عندما تناقلت وكالات الأنباء مساء الخميس الخامس من ديسمبر نبأ فقد الزعيم العملاق نيلسون مانديلا ، كان رد الفعل عندي أننا لم " نفقد"  نيلسون مانديلا  ولكننا في واقع الأمر " وجدناه". وربما يبدو في رد الفعل ذلك شيئ من التناقض في ظاهر الأمور ولكنني لا أرى أي قدر من التناقض بعد نظرة من التأمل وإعمال الفكر. وبعبارة أخرى فإن العالم لا يصح له أن يتعامل مع رحيل هذا الرجل العملاق بوصفه حادثة تفصل بيننا وبين القيم التي ناضل من أجلها ، ولكنها مناسبة للانطلاق بقوة دفع تاريخي مضطرد لاستلهام المبادئ "الماندلية" في الحرية والعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان . فالحاجة الإنسانية لهذه القيم والمبادئ لن تنقطع ولن تنتهي ، والكفاح من أجلها لن يتوقف ، وهنا تكمن قيمة مانديلا في أنه جسد هذه القيم الإنسانية السامية بكفاح ورؤية وإصرار  ، تفوق فيه على الكثيرين من الزعماء في هذا العالم. وعليه، فإن العالم قد " وجد" مانديلا مجسدا في أسمى المبادئ ولن يفقده بأي معنى من المعاني  . وأعظم قناعات مانديلا في هذا الصدد أن التحديات المستمرة أمام البشر تخلق ثقافة النجاح والانتصار على تلك التحديات في متلازمة مستمرة فسرها بقولته المشهورة " لقد علمني مشواري الطويل على درب الحرية بأن النجاح في التسلق إلى قمة جبل ما  ، يكشف للمرء أن المزيد من هذه القمم في انتظاره كيما يتسلقها ...وهكذا دواليك ".                                        
بهذا الفهم الديناميكى لموقع نيلسون مانديلا في تاريخنا الإنساني ، نستطيع أن ندرك القوة الجبارة لتأثير هذا الإنسان الفريد على الماضي والحاضر والمستقبل . وأول ما يحمد له من تأثير خارق ، قدرته الهائلة على إنقاذ جنوب إفريقيا من هاوية الحرب الأهلية العنصرية التي كانت ضمن السيناريوهات القوية الاحتمال للتغيير  في جنوب إفريقيا. لقد نجحت قيادة نيلسون مانديلا لحركة التغيير في وضع تلك البلاد على طريق تغيير سلمي  وديمقراطي وعملي ، لم يكن في حسبان الذين كانوا يحاولون منع التغيير بالتهديد بالفوضى والخراب ! وهذا درس كبير تحقق بفضل الرؤية الثاقبة والحنكة السياسية  ‘ وفوق ذلك تلك الكاريزما الساحرة ذات المصداقية التي كان يتمتع بها القائد نيلسون مانديلا . إن المعجزة التي تحققت في جنوب إفريقيا بالتحول من نظام الفصل العنصرى إلى نظام ديمقراطي ، لم تكن حلا جاء لتلك البلاد من الخارج ، مثلما نرى بؤس الحلول القاصرة التي تتطاير فوق سماء البلدان العربية المنكوبة بالفوضى والصراع المستمر. والميزة الكبرى للحلول التي تنبع من واقع البيئة التي تعاني من الصراع أنها حلول لها فرصتها في الديمومة والاستمرار ولا تحتاج إلى جيوش وأموال من الخارج لرعايتها . وهكذا كان فكر نيلسون مانديلا وعبقريته السياسية نورا اهتدت به الحركة السياسية هناك للوصول إلى حلول وطنية ولها جذورها ومبررات نجاحها في جنوب إفريقيا . وصحيح أن المعضلة السياسية قد وجدت حلا سلميا جنب البلد أنهارا أو بحارا من الدماء المهدرة ، لكن طريق الحلول الاقتصادية ما زال  ينتظره الكثير من المعالجات . والقول الفصل هنا أن الحلول السياسية هي صاحبة السبق والأساس ، لأنها تساعد على الوصول إلى المصالحة والاستقرار وتمهد الطريق لمسار اقتصادى يأتي بالتنمية ومحاربة الفقر والعدالة في توزيع الثروة ، وتلك أمور تتطلب نوعا من الصبر لتأتي ثمارها.
إن قيمة نيلسون مانديلا لم ولن تكون قيمة حبيسة في حدود دولة جنوب إفريقيا ، كما أنها لم ولن تكون قيمة على مستوى القارة الإفريقية وحدها ، ولكن قيمته أصبحت عابرة للقارات وملكا للإنسانية جمعاء . وهكذا فنحن لا نرى أناسا ينتحبون بالبكاء في هذه اللحظات ولكننا نرى أمما وشعوبا وهي تعلن الحداد الصامت  وتنكس الأعلام وتمعن النظر والتأمل في تجربة ذلك الإنسان المعطاء الذى قبع في زنزانة لمدة سبعة عشر عاما في جزيرة روبن ، ثم إحدى عشر عاما أخرى في غيرها من السجون من أجل قضية الحرية لشعب بلاده ولكل الشعوب المقهورة في العالم! ولذلك كان مبدأ مانديلا أن الحرية لا تقبل التجزئة وأن القيود التي تكبل شخصا واحدا هي بالضرورة قيود تكبل الآخرين!
إن البلدان العربية التي يحتدم فيها الصراع ويموت فيها الآلاف كل يوم ، تحتاج إلى قادة من السياسيين الذين يتحتم عليهم دراسة تجربة جنوب إفريقيا التي قادها مانديلا . فالحنكة السياسية هي أساس الحلول السياسية التي تجنب الشعوب مسالك الخراب والدمار . وإن التعصب الأعمى والإصرار على الأطروحات المطلقة  والاستقواء بالقوى الخارجية لحسم الصراعات الداخلية ، فكل ذلك ليس سوى ممارسات تتسم بالسذاجة السياسية وتلقي بأصحابها وبخصومهم إلى هلاك مبين. ومن الدروس التي علمنا إياها مانديلا في هذا الشأن ، فكره وسلوكه السياسي في الحوار مع الخصوم . وعلينا ان نتذكر هنا قولته الحكيمة " إن كنت تريد صنع السلام مع خصومك أو أعدائك فعليك أن تتعامل معهم حتى يكونوا شركاء لك من خلال الحوار " . ولعل ذلك هو ذات المعنى الذى عبر عنه  دى كليرك  (رئيس حكومة النظام العنصري الذى اطلق سراح مانديلا من السجن ثم اصبح شريكا له في الحصول على جائزة نوبل للسلام ) عند اعلان وفاة مانديلا ، حيث قال: " إن أعظم فضائل  وإنجازات مانديلا تتمثل في تحقيق المصالحة  وسمو ذاته عن صفات الحقد والمرارة" .
إن نيلسون مانديلا ، الذي عرف بالسجين رقم 46664 وهو الرقم الذي حملته الزنزانة التي ضمته في  جزيرة روبين ، كان قوة عظمى تفوقت على قوى الدول والحكومات بالإرادة والاحتمال  للمشاق والأمل في المستقبل بصورة أثبتت جدواها برغم كل الظروف التي كانت تهدد بإطفاء شعلة الأمل والحرية في خضم ظلام نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا. ولعلي أذكر ذلك اليوم الذي التقيت فيه بالزعيم مانديلا وزوجته وقتها ويني ، لقاءا لبضع دقائق بغرفة كبار الزوار بمطار هيثرو في لندن  في صيف عام 1990 ، وكنت في مهمة دبلوماسية مع ثلاثة من وزراء خارجية الدول الأقل نموا . وانتهزنا الفرصة بالسلام على مانديلا وحرمه ( كان قد مضى حوالي خمسة أشهر على خروجه من المعتقل ) وكم أذهلني تواضع ولطف ذلك العملاق . وأيقنت وقتها أن في ذلك التواضع تعبير عن قوة معنوية هائلة تفرض نفسها على كل المواقف والظروف.
غير أن مناسبة أخرى تتعلق بمانديلا ، جعلتني أتقرب معنويا من الرجل وهي زيارة قمت بها ومعي عائلتي إلى جزيرة روبين في عام 2003  وهناك وقفنا نتأمل داخل الغرفة الصغيرة التي قضى فيها مانديلا معظم سنوات اعتقاله السياسي .وتلك تجربة تكشف للزائر عظمة ذلك الإنسان الذى لن  تكف  روحه عن التحليق في تلك الغرفة الضيقة وهي ترفرف معلنة بزوغ شمس الحرية والانعتاق من ذلك المكان .
هكذا يأتي العظماء ويذهب العظماء ولكن آثارهم تبقى ولا تندثر ، وهو ما نحن فيه اليوم عند الحديث عن نيلسون مانديلا . ألم أقل لكم أننا لم نفقده ولكننا وجدناه ...وبنفس القدر والمنطق فإننا بوفاته لم نخسره ولكننا كسبناه!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////