شهد اليوم الخامس والعشرون من  شهر مايو/آيار 2013 حدثا هاما على الساحة الافريقية بانعقاد قمة للاتحاد الافريقى (54 دولة) فى مقره بالعاصمة الاثيوبية أديس أبابا ، إحتفاءا بمرور خمسين عاما على تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية فى عام 1963 ميلادية ( تغير اسم المنظمة فصارت الإتحاد الإفريقى منذ عام 2002). ولم يكن الاحتفال مجرد تظاهرة إعلامية كما هو حال الكثير من هذه الاحتفالات ولكنه كان وقفة سياسية لها دلالاتها الهامة على طريق العمل الإفريقى المشترك ، بوصفه محورا اساسيا للنهوض بالقارة فى كل المجالات.
لقد اهتمت وسائط الإعلام فى سائر أنحاء العالم بهذا الحدث الكبير ،فيما عدا ما لحظناه من اهتمام ضعيف لدى وسائط الإعلام العربية ،برغم أن الحدث يهم تسعا من الدول عربية تتمتع بعضوية الاتحاد الإفريقى ! ويبدو أن انشغال الإعلام العربى بربيعه العربى الممتد لم يترك له مجالا للاهتمام بهذا الحدث الإفريقى الكبير!
وأول ما يمكن أن يقال فى هذا الصدد أن هذه المناسبة تعنى للدول الافريقية  استشراف المستقبل بعد العبور من مرحلة الاستعمار الأوروبى إلى مرحلة الحرية والإنعتاق من أغلال ذلك الاستعمار وتبوء الدول الإفريقية لمكانها الطبيعى كمجموعة فاعلة فى المنظومة الدولية . ليس هذا فحسب ، ولكن التجمع الإفريقى على مستوى القارة ظل يهدف إلى بلورة المبادئ والمواقف والسياسات التي من شأنها الدفع بعجلة التنمية ومحاربة التخلف الإقتصادى ومظاهره العديدة التي تكفل لشعوب القارة عيشا أفضل فى عالم متضارب المصالح والطموحات. وهكذا كانت الرؤية السياسية الثاقبة لدى الآباء المؤسسين من قادة القارة بإصرارهم على تأسيس المنظمة الإقليمية منذ خمسين عاما برغم عواصف الحرب الباردة وصراع القوتين العظميين وقتها ( المعسكر الغربى بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الشرقى بقيادة الإتحاد السوفيتى). ومن اولئك القادة الأفذاذ كوامى نكروما رئيس غانا وجوليوس نيريرى رئيس تنزانيا وجمال عبد الناصر رئيس مصر واحمد سيكوتورى رئيس غينيا والرئيس الجزائرى احمد بن بيلا وليوبولد سينجور رئيس السنغال وابوبكر تيفاوا بليوا رئيس وزراء نيجريا والإمبراطور الإثيوبى هيلاسلاسى الذى اصبحت بلاده مقرا للمنظمة . 
لقد جرى الاحتفال على خلفية التركيز على نهضة القارة الافريقية وهى تضع اقدامها على اعتاب نصف قرن جديد من العمل المشترك وذلك بالتطلع الى افريقيا مزدهرة تشرئب اعناق مفكريها وساستها الى العام 2063 . وقد بدا هذا التطلع المشروع امرا ملحا على الاجندة الافريقية ، بهدف شحذ الهمم على طريق تنمية اقتصادية واجتماعية وبناء نظم ديمقراطية تحقق طموحات الشعوب الإفريقية فى الحرية والتمتع بحقوق الإنسان ونبذ الحروب والعنف والتوجه نحو مسالك السوق الإفريقية المشتركة وما يستتبع ذلك من أطر اقتصادية وسياسية لازمة لمثل ذلك التطور المنشود. ولعل هذا المعنى هو ما دفع رئيس وزراء إثيوبيا فى مخاطبته لقمة الاحتفال بالعيد الذهبى عندما وصف المناسبة بأنها " طفرة كبرى على طريق المساعى الإفريقية من أجل الحرية والاستقلال والوحدة " كما أنها " بداية لانطلاق الدول الإفريقية كمجموعة لتحقيق اهدافها فى التقدم الإقتصادى والإجتماعى " . وفى ذات السياق ، عبرت السيدة زوما رئيسة مفوضية الإتحاد الإفريقى عن عزيمة أعضاء الإتحاد للسير على ذلك الطريق مؤكدة أن التاريخ ستصنعه الأيادى الإفريقية وانه تاريخ مشرق ويتميز بفرص عظيمة لإشاعة الرخاء فى ربوع القارة .
لا ينبغى أن نترك الانطباع لدى القارئ بأن المسيرة الإفريقية خلال الخمسين عاما الماضية كانت على طريق مفروش بالورود ...فقد كان فيها الكثير من المعاناة والمعوقات والحروب الأهلية وخروقات حقوق الإنسان وضنك العيش فى كثير من البلدان . لكنها فى ذات الوقت ، اتسمت بالعديد من المنجزات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي لا يمكن التقليل من شأنها بالنظر إلى الظروف الشاقة التي اكتنفت المسيرة الإفريقية خلال الخمسين سنة الماضية. وفى ذات الوقت ، فإن الزعماء والمفكرين السياسيين والاقتصاديين الأفارقة يدركون تماما أن الطريق نحو عام 2063 لن يكون نزهة مجردة من المصاعب والتحديات . والمهم أن تظل الصورة تتميز بكثير من الوضوح على طريق التنمية والديمقراطية والعمل الإفريقى المشترك الذى يصب فى مصلحة شعوب القارة. ولعل فى تجربة الإتحاد الأوروبى الكثير من الدروس التي يمكن الاستفادة منها برغم فوارق درجات التنمية ومستويات البنيات المؤسسية لدى كل من التجربتين.
من ناحية اخرى فان الهم الإفريقى الأكبر يتمحور حول تغيير الواقع الإفريقى بشكل يخرج أفريقيا من حال يرفضه الأفارقة إلى حال مغاير تماما يطمحون إليه . وهذا يعنى أن الفكر السياسي الإفريقى يريد أن يتجاوز الواقع بكل مشكلاته بالعمل الدؤوب للوصول الى مستقبل يزخر بالعديد من الإنجازات. وهنا تجدر الإشارة إلى أن القيادات الإفريقية عليها أن تعى ضرورة التعبير العملى عن هذه الطموحات ، وإلا أنها ستحكم على أنفسها بالفشل فى التعبير عن طموحات شعوبها المتلهفة للتغيير نحو الأفضل ( يلاحظ أن 24 دولة من ال25 دولة فى ذيل قائمة مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية تقع فى إفريقيا) . وبالتالى فإن تغيير تلك القيادات بالطرق الديمقراطية سيظل هو التحدى الأكبر فى ظل الالتزام بتغيير السلطة وتداولها بالطرق السلمية . وهنا يكمن التحدى المستمر لأن الإتحاد الإفريقى قد تبنى قرارا جماعيا بعدم الاعتراف بأى سلطة تصل إلى الحكم عن طريق الانقلاب على سلطة شرعية منتخبة فى أى قطر من أقطار القارة.
مما يجدر ذكره أن الإعلان الختامى الصادر عن قمة الإتحاد الإفريقى بهذه المناسبة ( العيد الذهبى) قد أشار إلى التزام القيادات الإفريقية بتحقيق أهداف الرخاء والتكامل فيما بين دول القارة فى إطار سلمى . وان تكون عملية التنمية فى إفريقيا ناتجة عن فكر وممارسات أبنائها بالدرجة الأولى.
لا شك أن التحديات أمام الإتحاد الإفريقى كبيرة ، ولكنها لا تمنع القائمين على أمر الإتحاد من رفع سقف طموحاتهم الى أقصى درجة ممكنة ، حتى يتمكنوا من تعبئة الجهود وتهيئة المناخ المناسب لانطلاق الموارد البشرية الإفريقية فى تسخير مواردها المادية الأخرى لخدمة الخطط الرامية إلى الدفع المستمر بعجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
فى كثير من الأحيان يطرح البعض التساؤل حول مقارنة بين الإتحاد الإفريقى وجامعة الدول العربية. وفى تقديرى أن الإتحاد الإفريقى قد انطلق بشكل يبعث على التفاؤل فى خدمة المصالح الإفريقية، بينما وجدت الجامعة العربية نفسها تدور فى محيط مغلق ودوامة لا تنتهى من الأزمات المعوقة للتعاون العربى . ويبدو لى ولغيرى أن الجامعة العربية تتضاءل فرص فاعليتها على الساحة العربية بشكل مثير للانتباه بينما يخطو الاتحاد الافريقى بصورة واثقة نحو غد أفضل لدوره كمنظمة إقليمية.
Ahmed Gubartalla [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]