوف عن التصدي  لمهام تاريخية هي من صميم الوجود الانساني ولازمة لتقدم الشعوب .
اما عن تعاملنا مع العالم الخارجي ، او ان شئت فقل سياساتنا الخارجية ،. فهي في احسن الاحوال تظل في خانة ردود الأفعال . وهنا نجد انفسنا في معظم الاحيان نلهث وراء احداث ونحاول ملاحقتها لأننا لم نتحسب لها ولم نتوقع حدوثها . ونكون على الدوام من ضحايا عجزنا عن أخذ زمام المبادرة وهذا امر ندفع باهظ التكاليف للتعايش معه . والتكاليف هنا ليست مادية فقط ولكنها أيضاً ، وذلك اهم، تكاليف بشرية لا يمكن تعويضها بكل المفاهيم . ولا يختلف  اثنان في ان ما
يجري  في منطقتنا بعد الحرب العالمية الاولى لم يكن سوى أفعال لغيرنا وردود أفعال  عندنا... وهذا القول لا يعتمد على نظرية المؤامرة التي يعشقها الكثيرون منا ولكنه قول تسنده الوقائع والاحداث.  ان المرء اذا ما نظر الى اهم البلدان في شرق اسيا وجنوب شرقها ( اليابان ، الصين، الهند ، ماليزيا ، اندونيسيا ...الخ ) يلاحظ ان سياساتها تجاه مستقبل شعوبها وتجاه بلدان العالم الاخرى تخضع لمعيار المصالح القومية وتأتي في صورة أفعال ومبادرات يجري بعضها في ظروف دولية بالغة التعقيد . وتلك دول خرجت من قائمة دول تجتاحها المجاعات الى دول تصدر الغذاء ومن دول تستهلك التكنولوجيا الى دول تصنع التكنولوجيا وتصدرها ومن دول أنهكتها الحروب الاهلية الى دول تنعم بالسلم والتنمية التي تخدم الشعوب . والمفتاح لكل ذلك يتلخص في الإرادة السياسية والعمل الشاق والتخطيط الواعي  للمستقبل ومواجهة التحديات تحسبا لها وليس قعودا في انتظار حدوثها .
هناك أيضاً مؤشر آخر يدل على مأساة إنسانية جماعية اصبحت من سمات المنطقة العربية . ونقصد بذلك الملايين من اللاجئين والنازحين من ضحايا النزاعات والحروب في البلدان العربية ( خاصة العراق وسوريا والسودان وليبيا والصومال واليمن ) . واصبح اللاجئون العرب يعبرون عن أزمة ببلدانهم وعبئا على البلدان التي تستضيفهم ويمثلون أجيالا ضائعة من الشباب والملايين من النساء والأطفال الذين يشكلون الاغلبية من ضحايا الحروب والمنازعات . والخوف كل الخوف ان  نتعود على هذه الحالة من إهدار الكرامة الانسانية لمواطنينا وتموت فينا كل الضمائر وتنعدم فينا المسئولية السياسية والاجتماعية اذا لم نربط بين هذه الظاهرة المؤرقة وبين العبث السياسي ، بل والعجز السياسي الذي خلق ظروف حلقة مفرغة  من الاضطرابات وعدم الاستقرار وانعدام مقومات  الحكم  الرشيد .
تلك من اهم الدلائل والشواهد على الاغتراب السياسي والاقتصادي عن عالم اليوم مما ابتليت به معظم بلداننا في المنطقة العربية وهو ما دفع بنا للحديث عن ظاهرة الانغلاق وانعدام الرؤية لما يجري ويدور حولنا في هذا العالم . وكأننا في قناة مغلقة النوافذ وحواسنا عاجزة عن التواصل الايجابي مع حركة التاريخ التي تصنع عالما افضل في كل مناحي الحياة . وبرغم الملايين منا والذين أتيحت لهم الفرصة في السفر او العيش في بلدان عديدة اخرى كان يفترض ان نتعلم منها الكثير من الإيجابيات ،  وبرغم وسائل الاتصال الحديثة المتاحة لنا ،  وبالرغم من القيم التراثية العظيمة التي نتغنى بها ، فان نوافذنا ما زالت مغلقة ،  وإرادتنا في معظم الاحوال شبه منعدمة لما نبتغيه من افتكاك من إسار الظلام المطبق حول أعيننا واذهاننا. وان كان لنا ان ننطلق في عالم ارحب فلا مفر أبدا من ان نفتح نوافذنا على العالم . وهكذا فلنقل دونما تردد... افتحوا نوافذكم على العالم .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////