هذا حديث عن جرح غائر لا يبرأ بمرور الزمن وتداول الأيام .. وهذا حديث عن فقد لصديق فيه تبيان لإمعان الدهر فى قسوة علينا  لا تضاهيها قسوة ولا يقدر المرء على وصفها  مهما تعاظمت عنده مفاتيح التعبير والبلاغة والإفصاح! وحديثنا هنا يشق على الأنفس بل ويمزق أعماق الجوانح والأحشاء ويثير ما نعجز التعبير عنه من الأوجاع والحسرة والآلام. وكل ذلك هبط علينا يوم أن رزئنا بوفاة أخينا الفريق (م) عبد اللطيف دهب فى عصر ذلك اليوم .. يوم السبت الثامن من يونيو 2013 فى أحد مستشفيات القاهرة. ومضى كل شئ بسرعة فائقة ولم تمر بضع ساعات إلا وكان جثمان عبد اللطيف يتوسد ثرى الخرطوم .. تلك المدينة التي أحبها وعرفناه فيها علما من أعلام الكرم والمروءة والصحبة  الممعنة فى السماحة واللطف و الوفاء.
فى ذلك اليوم العبوس من أيام قسوة الزمن ، كان الطقس حارا فى القاهرة ، وكنا نظن أنه سيمر مثل سابقاته ونحن يحدونا الأمل فى أن نرى يوما جديدا بعده وقد خفت فيه أوجاع صديقنا عبد اللطيف ...كيف لا ، والله هو الشافى والله هو الكافى وهو على ما يعجز عنه الأطباء قدير . غير أن القدر قال كلمته ومضى عبد اللطيف إلى دار البقاء ...ولكن جلال الرزء وفداحة الفقد ما زالت تحفر فى وجداننا أشكالا وألوانا من الألم  لا نستشعر منها سوى أنها من تلك النوازل التي يتضاعف وقعها كلما مرت الأيام ولعل فى ذلك استشهاد بما قيل فى ذلك المعنى :
فلرب نازلة تحل وتنجلى ...كقزع لتصريف الرياح خضوع
ولرب غائلة يطول مكوثها ...تهد الروامس بالفؤاد تلوع  !!
الصداقة والصحبة مع الراحل الفريق عبد اللطيف دهب ، لم تكن امرا عابرا ولم تكن شيئا محدودا ، فقد امتدت صلتنا به لما يزيد عن الثلاثين عاما وما أعظمها من صحبة وصداقة . فالرجل  كما يحلو للسودانيين القول ، كان " أخو إخوان" ...وإن أدركنا أبعاد هذا المعنى ، لرأينا كيف كان فقد ذلك الأخ أمرا زلزل الأرض من تحت أقدامنا وأغرقنا فى محيط من الأحزان والحسرة . وكنا فى لقاءاتنا التي لا تحصى داخل الوطن أو خارجه نطلق العنان لحوارات تمتد لساعات طويلة ... وكم كنت أسعد بتلك الساعات حيث يحلو لنا تقليب الأمور الخاصة بالوطن وأحواله ...وهو ما فتئ يجود بكنوز من الخبرة والمعرفة التي امتدت لأكثر من نصف قرن فى خدمة الوطن فى القوات المسلحة السودانية وسفيرا للسودان فى المملكة العربية السعودية وممارسا للعمل الحر مشغولا بالأمور الاقتصادية من منظور يتسع كثيرا عن نطاق أعماله الخاصة. وسأظل أفتقد ما حييت ، صوته الجهور ومقدرته الفائقة على السرد والمخاطبة الذكية. فهو إن حدثك عن خبرته فى القوات المسلحة ، أشعرك بكل جوانحك أنك تعيش معه  مجد تلك المؤسسة التي نشأت قومية ووطنية وضمت من جيل عبد اللطيف رجالا أرسوا قواعد المدرسة العسكرية المهنية السودانية عبر سنوات من الخمسينات إلى الثمانينات من القرن الماضى. وإذا ما حدثك عن أيام خدمته سفيرا لدى المملكة العربية السعودية فى مطلع الأعوام الثمانينات من القرن الماضى ، لوجدت الكثير مما يثرى المعرفة ويؤكد أن العلاقات التي نسجها الرجل فى قمة الهرم السلطوى والمجتمعى فى ذلك البلد كانت تبعث على التأمل والإعجاب.
لن يكون من العدل أن تمر ذكراك يا أخى عبد اللطيف ، إلا ونحن نذكر أيامك وأنت ترفع علم السودان مع زملائك  من أجل السلام سواء كان ذلك فى الكونغو فى مطلع الأعوام الستينات ...أو كان ذلك فى الأردن فى عام 1970...وكل ذلك كان بين مهام وطنية عديدة لا أستطيع حصرها فى هذا الحيز المحدود. والحق يقال أن معرفة الراحل عبد اللطيف دهب ، كانت تبعث على الفخر والاعتزاز بقيم الوطن والوطنية . فقد كان – عليه رحمة الله - مسكونا بهموم السودان وأهل السودان وقضايا السودان. وكم كان يقول لى دائما عندما أشجعه لقضاء بعض الوقت مصطافا بعيدا عن طقس الخرطوم القاسي فى  الصيف . كان يقول : نحن هنا فى هذا الوطن ، مهما قسا صيفه ..ومن غيرنا يثبت لكم الأوتاد والأركان ، حيث أراد الله لكم الترحال فى بلاد الله من آن لآخر !!! والسودان عنده ، وطن يتسع لجميع أبنائه وبناته وتكمن عزته ومنعته فى تعددية ثقافاته وأقوامه...وكل ذلك ينبع من حضارات سودانية قديمة ذات جذور ضاربة فى أعماق التاريخ .
وتلك حضارات باسقة خالدة  نبعت من أرض السودان ... وها أنت يا صديقى ترقد الآن على ثرى ذلك الوطن وأنت متدثر بحلل من الحب والتكريم والتقدير منا ومن الكثيرين من أهلك ومن أبناء وطنك. وكأنى أراك تردد من عالمك السرمدى ما أفصح عنه أمير الشعراء أحمد شوقى :
وطنى لو شغلت بالخلد عنه...نازعتنى إليه فى الخلد نفسى !!
اليوم يا أخى عبد اللطيف ، نحن لا نستطيع أن نجلس إليك أو تتحدث إلينا وغادرتنا إلى الخالق الذى لا تضيع ودائعه . ولكننا فى ذات الوقت نسترجع عقودا من الزمن جمعتنا بك وستظل تلك الأيام خالدات ما بقينا نحن على هذه البسيطة ...ولعلك وأنت فى دار البقاء الأبدى تتفق معى بأن لدينا مشروعا لم يشأ له القدر أن يرى النور وأنت صاحب الفكرة والمبادرة فيه. ذلكم هو اقتراحك بأن يصدر عنك كتاب تتحدث فيه عن تجاربك فى القوات المسلحة داخل السودان وخارجه ، وغيرها من تجارب العمل العام . وشاء القدر أن يأتى ذلك الاقتراح فى الأسبوع الأول من شهر مايو الماضى وأنا أودعك لكى نلتقى فى القاهرة بعد أيام معدودات. غير أن القدر كانت له تصاريف أخرى لم تكن أنت تعلمها ولم أكن أنا أعلمها... فعندما لحقت بك فى القاهرة لم نستطع الشروع فى مناقشة تنفيذ ذلك المشروع ، لأن يد القدر كانت قد أسرعت نحوك وأخذتك منا ، وقدر الله أن نفقدك وانتهى ذلك المشروع قبل ولادته...فسبحان الله مدبر الأحوال  والأمور .
الناس تأتى إلى هذا العالم ... والناس ترحل عن هذا العالم...والحياة رحلة  تحيط بها الكثير من المسرات والأحزان على حد سواء ، ولكنها فى كنهها تظل لغزا يصعب علينا استيعابه بصورة تعيننا على تجاوز العجز الذى يقعد بنا عن التعامل مع النوازل  الكبرى عند فقد الأصفياء والأعزاء .وهنا لا يجدى من العمل غير الدعاء والصبر لأن حكم المنية لا يستثنى أحدا . مما أشار إليه أبو الحسن التهامى بقوله:
حكم المنية فى البرية جارى ... ما هذه الدنيا بدار قرار !!
نسأل الله أن يغفر لك ويرحمك ويسكنك الجنة ، أخى عبد اللطيف. ونعزى أنفسنا وليكن فى الصبر لنا من ملاذ ، والعزاء والصبر لحرمكم العظيمة الحاجة نورا وأبنائك ياسر ونزار وزهير وداليا وكل أهلك وأصحابك . وعلى طريقة وداع رفاق السلاح لك نقول : وداعا ... وتعظيم سلام يا باشا.




ahmed gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
///////////