Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

إمتد عملى مع الأمم المتحده فى المجال الإنسانى الخاص باللا جئين خمسة عشر عامآ ، تنقلت فيها بين أفغاستان والعراق وبلدان الجنوب الإفريقى ودول الخليج العربيه. وكم عايشت خلال تلك الفتره قصصآ إنسانية مشحونة بالدراما والمآسى وتحديات الإنسان اللاجئ لمواقف تفوق التصور فى المعاناة والتيه والتشتت. كيف لا ، ونحن نتحدث عن أناس أضطروا لمغادرة أوطانهم ولجأوا إلى بلدان أخرى بحثآ عن الحماية والأمان . ومن تلك الحالات التى لا تفارق ذاكرتى ، حكاية العم دى سيلفا الأنقولى الذى كان لاجئآ فى غرب زامبيا ضمن عشرات الآلاف الذين وجدوا الحماية والرعايه من حكومة زامبيا والأمم المتحده .

                  كان العم دى سيلفا أحد الشخصيات الملفته للنظر فى معسكر نانقويشى للاجئين الأنقوليين ، وقد لفت نظرى  إليه عند أول زيارة لى لذلك الموقع فى شتاء عام 2001 . فالرجل  قد بلغ من العمر عتيآ واستحق بجداره لقب أكبر اللاجئين سنآ فى العالم ، حيث بلغ عمره 105 من الأعوام وقتها... والمدهش أن الرجل كان يتحرك متوكئا عصاه ويتحدث إليك بشكل يسحرك وأنت تستمع إليه وكأنه لم يتجاوز السبعين من عمره!!!   وقصة العم دى سيلفا مزدحمة بالأهوال والمصاعب والمشاق بما يثير الدهشة  ويعقد اللسان عن الكلام.... فقد ظل الرجل نازحآ ولاجئا ومطاردآ بالحروب والمآسى لأكثر من أربعين عامآ وهو يتجول بين الأدغال فى شرق أنقولا وغرب زامبيا. وحدثنى ونحن نجلس تحت شجرة وارفة – لا يقل عمرها عن عمره- بأنه فقد عشرآ من الأولاد والبنات فى تلك الحروب ... ولم يبق معه إلا إحدى زوجاته – أصغرهن- والبالغه من العمر سبعين عامآ !! وأحد أحفاده والذى كان يساعده فى الحركة والتنقل ، كلما أراد الرجل أن يتجول قليلا فى أرجاء معسكر اللاجئين ... والغريب فى الأمر أن العم دى سيلفا كان يتحدث دائمآ و يرسم على شفتيه  ابتسامة ذات مغذى وكأنه يتعجب من الأقدار التى ساقته على طريق وعر وممتلئ بالمآسى الشخصيه ...

                      لقد عاش العم دى سيلفا فترة الحرب التحريريه ضد الإستعمار البرتغالى ، ثم فترة الحرب الأهليه التى اندلعت  بين أبناء وطنه لأكثر من  25 عامآ وهو لم يذق طعم الإستقرار طوال حياته .  وقد قال لى فى إحدى المرات أنه بعد هذا العناء الطويل لا يطمح إلا إلى أن يدركه الموت فى بلاده وأن يدفن فى ترابها ... وعندما سألته – فى إحدى المرات- إن كان يشعر بالمرارة لما شاب حياته من أهوال؟ أدهشنى بالإجابه – فى صوت متقطع ومشحون بالعاطفه – أنه لا يشعر بمرارة ضد إنسان بعينه ولكنه كان يأمل فى أن تكون حياة المواطن الإفريقى أقل معاناة مما مر به من ظروف.. وأنه يأمل أن يكون الأمن والإستقرار والعيش الكريم من نصيب الأجيال القادمه فى بلاده....

                                                - 2-

                  والحق يقال أن حكاية العم دى سيلفا هى تلخيص درامى لمأساة الإنسان الإفريقى الذى عانى من ويلات الإستعمار البرتغالى ، ثم عانى من بلاوى الإحتراب الأهلى بين حركتين كانتا تتنازعان على السلطه وتتلقى كل منهما دعمآ خارجيآ أيام الحرب البارده... وهو وغيره من الملايين عصفت بهم رياح النزوح واللجوء بحثآ عن ملاذات آمنه  ولحين انتهاء الصراعات التى شردتهم فى الأحراش ومعسكرات اللاجئين .

                       لقد كان يخالجنى إحساس دفين، كلما تحدثت إلى العم دى سيلفا ، بأننى أقف أمام قمة شامخه ، قلما يجود بها الزمان ، وكنت دائمآ أنتهز الفرص للجلوس إليه أطول مدة ممكنه كلما زرت ذلك المعسكر . وبرغم ما أحاط بالرجل من خطوب ، إلا أنه كا يصر أن أشاركه رقصة الترحيب كلما زرت المعسكر على أنغام فرقة شباب المخيم ، وما فتئ الرجل يهزعصاه وأرجله فى مرح يفوق التصور لشخص فى مثل عمره...ناهيك عن شغفه باحتساء المياه الغازيه  برغم ما فيها من السكر والغازات!!!

 

                      وهكذا كان العم دى سيلفا تجسيدآ لقوة الإراده وأنت تقرأ دروس التاريخ الإفريقى فى  حزمة التجاعيد المزدحمه على جبينه العريض...وهو بمثابة دليل حى كان  يتحدى أطروحات الساسه والمفكرين – على امتداد القارة الإفريقيه – ويحملهم العبء للتصرف بمسئولية وحكمه كيما تتفادى الأجيال الحاضره والقادمه ما  عاناه الرجل طوال حياته التى امتدت لأكثر من قرن من الزمان. وهل ياترى أن ساستنا وقادتنا  يتصرفون الآن فى قارتنا العزيزه بما خلصت إليه تراكمات الحكمه التى حملها العم دى سيلفا فى ذهنه وقلبه المجروح بالخطوب والتى لم تقض على شعلة فى وجدانه من أمل فى المستقبل؟  الإجابة على هذا السؤال ليست بالصعبه لأن المرء يشهد الكثير من التجاوزات فى علاقة الحكومات بالشعوب الإفريقيه .. وأعتقد أن الطريق مازال أمامنا طويلآ وشائكآ  حتى نصل إلى ما كان يصبو إليه العم دى سيلفا من أوضاع يرتاح لها وجدانه وينعم بها أحفاده .

                   لم يكن العم دى سيلفا مجردآ من القدرة على التنبؤ فيما عبر عنه من رغبة فى العودة إلى بلاده ... وقد شارك القدر فى ترتيب تلك العوده عندما قضى جوناس سافيمبى ، قائد المعارضه المسلحه ، نحبه فى شرق أنقولا فى أوائل عام          2002 ودارت الدوائر على حركته وانتهت الحرب الأهليه فى أنجولا . وقد هيأ لنا –نحن فى الأمم المتحده – ذلك مناخآ مواتيآ لمساعدة اللاجئين الأنقوليين فى غرب زامبيا للعودة إلى بلادهم . وقد حملت إحدى الطائرات فى عام 2004 العم دى سيلفا وزوجته وحفيده الى أنقولا ومعه الآلاف من اللاجئين الذين كانوا فى سعادة غامره وهم يعودون إلى وطنهم فى صباح ذلك اليوم المشرق الجميل..

                

 

                     

                                             -3-                         

                   تلك حكاية ،بقدر  ما أشقتنى وانا أعايشها ، فقد أسعدتنى بما بلغته من نهاية تحققت معها أمنية ذلك الرجل الإفريقى العظيم. وأنا لا أدرى إن كان العم دى سيلفا مازال على قيد الحياه ..أو أنه فارقها وهو يرقد على تراب بلاده الطاهر وهى  تنعم بالسلام الذى تمناه الرجل وانتظره طويلا..!