كنا نظن أن أقسى ما يجابه شباب البلدان المنكوبة بالفشل وتراكم الأزمات  ، هو أن يغادرها الساخطون واليائسون والمغلوبون على أمرهم لينتشروا فى بلاد الله الواسعة بحثا عن ملاذات آمنه أو سبل عيش كريمة لحين انقشاع دوافع الطرد وتحسن الأوضاع . ولم يكن أبناء السودان استثناءا من ذلك ، وقد رأيناهم خلال العقدين الماضيين وقد غادروا السودان الى كل الاتجاهات ، ولم يشهد السودان فى تاريخه الطويل مثل هذه الهجرة التي لم تكن طوعية فى أغلبها ولم تكن سوى هجرة قسرية من وطن قلت فيه الفرص وأفسدته سياسات الإقصاء والفشل فى إدارة الحكم  ، وأنهك جسده الفساد !
وأصل الحكاية أن صحيفة "أخبار اليوم " السودانية نشرت مقالا مفزعا ومزعجا لكل من اطلع عليه ونقلته عنها صحيفة سودانايل الإليكترونية بتاريخ 13 سبتمبر الجارى ، حول موضوع محاولات بعض شبابنا الهجرة غير الشرعية إلى أستراليا عن طريق إندونيسيا . كما ورد ذات الموضوع فى وسائل إعلام أخرى على صفحات من الإنترنت . وهؤلاء الشباب هم ضحايا عصابات تهريب البشر عبر القارات( هذه العصابة أحد طرفيها فى الخرطوم وطرفها الآخر فى إندونيسيا )  والذين يكدسون ضحاياهم فى مراكب هالكة ويدفعون بهم فى أمواج المحيط الهادرة ويغرق معظمهم وينتهى بهم الأمر ليكونوا غذاءا لأسماك القرش فى أعالى البحار . وتلك قمة المأساة وأقسى ما يلقاه أولئك الشبان من مصير ويبتلعهم البحر وتذهب معهم أحلامهم وآمالهم التي طافت فى أذهانهم وهم يمنون أنفسهم بحياة فى عالم جديد فى أستراليا. وحسبما ورد فى المصدر سابق الذكر ،فقد مات ثلاثة من الشباب السودانيين غرقا وأصبح 14 شابا آخرين فى عداد المفقودين ( هذه عبارة لا تعنى سوى أنهم غرقوا فى مياه المحيط ) وذلك فى شهر اغسطس الماضى وحده. وتتضارب الأرقام هنا وهناك ، ويقينى أن الأرقام الحقيقية ستظل دائما فى عداد المجهول ، ولكنها لا بد أن تكون أكبر مما تتناقله المصادر المتاحة لدينا  بين الفينة والأخرى.
كنت قد كتبت مقالا بعنوان "أستراليا والمغامرون على مراكب الموت " نشرته صحيفة الراية القطرية بتاريخ 19 أغسطس 2012 كما نشرته سودانايل بتاريخ 22 أغسطس 2012.  وكنت وقتها فى زيارة لأستراليا واطلعت على فداحة هذه المأساة التى يتعرض لها شباب من العالم الثالث وهم يشترون الوهم من عصابات تهريب البشر ولا يحصدون سوى الموت والعذاب فى معظم الأحيان. غير أننى عندما كتبت وقتها لم تكن هناك معلومات متوفرة عن ضحايا سودانيين لشبكة التهريب الى استراليا ، وكان الضحايا يأتون من أفغانستان والعراق والصين وفيتنام وسريلانكا  فى الغالب الأعم وبينهم بعض من مواطنى غرب إفريقيا والصومال.
وأنا إذ أعيد الحديث عن هذه الظاهرة المفزعة ، يحفزنى على ذلك دخول السودانيين إلى حلبة الموت والضياع هذه ، وبرغم أنهم شباب آثروا المغامرة فى خضم أجواء اليأس التي تكتنف حياتهم فى وطن تنازعته  العواصف والخيبات التي صنعها أبناؤه بالدرجة الأولى ، برغم ذلك كله ، فإن مغامرات الهجرة غير الشرعية لأستراليا هذه لا يحصد المرء فيها سوى الهلاك والضياع ، أو فى أحسن الأحوال ينتهى مرتادوها فى معسكر تصعب فيه الحياة فى جزيرة "بابوا نيو غينى " الى حين ترحيلهم إلى بلادهم ،  حسبما قررت السلطات الأسترالية مؤخرا . ولم يعد من الممكن لمراكب الموت أن تصل إلى شواطئ أستراليا لأن حرس الحدود الأسترالى لا يسمح لها بذلك ويقوم بأخذ الوافدين عليها إلى بابوا نيو غينى .
تدرك السلطات الأسترالية أن بلادها شاسعة واسعة ويعيش فيها عدد قليل من السكان (23 مليون نسمة) وهى هدف للمهاجرين من شتى أنحاء العالم . وهى تمارس سياسات متشددة فى موضوع الهجرة وتأشيرات الدخول إليها وتحرص بشدة على عدم تشجيع المهاجرين غير الشرعيين . وفى واقع الأمر يمثل موضوع الهجرة بندا هاما فى سياسات الأحزاب والحكومات الأسترالية ، وقد يلاحظ المرء أن السياسيين الأستراليين أصبحوا يجعلون من شعارات التشدد فى مجال الهجرة وسيلة لكسب أصوات الفئات المحافظة فى تلك البلاد. ومن الملفت أن زعيم الحزب الليبرالى ورئيس الوزراء الجديد فى أستراليا ، تونى أبوت أعلن بأن حكومته ستطبق سياسة صارمة تجاه المراكب التي تحمل المهاجرين غير الشرعيين أو طالبى اللجوء بمنعهم من الوصول إلى شواطئ أستراليا . ويعتبر تونى أبوت أن موضوع الهجرة غير الشرعية يشكل "حالة طوارئ " بالنسبة لبلاده  مما يستدعى إجراءات تمكن أستراليا من فرض سيادتها التامة على حدودها.
أصابنى حزن شديد وانا أرى صورة جثتين لشابين سودانيين تقام عليهما صلاة الجنازة فى إندونيسيا وهما من الضحايا الذين قضوا غرقا ، وأصبحت أسرح بخيالى محاولا رسم صور للغارقين الآخرين الذين أصبحوا غذاءا لأسماك القرش ، ثم جال فكرى حول الكارثة التي أحاطت بأهلهم وذويهم وأصدقائهم فى السودان ...وتساءلت :هل ياترى كم من شبابنا ضاعوا فى مغامرة أعالى البحار بين إندونيسيا وأستراليا حتى الآن ؟ وكم من هؤلاء لا يعرف أهلهم عن مصيرهم شيئا وانقطعت أخبارهم بشكل تام ؟ والسؤال المهم بعد ذلك : كم يا ترى من الشباب سيسلكون هذا المسار ويقومون بهذه المغامرة برغم ما يحيط بها من الهلاك والأهوال؟
تلك أسئلة تصعب الإجابة عليها ، ما دامت بلادنا بلدا طاردا ، وما فتئت مافيا تهريب البشر تمارس جشعها وجرائمها ، وما دام الوعى منعدما بخطورة مسلك محاولة الوصول إلى أستراليا على ظهر مركب متهالك  وتظل تمارسه العصابات آنفة الذكر.
ويبدو لى ، وقد لا أكون مصيبا مائة بالمائة ، أن انسداد مسالك تهريب البشر من مصر إلى إسرائيل عبر شبه جزيرة سيناء وتصميم السلطات الإسرائيلية على إعادة المهاجرين المتسللين إليها إلى بلادهم ، يبدو أن ذلك قد دفع بعصابات التهريب أن تزين لبعض شابنا التوجه نحو مغامرة أعالى البحار من إندونيسيا إلى أستراليا!
وعلى كل حال ، فإن على الصحف السودانية وكل وسائل الإعلام أن تسلط الضوء على هذه المأساة وتسعى للحصول على وقائع تضعها بين أيدى الشباب وبث الوعى بينهم لكيلا يقعوا فى أيدى هذه العصابات ولكي لا يسلكوا سبيل المغامرة المهلكة بين إندونيسيا وأستراليا . وأعتقد أن الكثيرين من الشباب قادرون على استخدام وسائط التواصل الإجتماعى للتوعية بين أقرانهم وأصدقائهم. وبالطبع فإن ما ورد فى  وسائط الإعلام سابقة الذكر يشكل رسالة قوية لمن يطلع عليها ولكن لا بد من المزيد من مثل هذه الرسائل لننقذ أرواحا لشبابنا يعز علينا أن نراها تزهق هكذا وهم أمل المستقبل ، برغم ما نراه فى الحاضر من تخبط وفشل وضياع.  
*نقلا عن الراية القطرية.
ahmed gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]